روايات

رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم سارة علي

رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم سارة علي

رواية حبيسة قلبه المظلم البارت الثاني والعشرون

رواية حبيسة قلبه المظلم الجزء الثاني والعشرون

حبيسة قلبه المظلم
حبيسة قلبه المظلم

رواية حبيسة قلبه المظلم الحلقة الثانية والعشرون

أمام مي صديقتها كانت حياة تجلس مخفضة وجهها نحو كوب القهوة خاصتها تتأمله بشرود تام بينما صديقتها تنظر إليها بصمت محاولة أن تمنحها الفرصة لترتيب أفكارها رغم عدم معرفتها بعد بما جرى بالضبط معها لكنها أدركت منذ لحظة لقائهما إن هناك الكثير حدث معها في الأيام الأخيرة ..
أما حياة فكانت تفكر فيما قاله نديم حيث صدمها بموافقته على دراستها في الخارج بعدما أخبرها قبل يوم عن رفضه القاطع بل خيرها بينه وبين أمر السفر بكل وضوح ..
موافقته صدمتها مما جعلها تصمت للحظات قبل أن تخبره بضرورة لقاؤهما وجها لوجه لإن موضوع كهذا لا يمكن مناقشته على الهاتف لتجده يخبرها بعدم قدرته على مقابلتها في هذا الوقت فهو سيخرج مع صديقه بعد اقل من ساعة فيعرض هو بدلا عن ذلك أن يلتقيا مساءا على العشاء ..
لا تعلم لماذا رفضت أن تلتقي به مساءا ربما لإن شعرت إن وجودها معه في وقت متأخر مساءا غير مناسب كونه لا يعتبر خطيبها رسميا .. في الحقيقة هي باتت لا تفهم نفسها حتى إنها ترى كل تصرفاتها السابقة لم تكن في محلها وإنها كانت تسير خلف مشاعرها في أغلب الأحيان وهذا أمر جعلها تشعر بالضيق من نفسها مؤخرا ..
تحبه وتعترف بهذا بل تتمنى لو تنال حبه يوما لكنها في الآونة الأخيرة باتت مترددة في كل شيء …
الشيء الوحيد الواثقة منه هو مشاعرها نحوه أما غير هذا فهي ليست واثقة أبدا لا من صحة تصرفاتها ولا من صحة إرتباطها به ..
أطلقت تنهيدة طويلة قبل أن ترفع بصرها نحو مي التي تتابعها بإهتمام حتى قررت التحدث أخيرا :-
” ألن تقولي شيئا ..؟!”
هتفت حياة بهدوء :-
” لقد حصلت على عرض مميز .. منحة للدراسة في كندا .. لكنني رفضتها ..”
كعادتها كانت تقول ما في جبعتها دفعة واحدة مما جعل مي تشهق بعدم تصديق قبل أن تسأل بترفق محاولة التأكد مما سمتعه :-
” لحظة من فضلك .. أعيدي حديثك .. هناك منحة .. الى كندا .. وأنتِ رفضتها ..؟! أمر رفضك هو مزحة . قولي هذا بالله عليك ..”
ردت حياة بملامح فاترة :-
” كلا انا لا أمزح .. انا بالفعل رفضت .. رفضت الأمر برمته ..”
” بسبب نفس الشخص ..”
قالتها مي وهي تكز على أسنانها بغيظ واضح لتتطلع حياة إليها بصمت وهي تفكر إن نديم سببا للرفض لكنه ليس السبب الأساسي..
نعم أحد أسباب رفضها كان نديم لا تنكر هذا ولكن السبب الأهم والأقوى هو شعورها بالقلق من تصرفات نضال المريبة خاصة بعد حديثها مع حنين ..
” كلا ليس هو السبب فقط .. بل هناك سببا أهم منه ..”
عقدت مي حاجبيها تسألها بعدم فهم :-
” وما هو السبب الأهم ..؟!”
” سأخبرك أولا كيف جاء هذا العرض .. وبعدها سأخبرك سبب الرفض فالأمرين مرتبطين ببعضيهما .. ”
أصغت مي لحديثها بإهتمام بينما سردت لها حياة كل شيء حيث أخبرتها عن نضال وعرضه المفاجئ للعمل في شركة صديقه ثم عرض المنحة وتوجسها من الأمر والذي عززه حديث حنين أختها ونديم الذي أخبرها بوضوح إن هذا الشاب يهتم بها بشكل مريب ثم لم تنس أن تخبرها بلقائها الأخير به عندما أخبرته برفضها وما نتج عنه عن حديث بينهما ..
إنتهت من حديثها لتجد مي تتأملها بصمت غريب للحظات قبل أن تقول بجدية :-
” هو بالفعل تصرفاته تبدو غريبة خاصة عندما نقارنها بعلاقته الجافة مع والدتك وحنين ..”
” وهذا ما فكرت به أيضا .. ”
قالتها حياة بسرعة لتجد مي تضيف بجدية :-
” لكن هذا ليس سببا للرفض … هذه فرصة لا تعوض .. فرصة ربما لن تأتيك أبدا فيما بعد … ”
حدقت بها حياة بذهول قليلا ثم قالت محاولة شرح أفكارها لصديقتها :-
” ألا تفهمين علي يا مي .. ؟! التصرف بأكمله مريب .. ربما يضمر لي شيئا سيئا .. ”
قالت مي بسرعة :-
” شيء مثل ماذا مثلا ..؟! فكري بعقلك قليلا .. ماذا سيضمر لك مثلا ..؟! حتى لو كان إهتمامه غريب وغير منطقي فلا يمكنه أن يؤذيكِ بأي طريقة … ”
تمتمت حياة بتفكير :-
” انا بالفعل أفكر بعقلي يا مي .. مالذي يجعل نضال الذي يتعامل بجفاء صريح مع والدتي وحنين التي هي أخته بل حتى مع والده لا يبدو متصالحا بشكل كامل يهتم بأمري هكذا بل يجلب لي فرصة مهمة كهذه ..؟؟ لا وكل هذا فعله في ظرف أيام قليلة .. في ظرف أيام جلب لي وظيفة ثم منحة لا يحصل عليها الفرد بسهولة … وبعد كل هذا تطلبين مني ألا أهتم بغرابة تصرفه ..”
” ربما يحبك ..”
قالتها مي فجأة لتتجمد ملامح حياة للحظات قبل أن تتفوه أخيرا بإستنكار :-
” هذا هراء ..”
” لماذا تقولين هذا ..؟! ألم تفكري للحظة إنه يفعل هذا بدافع الحب او الإعجاب على الأقل ..؟! ألم تفكري إنه إختار كندا تحديدا لتكوني بجانبه ..؟!”
أضافت مي بجدية :-
” إذا كان هدفه غير نزيها معك فهذا سيكون بدافع إيذاء والدتك وحسب كلام أختك فإن والدتك لم تضره يوما بسوء بل حتى زواجها من والده جاء بعد أعوام من إنفصال والديه ، إذا على إي أساس وضعتِ فرضية إن دوافع تصرفاته وعرضه المفاجئ لك مريبا ويضمر شرا لك من خلاله ..؟!”
” يحبني وهو يعرفني منذ فترة قصيرة للغاية ..”
قالتها حياة ساخرة لتجد مي تخبرها ببرود :-
” أنتِ أحببتِ نديم من أول لقاء بل ربما منذ أن سقطت عيناكِ على صورته .. ألا تتذكرين ذلك ..؟! أصبحت متيمة به بطريقة ما زالت تثير تعجبي … !!”
لم تجبها حياة بل بدا عليه التفكير مجددا لتكمل مي بتروي :-
” لا ترفضي عرضًا كهذا يا حياة .. إنها فرصة لتنطلقي في عالم جديد ومكان ستجدين به من يحترم ويقدر إجتهادك وذكائك .. ”
أردفت مي بضيق لم تستطع أن تخفيه :-
” لا ترفضي لأجل نديم لإنك ستندمين بعدها أشد الندم بسبب رفضك هذا فهو لا يستحق رفضك أبدا ..”
” نديم وافق على أمر السفر .. ”
قالتها حياة بنبرة باردة لترفع مي حاجبها مندهشة قبل أن تردد :-
” حقا ..؟! هذا جيد .. ”
أضافت تسألها بجدية :-
” ماذا ستفعلين الآن إذا ..؟!”
حدقت بها حياة بصمت سيطر عليها مجددا وقد وجدت نفسها عاجزة عن قول أي شيء مرة أخرى ..
……………………………………………………….
اندفع داخل غرفة نومه وملامحه لا تبشر بالخير ..
لقد رفضته عرضه بكل غباء ..
البلهاء ترفض عرضا كهذا لأجل من لا يستحق ..
لأجل رجل لا يناسبها من كافة النواحي ..
تدمر مستقبلها بيدها بدافع الحب …
لا يفهم مالذي يجعلها متمسكة بذلك البغيض لتلك الدرجة وهو الذي لا يجد فيه ميزه تذكر ..
ضحك بعصبية وهو يمرر أنامله داخل خصلات شعره مفكرا إنه يمتلك كل شيء ..
المال والوسامة والمركز الإجتماعي والثقافي ومع هذا لا يستطيع أن يجذبها نحوه أم هو لم يحاول فعليا أن يفعل ..
تذكر إذا ما حاول أن يلعب على وتر مشاعرها لكنه أدرك إنه لم يفعل ذلك فهو بمجرد إدراكه إرتباطها بآخر إختار أن يبعدها عنه بطريقة مختلفة ..
عرض كالذي قدمه لا يوجد إنسان عاقل يرفضه وهي رفضته بكل برود ويقسم إن سبب رفضها الأحمق هو ..
ومجددا يسأل نفسه عن سبب إرتباطها به وهو الذي يمتلك ماضي يجعل أي فتاة عاقلة ترفضه ..
نعم علم بكل ماضيه منذ أن عرف نفسه على إنه خطيبها … في الحقيقة هو يعرف نديم الخولي مسبقا .. يعرفه هو وأخيه عمار حيث كانا في نفس المدرسة الثانوية الخاصة بالطبقة العليا من أفراد المجتمع ..
مدرسة خاصة لا يرتادها سوى الأغنياء حيث كان هو يصغر نديم بعام واحد لكنه يعرفه جيدا بل تحدث معه مرة او مرتين ولكن بالطبع نديم لن يتذكره بسهولة ..
ما زال يتذكره فهو دائما ما كان مميزا عن البقية بكل شيء ..
ليس بسبب وسامته الملحوظة بل بذكائه الشديد حيث كان دائما الأول على دفعته وهو بدوره كان مثله تماما وسيما لدرجة كبيرة وذكيا جدا والأول على دفعته أيضا لكنه يختلف عن نديم كثيرا فهو كان مغرورا باردا مع الجميع دون إستثناء لا يمتلك سوى مجموعته الخاصة المكونة من صديقين حميميين .. يتعامل مع الجميع بترفع واضح مما جعل الجميع يتجنبه أما نديم فكان مختلفا عنه .. لبقا ومرحبا بصداقة الجميع بل كان يشارك في أغلب الأنشطة المدرسة ويتفوق بها ورغم هذا كله كان يعلم إنه يمتلك نزعة غرور فطرية داخله لكنها لا تظهر إلا في مواقف معينة …
ابتسم ساخرا من جديد متذكرا صدمته عندما جمع المعلومات الكاملة عنه فهو سافر بعد إنهاؤه السنة الاولى من دراسته الجامعية مباشرة الى كندا وكل ما عرفه عنه وقتها إنه إختار دراسة الصيدلة ومنذ وقتها انقطع تماما عن الجميع وعندما كان يزور البلاد مرات قليلة في السنة لم يكن يعلم بما حدث معه فزياراته كانت قصيرة لغرض ارضاء والده ليس إلا ..
لا ينكر إن ما أدركه كان مفاجئا ولا ينكر شعوره بإنتصار خفي وهو يرى فتى المدرسة الأولى أصبح مجرد سجين سابق في تهمة مخزية ..
يدرك داخله إنه بريء فهو لا يحتاج لأن يفعل شيئا محظورا كهذا لكن طبيعته المنافسة ورغبته في أن يكون أفضل من الجميع جعلته ينتشي قليلا عندما يرى تفوقه وما وصل إليه بينما ما وصل إليه ذلك الشاب الذي لم يحبه يوما رغم عدم تنافسهما في أي وقت بسبب تلك السنة الفارقة بينهما ورغم هذا كان يشعر إنه يسرق منه الأضواء رغم كونه أفضل منه في كل شيء …
يدرك جيدا إن إهتمامه بحياة ومشاعره نحوها لا علاقة لها بكل هذا فهو ليس نذلا لدرجة أن يفكر بها لمجرد كونها تعتبر خطيبته لكن فكرة إن الفتاة التي نالت إعجابه الشديد وأرادها بقوة ملكا لنفس الشخص الذي لم يحبه يوما والذي أصبح لا يقارن به من جميع النواحي تزعجه بشدة وهو الذي لم يعتد على الخسارة في أي وقت من حياته …
توقف عن أفكاره عندما سمع صوت طرقات على باب غرفته فتأفف بصمت قبل أن يسمح للطارق بالدخول ..
دلفت حنين الى داخل ووقفت أمامه ليطالعها بملامح متجهمة قبل أن يسمعها تقول بجدية لا تخلو من التحذير :-
” إبتعد عن حياة يا نضال .. ”
” هل أسمع نبرة تهديد في صوتك ..؟!”
سألها بهدوء ساخر لتظلم عيناها وهي تقول :-
” حياة لا تستحق أن تفعل بها هذا .. هي أبسط من تعقيداتك .. ”
” ماذا تقصدين ..؟!”
سألها بصوت مترفع لتجيب ببرود :-
” أعلم جيدا إنك تسعى خلفها لسبب معين .. سبب مريب .. سبب سأدركه لا محاله .. فأنا أدرك جيدا إن هذا الإهتمام بل الإنجذاب الغريب ليس عاديا ولا عفويا .. لكن تأكد إنني لن أسمح لك بآذيتها أو إستغلالها وسأفعل أي شيء كي تبتعد عنها ..”
تأملت جمود ملامحه التي إزدادت قسوة لتكمل بنفس البرود والجدية تظهر في كافة ملامحها ونبرة صوتها :-
” أعلم إنها رفضت عرض المنحة وأظن إنها سترفض العمل في شركة صديقك أيضا وبما إنها قررت هذا فعليه إتركها وشأنها ولا تحاول الضغط عليها مجددا … ”
تقدم نحوها مندفعا قبل أن يقبض على ذراعها يهدر بها بعصبية :-
” أنتِ تحدثتِ معها ، أليس كذلك ..؟! ماذا قلتِ لها ..؟! ماذا أخبرتها عني ..؟!”
ردت بقوة وهي تدفعه بعيدا عنها :-
” أخبرتها ما يجب أن تعلمه .. أخبرتها ألا تنخدع بك وإن عرضك بأكمله مريب وغير منطقي …”
” انا لا أنوي لها شرا أبدا .. ”
قالها بنبرة بدت لها صادقة لتهتف بهدوء :-
” أيا كانت نيتك فهي إختارت الرفض .. ”
تنهدت بصوت غير مسموع ثم قالت بترجي :-
” ابتعد عنها يا نضال .. انت لا تناسبها وهي كذلك .. حياة بريئة ونقية ولا تستحق أن تتألم لأي سبب كان …”
أنهت كلماتها وهمت بالتحرك خارجا قبل أن تتوقف مكانها وهي تسمعه يعترف بخفوت :-
” أنا أحبها ..”
تجمدت أطرافها لثواني قبل أن تلتفت نحوه ترمقه بتشكك وهي تردد :-
” تحبها ..؟!! بهذه السرعة ..؟!”
وجدت ملامحه صامتة لا توحي بشيء لكن نظرات عينيه القوية كانت تخبرها بوضوح عن صدق ما يقوله فهزت رأسها بسرعة تعترض على ما يقوله عندما قررت ان تهتف أخيرا :-
” وهي تحب آخر .. وسترتبط رسميا به قريبا .. ”
صمت قليلا قبل ان يومأ برأسه بصمت فتأملت قتامة ملامحه بعدم إرتياح حتى عندما قال وكأنه يؤكد صحة حديثها :-
” معك حق .. ”
خرجت بعدها من غرفته وشعور عدم الراحة يسيطر عليها كليا فهدوءه وهو يتحدث بل يوافق ما قالته برده المقتضب بدا لها يحمل خلفه الكثير ..
………………………………………………………..
تجلس في صالة الجلوس بملامح رغم الهدوء الظاهر عليها إلا إنها تحمل خلفها الكثير من الحيرة والتعب …
تتذكر حديثه لها وإصراره عليها الذي لمس روحها وقلبها بقوة ..
تتذكر كلامه عما سيفعله لأجلها وكم كونه يستحقها والأجدر بها ..
ترى نفسها في وضع صعب للغاية وحيرة شديدة وهي التي لا تعلم بعد اذا ما كانت تحبه فعلا أم مشاعرها لا تتعدى الإعجاب ..
تتذكر كلمات ليلى الموجزة والتي أخبرتها بوضوح أن توافق اذا ما كانت تحبه ولكنها هل تحبه فعلا أم ما تشعر به مجرد انجذاب وقتي لرجل جذاب ومختلف وجريء …
شعرت بإن كثرة تفكيرها في الموضوع منذ من البارحة يضغط على عقلها بقسوة وما زاده رسالته صباح اليوم وهو يخبرها بصراحة إنه يريد موعدا للتقدم لخطبتها ..
ثقته بنفسها وهو يقرر خطبتها رسميا رغم ما سمعه عن رفض عائلتها لوضعه ضاعفت إعجابها نحوه وهو الذي يتشدق بنفسه كونه قادرا على إقناعهم ما إن يراهم وجها لوجه ويتحدث معهم ..
توقفت عن أفكارها وهي ترى والدتها تدلف إلى الداخل بملامح تظهر عليها القليل من الفرحة ..
فرحة لم تفهم سببها لكن والدتها أخبرتها بسرعة :-
” غالية .. تحدثي مع حياة من فضلك ..”
سألتها غالية بتوجس :-
” لماذا ..؟!”
أجابتها صباح وهي تبتسم بهدوء :-
” أخبريها إنني أدعوها غدا على العشاء … ”
أومأت غالية برأسها متفهمة لكنها لم تستطع منع نفسها من السؤال :-
” حسنا سأفعل ولكن ما سبب هذه الفرحة البادية على وجهك ..؟!”
هتفت صباح وهي تبتسم :-
” اتصلي بها أولا وسأخبرك بعدها ..”
ثم نهضت من مكانها وقالت بجدية :-
” سأتفقد شيئا في المطبخ سريعا وأعود إليك ..”
تابعتها غالية بدهشة حتى اختفت تماما لتحمل هاتفها وتقرر الاتصال بحياة التي أجابتها بعد لحظات بنبرة مرحبة :-
” اهلا غالية .. كيف حالك ..؟!”
ابتسمت غالية وهي ترد تحيتها :-
” اهلا حبيبتي … انا بخير .. ماذا عنك ..؟!”
ردت حياة سؤالها ثم تحدثتا قليلا قبل أن تخبرها غالية عن دعوة والدتها فسمعت صوت حياة تهتف بقليل من الارتباك:-
” دعوة على العشاء .. ؟! ما المناسبة لذلك ..؟!”
ردت غالية بجدية :-
” لا أعلم .. يبدو إن والدتي تحاول التعرف على خطيبة إبنها وزوجته المستقبلية فهي لم تجد الفرصة للتحدث معك يوم ميلادي ..”
قالت غالية جملتها الأخيرة بقليل من المشاغبة لتسمع حياة تقول بهدوء :-
” حسنا دعوتها مقبولة بالطبع .. سأكون غدا عندكم ان شاءالله ..”
هتفت غالية بصدق :-
” ستنيرين منزلنا حقا يا حياة .. انا اصلا كنت انوي زيارتك بالفعل وها قد جاءت دعوة والدتي بالوقت المناسب ..”
جاءها صوت حياة اللطيف كعادته :-
” وانا اشتقت لك حقا .. حسنا سنلتقي غدا باذن الله ..” ” رائع ..”
قالتها غالية بحماس افتقدته الأيام القليلة السابقة قبل أن تودع حياة بعدها لتجد والدتها تدلف الى المكان مجددا فتسألها غالية بسرعة :-
” تحدثت مع حياة وستأتي غدا .. أخبريني ما سبب هذه الفرحة الواضحة عليك ..؟! أحتاج حقا لسماع أخبار مفرحة هذه الفترة..”
عقدت صباح حاجبيها تسألها بتعجب :-
” لماذا تتحدثين هكذا ..؟! هل تعانين من مشكلة ما ..؟! انظري الي .. وضعك بالكامل لا يعجبني هذه الفترة ..”
قالت غالية بتذمر :-
” ماما ..!! أخبريني الآن من فضلك ..،”
ابتسمت صباح وقد تذكرت ما تريد قوله حيث قالت بحماس :-
” عريس .. عريس رائع تقدم لخطبتك يا غالية ..”
بهتت ملامح غالية وهي تردد بذهول :-
” عريس تقدم لي ..”
أومأت صباح برأسها وهي تضيف :-
” وهذه المرة لن ترفضي كالمرات العديدة السابقة .. فهو عريس رائع لا ينقصه اي شيء بل يكاد يكون كاملا والكمال لله وحده وفوق هذا كله نعرفه جيدا وتربى بيننا ..”
قاطعتها غالية تسألها بتوجس :-
” من تقصدين ..؟!”
ردت صباح بنفس السعادة :-
” شريف ابن عمك …”
انتفضت غالية من مكانها تهتف بسرعة :-
” كلا .. ”
نظرت اليها والدتها بدهشة قبل ان تقول بجدية :-
” لماذا ترفضين ..؟! الشاب لا ينقصه شيء .. طبيب وثري ووسيم وفوق هذا كله ابن عمك .. ”
” لا أريده .. ”
قالتها غالية بقوة ثم أضافت بسخرية غريبة :-
” مالذي ذكره بي الآن أساسا …؟! لماذا تقدم لخطبتي الآن وأنا كنت طوال عمري أمامه … ؟! ”
” الشاب كان يدرس وأنت تعلمين إنه قضى سنوات في الخارج لغرض دراسة تخصص جراحة القلب … ”
هتفت بها صباح من رفض ابنتها الغريب بعدما وقفت أمامها تقابلها وجها لوجه لترد غالية بتعنت :-
” والآن بعدما تخرج وسافر ودرس واجتهد وأصبح أخصائيا معروفا تذكر أن يتزوج وبالطبع لن يجد أفضل من ابنة عمه الحسناء المناسبة له من كافة النواحي .. لكنني غير موافقة … أخبريه برفضي فورا .. ”
همت بالتحرك خارج الغرفة لكن والدتها قبضت على ذراعها توقفها وهي تسألها بصرامة :-
” هل هناك شخص آخر ..؟!”
نظرت إليها غالية للحظات قبل أن تومأ برأسها بتأكيد على ما يدور في رأس والدتها لتسألها والدتها مجددا بريبة :-
” هل هو نفس الشاب الذي تحدثت عنه مسبقا ..؟! ألم تقولي إنك صرفتِ النظر عنه لإن هناك شيء يخصه لا يناسبك .. ؟!”
هزت غالية رأسها ثم ردت :-
” نعم ولكنني تراجعت عن تفكيري وأدركت إن وضعه الذي رفضته في بادئ الأمر ليس بذلك السوء .. ”
سألتها والدتها بقلق :-
” ماذا تقصدين بوضعه ..؟!”
ردت غالية بجدية :-
” مطلق ولديه طفل ..”
ما إن سمعت صباح ما قالته غالية حتى إنتفضت كالملسوعة وصرخت بنبرة قوية :-
” لا .. لا وألف لا .. ”
” لماذا ..؟! أنا أريده ومقتنعه به …”
قالتها غالية بقوة لطالما كانت موجوده فيها لكن والدتها لم تأبه وهي تقول بإنهيار :-
” والله أتركك جانبي دون زواج ولا أطفال حتى آخر العمر ولا أعطيك ِ له .. هل فهمت ..؟!”
نظرت غالية لها بعدم تصديق فقالت بصوت منفعل قليلا :-
” ولكنني موافقة عليه وسأتزوجه .. ”
” لا أحد سيقبل .. لا أنا ولا أخوك سنقبل … ”
قالتها صباح بحزم لتهتف غالية بمرارة :-
” لماذا ..؟! لإنكما تخشيان من تكرار الماضي ..؟! تظنان إن فراس كوالدي وابنة سيكون كعمار ..”
صاحت منفعله :-
” ولكنني لست مثلك .. لإنني لم أتزوجه وهو زوجا لآخرى .. لإنني لن أصبح زوجة ثانية ولن أدمر حياة زوجية كاملة بسبب الحب كما فعلت انتِ .. ”
لم تشعر صباح بنفسها إلا وهي تصفعها على وجهها بقوة فتجمدت غالية في مكانها دون أن تستوعب ما حدث ..
والدتها صفعتها وهي التي لم يجرؤ يوما أحدا على مجرد لمسها ..
تجمعت الدموع داخل عينيها لكنها أبت أن تذرفها فشمخت برأسها عاليا قبل أن تنطلق مندفعة خارج الغرفة لتسقط صباح على الكنبة جانبها مرددة بإنهيار :-
” الى متى سأدفع ثمن خطأ إرتكبته في لحظة غباء .. الى متى سأدفع ثمن زواجي منك يا حسين ..؟!”
……………………………………………………………..
جلس فراس بجانب والدته يتابعها وهي تتابع أحد الأفلام القديمة بإنتباه شديد ..
” هناك شيء ما أريد أن أتحدث معك عنه ..”
قالها بهدوء فأولت والدته تركيزها نحوه ليضيف بجدية :-
” قررت أن أتزوج … ”
بهتت ملامح والدته للحظات قبل أن تهتف بحشرجة :-
” مجددا ..؟! ستتزوج مجددا ..؟!”
اومأ برأسه وهو يقول :-
” نعم سأتزوج مجددا ..”
” وعهد ..؟! ماذا عنها ..؟!”
سألته بعدم تصديق ليرد بجمود وقد تجهمت ملامحه كليا :-
” ما بها عهد ..؟! هي تطلقت منذ أكثر من عامين … الأمر لا يخصها من جميع النواحي ..”
عادت والدته تسأله بنفاذ صبر :-
” وابنك .. ماذا عنه ..؟!”
رد بجدية :-
” ابني سيبقى معي كما يفعل الآن …”
” ألا يكفي إنك حرمته من والدته .. ؟! تريده أن يعيش مع زوجة أب أيضا ..”
هتفت بها والدته بعصبية قبل أن تضيف بقوة :-
” انا لن أقبل بزوجة غير عهد لك … هل فهمت ..؟!”
” تدافعين عنها وكأنها هي ابنتك ولست انا ولدك .. تدافعين عنها وكأنني من تركتها وليست هي من فعلت ..”
قالها بملامح برزت قسوتها المعتادة وذكرى الماضي تلوح حوله بالأفق لترد والدته بجمود :-
” تركتك لإنك تستحق .. هي لم تتركك هكذا دون سبب او لسبب لا يستحق .. كلانا يعلم جيدا الحقيقة جيدا يا فراس فلا داعي للتظاهر بغير الحقيقة …”
همس بعدم رضا :-
” عهد خرجت من حياتي وحياة ابنها ما إن أصرت على الطلاق .. منحتها ما تريده وهي بذلك لا عودة لها .. ”
” لكن هذا ظلم ..”
قالتها والدته بإنفعال مكتوم ليرد بلا مبالاة :-
” على كل شخص أن يتحمل نتيجة إختياره ..”
” تلك التي إخترتها .. هل تراها تناسبك حقا ..؟! وهل ستكون الزوجة التي تريدها ..؟! والأهم هل ستنسيك عهد حقا ..؟!”
ردد بقوة وسيطرة :-
” إنها تناسبني للغاية أكثر من عهد هانم التي تتشدقين بها وكأنها ملكة زمانها .. وستكون الزوجة التي أريدها بالطبع .. اطمئني ولا تشغلي نفسك بأمور ليست مهمة .. ”
” اسمعني جيدا يا فراس .. ما تفعله خطأ كبير .. كان من المفترض أن تحاول إيجاد حل لوضع ابنك الحالي .. ابنك يكبر بعيدا عن والدته … يوما ما سيكرهك عندما يدرك إنك تعمدت حرمانه منها أما عهد فهي لن تغفر زواجك أبدا ومهما حدث .. عهد التي من الممكن أن تغفر يوما اخطائك في حقها لن تغفر زواجك من غيرها خاصة وأنت تتعمد حرمانها من ابنها وحيدها .. ”
رد بصوت جاف :-
” لا أريد غفرانها من الأساس .. ”
هتفت والدتها بضيق :-
” كاذب انت يا فراس .. كاذب ومغرور … مع مرور الزمن غرورك وتجبرك يزدادان بدرجة مخيفة .. راجع نفسك يا فراس كي لا تخسر آخر أمل تبقى لك في إستعادة حياتك السابقة .. في بقائك مع أسرتك .. بجانب زوجتك التي تحبها وطفلك وحيدك ..”
نهض من المكان وهو يشعر بعدم قدرته على استيعاب المزيد حيث قال بصوت حاسم مبعدا حديث والدته عن عقله :-
” جهزي نفسك لإننا سنذهب قريبا ونخطب الفتاة .. هي فتاة جميلة بل رائعة ومن عائلة محترمة وذائعة الصيت .. ”
هم بالخروج لكن صوت والدته القوي اندفع بتسلط :-
” اذا كنت مصرا على خطبتها فإذهب لوحدك .. أخبرتك منذ قليل .. لن أرتضي زوجة لك غير عهد لذا فهذه الزيجة لا علاقة لي بها أبدا … هل فهمت ..؟!”
اعتصر قبضة يده بقوة وهو بالكاد يحاول السيطرة على أعصابه من الإنفجار ليندفع خارج الغرفة والغضب يتقاذف حوله دون رحمة ..
………………………………………………………..
دلف الى داخل مكتبه بعدما طرق على بابه ليرفع راغب وجهه من فوق حاسوبه فيرى أخيه يلقي التحية وهو يتقدم نحوه بملامح غير مريحة ..
تشدق فم راغب بإبتسامة لا تخلو من التهكم وهو يقول :-
” أصبحت تأتي الى المنزل دون أن أطلبك .. تطور مثير ..”
هتف مهند غير مكترثا بحديث أخيه بعدما جلس مقابلا له :-
” متى سأتزوج ابنة عمك المصون ..؟! الأيام تمر ولا جديد ..”
هتف راغب بفتور واضح :-
” قريبا …”
” متى يعني ..؟!”
سأله مهند بنفاذ صبر ليفكر راغب لا اراديا بما علمه من عمار عن حاله جيلان النفسية السيئة حيث أخبره بإختصار إنها تحتاج لعلاج نفسي مكثف وبالتالي من الصعب إتمام الزيجة فجيلان نفسها ترفض الأمر ..
” لماذا لا تجيب ..؟!”
هتف بها مهند بغلظة فسأله راغب :-
” ما بالك مستعجل لهذه الدرجة ..؟!”
أجاب مهند من بين أسنانه :-
” لإن حياتي ومستقبلي بالكامل متوقفان على هذه الزيجة .. أريد أن أفهم ما يحدث بالضبط ومتى ستتم وننتهي من هذا الأمر ..”
صمت راغب وقد بدا كأنه يفكر في شيء ما بينما أكمل مهند بصوت أقل ارتفاعا :-
” أعلم جيدا إن هناك سر ما وراء هذا .. لست غبي لأصدق حديث الشركة وما شابه .. كما أدرك إنك تعلم كل شيء كأخيها تماما .. لكنني لن أسألك عن الحقيقة لإنني سأعرفها وبمفردي ..”
انهى مهند كلماته ليرى نظرات أخيه الجامدة مسلطة عليه قبل أن يجده يحمل هاتفه ثم ينهض من مكانه ويخبره بصوت آمر :-
” انتظرني هنا .. دقائق وسأعود ..”
تابعه مهند وهو يخرج بهذه الطريقة الغريبة فشعر بعدم الراحة لكنه اضطر الى الانتظار ليجد أخيه يعود مجددا وهو يخبره ببساطة :-
” سنعقد القران اليوم وخلال ساعة .. الشيخ في طريقه الى هنا وعمار وكذلك وأخويك أيضا سيشهدان على العقد ..”
” ماذا قلت ..؟! سنعقد القران اليوم ..؟!”
سأله مهند ببلاهة ليومأ راغب برأسه وهو يقول :-
” أليس هذا ما تريده ..؟!”
هز مهند رأسه مرددا بضيق :-
” لكن مالذي تغير فجأة ..؟!”
لم يجبه راغب بل حمل هاتفه واجرى اتصالا آخر متعمدا ألا يتحدث معه ليشيح مهند وجهه بعيدا بضيق ..
أنهى راغب اتصاله وأخذ يفكر فيما فعله قبل قليل حيث قرر أن يعقد قران الفتاة اليوم فقط لأجل أن يضمن عدم تراجع مهند عن قراره في أي لحظة ..
حمد ربه إنه إستطاع إقناع عمار بعدما أخبره إنهم سيكتفون حاليا بعد القران حتى تتحسن نفسية الفتاة وتستطيع تقبل خبر زواجها حيث لا داعي لتأجيل الموضوع أكثر متحججا بمرض والده الذي سيدفعه للسفر قريبا وقد تستمر سفرته لأشهر طويلة لذا من الأفضل أن يتم عقد القران بوجود عمها الأكبر وعمار بالفعل اقتنع وهاهو قادم ليكون وكيلها في عقد الزواج ..
رفع وجهه من فوق هاتفه مجددا وهو يرى زوجته تدلف الى الداخل بعدما طرقت على الباب بخفة حيث تقدمت نحويهما بعد حيت مهند الواجم بخفوت ثم أشارت لزوجها تسأله :-
” أخبرتني الخادمة أن أجهز العصائر والحلويات لأن هناك عقد قران سيتم .. هل هذا صحيح وماذا عن خالتي ..؟! هي لا تعرف شيئا و ..”
قاطعها راغب بهدوء :-
” اهدئي قليلا … ما بالك تتحدثين بهذه الطريقة القلقة .. ”
هتفت بتردد :-
” لإنني لم أفهم شيئا .. من سيتزوج بالضبط ..؟!”
صدح صوت مهند مرددا بتهكم :-
” انا من سيتزوج يا همسة .. ألن تباركي لي ..؟!”
سيطرت الدهشة على ملامحها لثواني لكنها سرعان ما أخفتها وهي تهتف بخفوت متجاهلة صدمتها بزواج مهند الذي يعشق تقى كما تعلم :-
” حقا يا مهند ..؟! مبارك .. ”
التزمت الصمت لتسمعه يقول بتهكم قاصدا إغاظة أخيه :-
“زوجتك كانت خائفة أن يكون العريس أنت يا راغب .. ”
تجهمت ملامح راغب الذي رد بتحذير :-
” الوقت غير مناسب لمزاحك الثقيل ..”
لكن مهند لم يهتم وهو يستدير الى همسه يسألها بسخرية :-
” بالله عليك .. أليس ما قلته صحيح ..؟!”
تلاقت نظراتها بنظرات زوجها الذي بدت لها غير مقروءة بينما نظراتها جمدت تماما وهي تقول بهدوء وعدم اهتمام :-
” لم أفكر بهذا بالطبع لإنني أدرك جيدا إن زوجي صريح وعندما يقرر الزواج من أخرى سيخبرني قبلها بالطبع ..”
تجهمت ملامح راغب ازداد أضعافا بينما أخفى مهند ضحكته وهو يردد بعدم تصديق :-
” ظننتك ستقولين إن راغب من المستحيل أن يفعلها لكنك بدلا من ذلك تهتمين بصراحته عندما يخبرك بقرار كهذا اذا ما إتخذه يوما .. ”
” يكفي يا مهند ..”
قالها راغب بصرامة بينما هتفت همسة بصلابة لزوجها :-
” سأخرج وأجهز ما طلبته .. اما عن خالتي فلن أخبرها بشيء .. فيبدو إنك تنتظر عودتها من الخارج كي تتولى مسؤولية إخبارها ذلك بنفسك ..”
اومأ راغب برأسه دون رد فإنسحبت همسة من المكان بينما استدار مهند نحو أخيه يتأمل الإنزعاج الذي سيطر على ملامحه بوضوح فشعر بتأنيب الضمير تجاهه فلم يكن عليه المزاح أبدا وهو يدرك الوضع الحرج بين أخيه وزوجته والذي لا يفهم للآن سببه ..
مر الوقت ووصل الشيخ وبعده عمار وقبلهما أخويه مع وجود والده حيث بدأ الشيخ بعقد القران عندما وضع راغب مبلغا خياليا كمهر للفتاة وضعف المبلغ كمؤرخ صداق لها وهذا كله لم يؤثر بعمار الذي كان الجمود يسيطر على ملامحه بشكل واضح للجميع …
في تلك اللحظة شعر إنه يضحي بأخته رغم إنه أقسم داخله ألا يتركها مجددا حتى عندما تصبح في منزل زوجها ..
لكن هناك شعورا خفيا داخله يجعله يشعر بعدم الراحة لكل هذا ..
أنهى الشيخ عقد القران مباركا للجميع لينهض عمار ويتلقى التبريكات ببرود من أفراد الأسرة قبل أن يجذب مهند من ذراعه أمام الجميع هامسا له بقوة وتحذير اقرب الى التهديد :-
” لا داعي أن أخبرك ماذا سأفعل إن مسستها بسوء او ضايقتها بحرف واحد عندما تنتقل للعيش معك ولا داعي أن أخبرك ما سأفعله بك إذا أتمتت زواجك بها ..”
حرر مهند ذراعه من قبضته بعنف ورد وعيناه تتحدانه بقوة :-
” أخبرتك إنني لا أرغب بالقاصرات .. ”
منحه عمار نظرة أخيرة قاتمة تحمل الكثير قبل أن ينسحب خارج المكان بأكمله ليلتفت مهند نحو راغب بملامح غاضبة حيث هتف به بعصبية :-
” ما هذا المهر الذي كتبته ..؟! والمؤخر الخيالي ..؟! من سيدفع كل هذا ..؟!”
رد راغب بصراحة وحزم :-
” انا .. انا سأتكفل بكل هذا … ”
” ومالذي يجبرك على ذلك ..؟!”
سأله مهند بإستهزاء ليرد راغب بقوة :-
” لإنها ابنة عمك أيها الذكي ولإنها يتيمة … هل فهمت ..؟! ”
مط مهند شفتيه بعدم إقتناع عندما سمع راغب يخبره بتحذير :-
” ستأتي قريبا وتعيش هنا معك .. لا داعي أن أخبرك كيف ستتعامل معها مجددا ..”
رد مهند بتهكم :-
” كلا لا داعي بذلك .. أخوها سبقك وأخبرني بالتعليمات التي تخص طرق تعاملي مع البرنسيسة خاصتكما ..”
منحه راغب نظرة مزردءة قابلها مهند بأخرى غامضة وهو ينسحب من المكان دون ان يلقي التحية عاقدا العزم على معرفة ما يحدث خلف ظهره ..
…………………………………………………………
في صباح اليوم التالي
أخذت حياة تقلب في طبقها بصمت حتى رفعت وجهها أخيرا لتجد نديم يتأملها بنظرة خاصة فإحمرت وجنتاها لا إراديا …
سألته محاولة إزاحة خجلها جانبا :-
” اذا ألن نتحدث ..؟!”
اومأ برأسه مرددا وهو يرتشف القليل من عصيره :- “بالطبع .. تحدثي هيا ..”
تراجعت في مقعدها الى الخلف قليلا وقالت :-
” لماذا غيرت رأيك فجأة ..؟! مالذي جعلك توافق على أمر السفر للخارج ..؟!”
تأملها بنظرات غريبة قليلا ثم قال :-
” سأخبرك .. ”
أطلق تنهيدة صامتة ثم قال بجدية :-
” فكرت في الأمر ووجدت إن السفر مناسب لكلينا … ”
سألته بعدم استيعاب :-
” انا لا أفهم .. أنت وضعتني أمام خيارين يا نديم.. إما إرتباطنا او السفر ..”
هز رأسه وقال :-
” نعم وكنت أقصد حينها ما قلته .. سفرك كان سيتعارض مع ارتباطنا لكن ..”
صمت قليلا ثم قال :-
” هناك من أخبرني إن السفر قد يكون مفيدا لي أيضا ..”
” أنت تقصد أن نسافر سويا ..؟!”
سألته بدهشة ليومأ برأسه مؤكدا ما وصل إليه فتفكيره فتعقد حاجبيها بتعجب وهي تسأل مجددا :-
” هل انت متأكد مما تقوله ..؟! هل ترى السفر مناسب لك ..؟!”
رد بجدية :-
” عندما خرجت من السجن أردت السفر منذ اول يومين … لأكن صريحا كنتِ مقررا ألا أبقى في هذه البلد ثانية واحدة بعد خروجي من السجن وكنت مقررا ذلك أثناء وجودي خلف القضبان …”
أكمل وقد أظلمت ملامحه تماما :-
” هناك أشياء واقعية لا يمكن تجاهلها … الماضي وسجني لأعوام وتلك التهمة التي سجنت بسببها ستظل ملتصقة بي دوما وأبدا وانا واقعيا سأرى نظرات الإستنكار وعدم القبول من الناس كثيرا ومرارا ..”
” لكن هذا لا يهم .. انت بريء .. الله يعلم وانت تعلم وهذا يكفي .. لا يهم اي شخص ولا تهم نظرة الناس ..”
قاطعتها بجدية :-
” الأمر ليس هينا كما تتصورين يا حياة … ”
” أنت تهرب يا نديم .. ”
قالتها بجدية ليرد بسرعة لا تخلو من الإنفعال :-
” انا لا أهرب .. انا فقط أريد الإبتعاد لفترة .. وأساسا قرار كهذا لم أكن لأفكر به مجددا حتى علمت بأمر المنحة .. فوجدت إن السفر قد يكون أفضل لكلينا .. ”
” نديم انا لا أقصد ..”
قالتها بتأني قبل أن تمد يدها تقبض على كفه المضمومة تلمسها وتضغط عليها بقوة ثم تقول بجدية :-
” انا فقط أريد أن تتقبل نفسك تماما وتتقبل ما حدث معك .. أعلم إن هذا ليس سهلا أبدا بل هو صعبا ولكنه ليس مستحيلا .. نديم عليك التحرر مما حدث … ”
” افهميني يا حياة .. انا لا أهاجر .. انا فقط سأبتعد لفترة .. أبحث هناك عن بداية مختلفة وجديدة .. أنا أحاول منذ فترة تقبل الوضع هنا لكنني لا أشعر بأي تقدم .. كل مرة أجد نفسي واقفا في نفس المكان عاجزا عن التقدم خطوة واحدة الى الأمام .. ربما في بلد أخرى ومع ناس جدد سأجد بداية حقيقية لي … سأخلق بداية لنفسي ..”
كانت تدرك جيدا مدى صعوبة اعترافه أمامها إنه عاجز عن فعل شيء هنا وما زال واقفا مكانه رغم انه يحاول التقدم ..
شعرت بثقل ما يحمله فوق صدره ووجدت نفسها لا تستطيع مجادلته ..
فكرة سفره تجعلها تشعر إنه يهرب بالفعل وهي لا تريده ان يهرب وفي نفس الوقت لا تستطيع أن تصر على حديثها فتضغط عليه أكثر فهو يحتاج من يخفف عنه لا يقسو عليه ..
منحته إبتسامة هادئة وهي تقول بتريث :-
” حسنا تفكيرك جيد وفي محله لكن راجع نفسك مجددا ..”
أضافت بجدية :-
” وعليك أن تعلم إنني رفضت عرض المنحة .. يعني لا يوجد هناك منحة لي بعد الآن ..”
رد بجدية :-
” هذا أفضل .. سنسافر سويا وتكملين دراستك هناك على حسابي الشخصي .. أستطيع تدبر الأمر بسهولة ..”
هتفت بتردد :-
” لماذا لا ننتظر حتى أكمل سنتي الأخيرة هنا ونسافر سويا ..؟!”
تأملها قليلا ثم قال :-
” انا فكرت أن نعقد قراننا خلال هذا الشهر ونبدأ في إجرائات السفر بسرعة كي تستطيعي اللحاق ببداية العام الدراسي الجديد هناك ..”
” عقد قران هذا الشهر ..؟!”
هتفت بها بدهشة ليتنهد ثم يقول :-
” أعلم إن ما أقوله مفاجئ لكنني لا أجد شيئا مفيدا من تأجيل قرار السفر .. انا بالطبع أعرض الأمر عليك وأنتظر رأيك .. فكري جيدا فيما قلته وأخبريني جوابك عندما تتوصلين اليه ..”
صمتت لا إراديا وهي تفكر فيما قاله فهي إن وافقت ستسافر معه خلال أشهر قليلة الى بلاد بعيدة للغاية هناك حيث سيكونان لوحدهما فهل هذا أفضل لها ولعلاقتهما ..؟!

( الجزء الثاني )
في صباح اليوم التالي .
وقفت غالية أمام باب غرفة والدتها ترفع يدها ثم تخفضها بسرعة لتعاود الكرة مجددا …
تريد أن تتحدث مع والدتها وتعتذر منها رغم شعور الألم الذي يسيطر عليها كلما تتذكر صفعتها لها لكنها تدرك جيدا مقدار خطأها وكم تجاوزت حدودها معها ..
تحلت بالقوة أخيرا وهي تطرق على الباب بخفة قبل أن تدلف الى الداخل تتأمل الغرفة المظلمة على غير العادة ويبدو إن والدتها ما زالت نائمة وستائر الغرفة مغلقة ..
” ماما ..”
همست بها بصوت منخفض متردد وهي تتقدم بخطوات مترددة الى الداخل عندما عادت تهمس بنفس التردد :-
” هل ما زلت نائمة ..؟!”
صمت ثقيل كل ما أتاها فظنت إنها بالفعل نائمة لذا قررت التحرك خارج كي لا توقظها لكن الصمت سرعان ما انتهى وصدح صوت والدتها أخيرا :-
” انا مستيقظة يا غالية …”
تنحنت غالية بحرج عندما شعرت بوالدتها تتحرك من فوق السرير وتتجه نحو الستائر حيث أزاحتها جانبا ليسطع ضوء الشمس مضيئا ارجاء الغرفة بالكامل ..
تأملت غالية والدتها وهي تستدير نحوها تتأملها بصمت عندما همست أخيرا تتسائل :-
” ألن تذهبي الى الشركة ..؟! ملابسك تدل على عدم نيتك بالخروج من هنا …”
أومأت غالية برأسها وقالت بجدية :-
” سأبقى هنا اليوم .. لا مزاج لدي للعمل ..”
أضافت بصوت متحشرج :-
” انا جئت فقط لأعتذر منك ..”
قاطعتها والدتها بإبتسامة لم تبدُ ساخرة أبدا بل بدت لغالية إبتسامة مريرة محطمة ونبرتها كانت واهية :-
” لا تعتذري يا غالية فأنتِ لم تخطئي فيما قلتيه … ”
لكن غالية أصرت على إعتذارها حيث قالت بإصرار :-
” بل أخطأت يا ماما .. انا لا يحق لي التحدث بتلك الطريقة معك .. مهما حدث فأنت والدتي ولا يحق لي تجاوز حدودي معك ولا محاسبتك على أي شيء ..”
اتجهت صباح نحو الكرسي الموضوع في ركن الغرفة حيث جلست عليه بملامح واهنة وقالت بنبرة مماثلة بوهنها :-
” منذ سنوات وأنا أدركت خطأي .. يومها ظننت إن نتيجة هذا الخطأ تكمن في تعاستي فقط لكن الواقع كان مختلف .. ظننت إن الأمر يقتصر علي فقط وإنني وحدي من سأدفع ثمن خطأي ولكن الواقع كان مختلفا و أنا دفعت ثمن هذا الخطأ غاليا .. ”
” لماذا تتحدثين هكذا ..؟! انا لا أفهم معنى ما تقولينه .. ماذا تعنين بتعاستك ..؟! هل كنتِ تعيسة مع والدي ..؟! ألم تتزوجينه لإنك تحبيه ..؟! ألم تكونا مغرمين ببعضيكما ..؟! ”
بدات نظرات والدتها بائسة للغاية وكأن ما تقوله ينثر الملح فوق جراحها فهتفت بإصرار :-
” لماذا أشعر إن هناك الكثير لا أعلمه ..؟! لماذا ..؟!”
تأملت غالية تلك الدموع التي تشكلت داخل عيني والدتها عندما همست الأخيرة بصوت مبحوح متوسل :-
” لا تتزوجيه يا غاليه .. أتوسل إليك يا ابنتي لا تفعلي ذلك .. يكفيني ما حدث مع أخيك .. يكفيني عذابه .. لا أتحمل عذابك وتعاستك أنت أيضا … ”
صاحت غالية وقد تشنجت ملامحها كليا :-
“‘ ولماذا إفترضتِ التعاسة معه فورا ..؟! ربما لن تكون زيجتي منه سيئة كما تظنين .. ربما سأكون سعيدة معه ..”
نهضت والدتها قائلة بتردد :-
” ولماذا تفكرين بالزواج من رجل مطلق ولديه طفل أساسا بينما يتقدم لك الكثير من الشباب العزاب والذين يمتلكون كافة الميزات …؟! ”
وصلت إليها وأحاطت وجهها بين كفيها تهتف بترجي :-
” يا ابنتي افهمي .. انا لا أريدك أن تدخلي في علاقة معقدة كهذه .. هذا الرجل لديه طفل وإمرأة كانت يوما زوجته … لديه عائلة مسبقا … بينما أنت ..”
صمتت للحظة ثم قالت وهي تربت على وجنتيها بحب :-
” انتِ شابة جميلة بل فاتنة .. رائعة وذات شخصية محبوبة .. زهرة جميلة يحلم بها الكثير فلماذا تربطين نفسك مع هذا الرجل تحديدا ..؟!”
” لإنه الوحيد الذي إستطاع أن يجذبني له .. انا معجبة به للغاية وأريد خوض التجربة .. لا أقول إنني سأتزوجه مباشرة … ولكن على الأقل سأكتفي بخطبة مبدئية فأنا لا يمكنني التعرف عليه عن قرب دون رابط رسمي ..”
حررت والدتها وجهها من بين كفيها وبدت ملامحها ضعيفة واهنة جدا فقالت غالية وهي تقبض على يدها ترجوها :-
” انا لا أعلم ما مررت به بالضبط وما تخفينه عني منذ زمن .. يبدو إن هناك الكثير لا أعلمه لكن تأكدي إنني لن أكون مثلك … انا لن أدخل في زيجة لا أدرك مدى صحتها .. لن أتزوجه وأنا لست واثقة من نجاح هذه الزيجة .. كل ما أطلبه منك أن توافقي على أمر الخطبة وأعدك إنني سأفكر جيدا قبل أن أخطو أي خطوة في علاقتي به ..”
نظرت والدتها إليها بملامح غير مقتنعة بينما عقلها يحاول أن يتوصل الى الحل المثالي الذي يمكنها من خلاله حماية ابنتها الوحيدة من مصير يشابه مصيرها ..
…………………………………………………….
هبط عمار من سيارته بعدما أوقفها في الكراج الملحق بأحد أشهر النوادي في البلاد …
سار بخطواته الرجولية الواثقة وملابسه الأنيقة التي رغم بساطتها تجذب الإنتباه كملامحه الرجولية الوسيمة ..
كان يسير وملامحه جامدة كعادته لا توحي بأي إنفعال وقد منحته تلك النظارة السوداء التي تغطي عينيه غموضا يليق به …
وصل أخيرا الى مكانه المنشود عندما وجدها تمارس رياضتها المفضلة كعادتها منذ سنوات ..
تمارس لعبة التنس التي تلعبها بإحترافية ..
جلس في الكراسي المتراصة المواجهة للملعب يتابعها وهي تلعب مع شاب شعر إنه رآه من قبل لكن لا يتذكر أين بالضبط ..
ظل يراقبها من خلف نظارته بعينين تتابعان كل حركة منها وهي تلعب بحماس شديد يتأمل ملابسها المكونة من شورت قصير للغاية أبيض اللون لا يغطي ربع فخذها حتى فوقه تيشرت من نفس اللون ذو حمالات رفيعة يصل قريبا من سرتها ليترك بقية بطنها المسطحة ظاهرة ..!!
لم تكن متحررة يوما هكذا لكن يبدو إن السفر خارجا غيرها ..
انتهت أخيرا من جولتها بفوزها المستحق لتتبادل التحية مع منافسها الخاسر قبل أن تنسحب متحركة خارج الملعب عندما لمحته أخيرا فظهرت الدهشة للحظات ..
دهشة أخفتها بمهارة وهي تمنحه إبتسامة واسعة وتحييه بيدها قبل أن تتقدم نحوه بخطواتها الأنثوية الجذابة ….
وقف يستقبلها عندما قابلته تخبره بحماس :-
” سأغير ملابسي بعد أن أستحم سريعا ثم نذهب الى مكان مناسب كي نتحدث ..”
كانت تتحدث وهي على يقين إنه جاء خصيصا لرؤيتها وهو بالفعل جاء لأجلها ..
عاد ينتظرها في نفس المكان عندما عادت مجددا بعد حوالي ثلث ساعة وهي ترتدي ملابس مكونة من بنطال جينز ضيق ينتهي أسفل ركبتيها بقليل فوقه تيشرت أخضر اللون ذو حمالات رفيعة يحتوي على رسومات بسيطة بينما شعرها الطويل تركته منسدلا بعدما صففت خصلاته المبللة ..
أشارت إليه :-
” تعال معي .. هناك مطعم أحبه كثيرا .. يمكننا الجلوس فيه والتحدث بل وتناول الطعام فأنا جائعة كثيرا ..”
وجد نفسه يسير خلفها مندهشا من بساطتها وهي تتحدث معه بهذه الطريقة العفوية وكأنه لم يكن بينهما ماضي ولم يجمعهما أي شيء مسبقا ..
بعد مدة من الزمن كان يجلس أمامها يتناول قهوته بينما تتناول هي طعاما خفيفا تسد فيه جوعها الشديد مع قدح من عصير البرتقال البارد المفصل لها …
” إذا كيف حالك ..؟! وما هو جديدك ..؟!”
قالتها بعدما إرتشفت قليلا من عصيرها ووضعت القدح على الطاولة مجددا ليجيب بجدية :-
” كل شيء جيد .. انا بخير .. عملي يسير بشكل رائع وحياتي عموما جيدة ..”
” هذا رائع ..”
قالتها بسعادة بدت حقيقية عندما سألها هو بدوره :-
” وأنت ..؟! ماذا عنك ..؟! ”
ردت ببساطة وهي تهز كتفيها :-
” انا بخير .. أشعر بمزيج من الإستقرار والسعادة هذه الفترة تحديدا ..”
سألها بجرأة :-
” هل الطلاق سببا في ذلك ..؟!”
ضحكت بخفة ثم قالت :-
” بالطبع لا .. طلاقي كان منذ مدة طويلة .. ولأكن صريحة معك فأنا لم أكن سعيدة به .. بل إنني إحتجت وقتاا لتجاوز الإنفصال ..”
سألها مجددا و لا يعلم لماذا شعر بالضيق مما قالته وكأنه كان يتمنى العكس ، كان يتمنى أن تخبره إنها أرادت الطلاق وسعدت به :-
” لماذا تطلقت إذا طالما لم تكوني ترغبين بذلك ..؟!”
أطلقت تنهيدة طويلة ثم قالت :-
” الظروف هي من أجبرتني على ذلك … لا أعلم كيف أشرح لك لكنه كان مختلفا عني في كل شيء … في البداية حاولت تجاوز هذه الإختلافات بل إنني كنت أتجاهلها عمدا لكن هناك أمور لم يعد بوسعي تقبلها .. ”
صمتت لوهلة ثم أكملت بإختصار :-
” وعندما وجدت إنه لا أمل من تغيير بعض صفاته التي لا يمكنني تحملها قررت الإنفصال .. ”
” وهو ..؟! وافق على الإنفصال بسهولة ..؟!”
ابتسمت بضعف ولمحة ألم او ربما خذلان ظهرت في عينيها :-
” أسهل مما تتصور ومنحني حقوقا أضعاف ما يحق لي …”
” يبدو إنه لم يكن مغرما بك ..”
قالها وهو يدرك مدى قسوة هذه الكلمات عليها ولكنها للغرابة ردت ببساطة :-
” دوما ما يقول إنه مغرم بي .. حتى وقت الطلاق .. أخبرني إنني أول حب في حياته لكنه يقول أيضا انه رجل عملي ويرى إننا لا نناسب بعضنا وهو رجل لا يهتم بالمشاعر بقدر ما يهتم براحته وسعادته ويبدو إنه لم يجد أيا منهما معي … ”
” لا بأس .. زيجة فاشلة لا تعني نهاية العالم ..”
قالها ببرود لتبتسم وهي ترد :-
” أخبرتك إنني تجاوزت الأمر منذ فترة والآن بالفعل أشعر إنني ممتنة لنفسي وله كوننا قررنا أن ننفصل بكل هدوء ودون محاولات غير مجدية للإستمرار ..”
حمل فنجان قهوته يرتشف منه القليل وفعلا هي المثل حيث عادت ترتشف من عصيرها ..
هتفت بعدما أعتدت قدحها الى مكانه :-
” كيف حال ليلى ..؟! أفكر في زيارتها قريبا ..”
ابتسم بخفة دون رد ليجدها تردد بجدية :-
” أم إن زيارتي ستزعجها ..؟!”
أضافت وهي تتلكأ في نبرتها قليلا :-
” كونها تعرف ما كان بيننا ..”
رد بنبرة لا تخلو من السخرية :-
” لا تقلقي من هذه الناحية .. ليلى لن تهتم وبالطبع ستسعد برؤيتك ..”
رفعت حاجبها تردد بدهشة :-
” لا تهتم .. ”
صمت للحظة ثم هتف بعدها :-
” نحن على وشك الإنفصال ..”
سيطرت الدهشة على ملامحها للحظات قبل أن تردد بسخرية مفتعلة :-
” ما بال الجميع ينفصل هذه الفترة ..؟!”
رد ببرود ولا مبالاة :-
” إنه النصيب كما يقول ..”
ضحكت بخفة قائلة :-
” نعم هو كذلك ..”
ثم أضافت بتساؤل :-
” في الحقيقة لم أستوعب بعد كيف حدث وتزوجتها رغم إنها كانت ..”
توقفت عن حديثها ليكمل هو نيابة عنها :-
” خطيبة أخي بل حبيبته لسنوات ..”
اكتفت شيرين بهزة من رأسها لتسمعه يقول بهدوء :-
” زواجي من ليلى كان مجرد صفقة .. صفقة حان وقت إنهاؤها ..”
” صفقة ..!!”
رددتها بعدم إستيعاب قبل أن تلوي فمها تسأله بتهكم :-
” وهل كانت تلك الصفقة ناجحة يا عمار ..؟!”
أجاب بجدية وثقة :-
” من ناحيتي .. كانت أكثر من ناجحة .. لقد حصلت منها على ما أريد بل وأكثر .. ”
إسترسل بلهجة قوية وشموخ :-
” فأنا لا أخسر مهما حدث .. انا دوما الطرف الرابح يا شيرين … دوما أحصل على ما أريد ..”
تراجعت الى الخلف قليلا وهي تتأمل ملامحه القوية المعبرة مع نبرة صوته الواثقة لتهمس بخفوت وصل إليه :-
” تغيرت يا عمار .. لكن تغييرك ليس مفاجئا بالنسبة لي .. شخصيتك تطورت بالشكل الذي لطالما توقعته … ”
” ماذا تعنين ..؟!”
سألها بغلظة لترد بجدية :-
” منذ سنوات عندما كنا سويا وكنت أرى مستقبلك يتشكل أمام عيني .. ربما لا تصدق حديثي لكنني بالفعل رأيتك كما أنت الآن .. بنفس العنفوان والقوة .. الغرور و السيطرة .. انت كنت تشبه رياح هادئة سيأتي وقتا وتهب عواصفها مدمرة الجميع … وقتها كنت كالهدوء الذي يسبق العاصفة .. وانا كنت أنتظر اليوم الذي تحل عاصفتك يا عمار ..”
أكملت وهي تلاحظ جمود ملامحه :-
” إعصارك كان قويا وقاسيا واول من دمره كان أخيك …”
همس بصوت خرج مهتزا رغم جمود ملامحه :-
” أنتِ ..”
ابتسمت وعيناها تومضان ببريق خاص :-
” أعلم ما حدث مع أخيك وأعلم إنك السبب في كل ما حدث … في الحقيقة كنت أنتظر هذا اليوم منذ السنوات .. وكنت اتسائل عن الطريقة التي ستنتقم بها منه .. ”
صمتت قليلا تأملت الرهبة التي ظهرت على ملامح وجهه وفي عينيه لتهتف بصوت قوي :-
” انتقامك كان مدمرا يا عمار .. قاسيا كقلبك تماما … قلبك الذي لا يعرف طريقا للرحمة او الغفران … ”
رهبته كانت واضحة فالمرأة التي تجلس أمامه وتتحدث معه كانت تعرفه أكثر من أي أحد آخر بل تعرفه وكأنها عاشت داخله وأدركت مخططاته منذ سنوات وهذا وحده كان كافيا لزعزعة ثباته الذي حافظ عليه لسنوات ..
…………………………………………………………
مساءا …
كانت حياة تجلس مع صباح وغالية تتبادلان أطراف الحديث حيث ينتظر الجميع قدوم نديم الذي من المفترض أن يصل بعد قليل كي يتناولوا العشاء سويا ..
هتفت صباح فجأة مشيرة لإبنتها :-
” ما رأيك أن تعدي لنا القهوة بنفسك يا غالية ..”
أضافت وهي تشير الى حياة :-
” قهوة غالية مميزة .. تستخدم خلطة معينة في صنعها ..”
بدت الدهشة على ملامح غالية مما تسمعه لكنها هزت رأسها وهي تهتف بسرعة :-
” بالطبع … سأعدها فورا ..”
ثم نهضت من مكانها وهي تقرر أن تطلب من الخادمة إعداد القهوة فهي لا تتذكر متى آخر مرة أعدتها ولا تتذكر حتى كيف كان طعمها ..
تبادلت حياة الإبتسامة مع صباح التي هتفت أخيرا بجدية :-
” كنت أنتظر هذا اللقاء منذ مدة ..”
نظرت اليها حياة بصمت وقليل من التوتر لتضيف صباح بجدية :-
” أردت أن أطلب منك أن نتحدث بمفردنا ولكنني لم أرغب أن أحرجك أو أسبب الإرتباك لك ففضلت أن تكون دعوتي لك بوجود غالية وبالطبع نديم ..”
هتفت حياة بصوت متحشرج :-
” كان بإمكانك أن تفعلي ذلك وأنا كنت سآتي بالطبع ..”
ابتسمت صباح وقالت :-
” أعلم ذلك حبيبتي .. لا أريدك أن تخجلي مني او تتوتري يا حياة .. لا تتعاملي معي كوالدة خطيبك وزوجك المستقبلي .. انظري الي .. عندما ترتدين خاتم ابني ستصبحين كغالية تماما وأتمنى أنت تعتبريني والدتك انت ايضا ..”
هتفت حياة بجدية :-
” يشرفني ذلك بالطبع ..”
تنهدت صباح ثم قالت بجدية :-
” لقد تحججت بأمر القهوة لأصرف غالية فهناك ما أريد قوله لك بمفردك …”
هزت حياة رأسها بتفهم بينما قالت صباح بجدية :-
” لقد تحدث معي نديم .. هناك مشروع سفر بينكما … ”
أكملت بسرعة :-
” اولا عليك أن تدركي إنني لا أتدخل فيما يحدث بينكما أبدا .. انا فقط أحاول أن أطمئن على ولدي لا أكثر ..”
ابتسمت حياة وقالت بلطف :-
” يحق لك بالطبع .. بإمكانك التحدث بما ترغبين وأنا معك ..”
” هل لديك رغبة بالسفر يا حياة ..؟! أخبريني بصراحة .. ”
صمتت حياة قليلا قبل أن تجيب بجدية :-
” الى الآن لا أملك إجابة حاسمة .. لا أنكر إن فكرة إكمال دراستي في الخارج تبدو مغرية لكنها لم تكن ضمن مخططاتي أبدا .. يعني كل شيء جاء فجأة وانا لا أعلم إذا ما كان السفر يناسبني أم لا .. ”
همست صباح :-
” نديم كان يريد السفر بعد خروجه من السجن مباشرة .. لكنني رفضت وهو تراجع عن قراره وقرر البقاء .. كنت سعيدة بذلك وظننت إنه سيتخطى تدريجيا ما حدث ويبدأ في بناء مستقبله من جديد لكن مع مرور الأيام أدركت خطأي … ربما السفر سيكون أفضل له ..”
قالت حياة بجدية :-
” نديم متخبط بقراراته .. لا يعرف ما يريد بالضبط … ولا يحاول أن يثبت على قرار معين .. لا يمكنني لومه .. فما مر به ليس سهلا .. ولكنني أخشى أن يكون السفر مجرد هروب .. هروب من الماضي لا غير ..”
” معك حق في كل ما تقولينه يا حياة .. لكن أخبريني .. هل يوجد حل أفضل له من السفر ..؟! السفر ربما يساعده قليلا في تخطي ما حدث .. هناك سيجد نفسه في مجتمع جديد وناس جدد لا يعرفون عنه شيئا .. ”
أضافت والألم ظهر في نبرتها :-
” هل تظنين إنه من السهل علي أن أبتعد عن ولدي ..؟! انا رفضت أمر السفر في البداية لإنه لم أستطع تقبل فكرة إبتعاده عني .. لقد حرمت منه لسنوات مرغمة ولم أكن مستعدة لسنوات جديدة من الغربة والفراق لكن طالما هناك آمل له في سفره فسأقسو على نفسي وأكتم وجعي داخلي فقط كي يحيا ابني الحياة التي يستحقها …”
” أنا آسفة لذلك حقا .. وآسفة لإنني عاجزة عن إتخاذ القرار المناسب .. ”
قالتها حياة بصوت متحشرج قبل أن تضيف بجدية :-
” أنا لا أعلم ماذا أقول ..”
قاطعتها صباح بتروي :-
” أنت تخشين من الفكرة ذاتها .. السفر والغربة أمرا ليس هينا …”
ردت حياة بسرعة :-
” بكل الأحوال نحن لا ننوي الإستقرار الى الأبد هناك .. من المفترض أن نبقى في الخارج لفترة .. ”
أضافت بتردد :-
” لكن نديم يريد أن نسافر بأسرع وقت .. نعقد قراننا ونسافر … حتى إنه لا يريد إنتظار إكمال سنتي الأخيرة هنا …”
قالت صباح بسرعة :-
” ستكمليها هناك .. وهذا سيكون افضل لك وأسهل للغاية عندما تقدمين على الدراسات العليا …”
صمتت صباح تتأمل تغضن ملامح حياة فسألتها بإهتمام :-
” أخبريني مالذي يقلقك بالضبط …؟! أشعر إن الأمر لا يتعلق بفكرة السفر نفسها .. أليس تفكيري في محله ..؟!”
هزت حياة رأسها ثم قالت بصدق وصراحة :-
” انا لا أريد الإستعجال في أمر الزواج … انا ونديم نحتاج الى وقت أكبر قبل أن نخطو خطوة كهذه .. ”
تجهمت ملامح صباح فقالت حياة بسرعة مبررة :-
” كما أخبرتك منذ قليل نديم متخبط في قراراته وفي مشاعره أيضا .. انا أخاف أن يستيقظ يوما ويدرك إنه تورط في زواجه مني .. هو ما زال تائها ضائعا يبحث عن أي شيء يخفف من حيرته وضياعه .. ربما هو الآن يراني المرأة المناسبة وشريكة المستقبل لكنني لست واثقة من أن تستمر رؤيته هذه للأبد والأهم إن ماضيه مسبقا يجعلني لا أثق بصحة هذا الإرتباط .. أقصد ماضيه العاطفي بالطبع ..”
حل الصمت المطبق وملامح صباح بدت هادئة بشكل غريب لكنها قالت أخيرا :-
” ليلى بالطبع ..”
أومأت حياة برأسها لتقول صباح بجدية :-
” نديم لا يفكر بالعودة لها مهما حدث .. هذا ما قاله وأنا أثق به …”
هتفت حياة بجدية :-
” الأمر لا يتعلق فقط بعودته لها من عدمه …”
” اذا ما الأمر الآخر ..؟!”
سألتها صباح بجدية فهتفت حياة بتردد :-
” الأمر يتعلق بمشاعره نفسها .. انا لن أستطيع الإستمرار معه ومشاعره ليست لي بل الأسوأ إن مشاعره بل قلبه بالكامل ملك لأخرى .. لا أستطيع تقبل هذا ولا يوجد ما يجبرني على القبول به ..”
همت صباح أن تسألها عن سبب قبولها الإرتباط به طالما هي تفكر هكذا لكن دخول نديم وهو يلقي التحية قاطعها لتنهض صباح تستقبله بسعادة ..
قبلها نديم من وجنتيها قبل أن يحيي حياة ليسمع والدته تقول بجدية :-
“طالما أتيت سأطلب من الخادمة إعداد الطاولة … دقائق وتكون الطاولة جاهزة ..”
ثم تحركت خارج المكان مسرعة يتابعها نديم بنظرات قلقة وهو يشعر بشيء ما ليس جيدا فيها قبل أن يلتفت نحو حياة يبتسم لها بهدوء ثم يتقدم نحوها ..
………………………………………………………………
دلفت صباح الى مكتب زوجها وأغلقت الباب خلفها بعنف ..
أخذت تدور داخل المكتب كالطير الجريح وكلمات حياة الأخيرة أصابتها بالصميم بل فتحت جراحها القديمة دون أن تشعر …
اتجهت نحو المكتب الذي لم تطأه قدميها منذ وفاة زوجها الا مرتين او ثلاث ..
سارعت تفتح أدراج المكتب بعنف غريب قبل أن تصل الى الدرج الأخير لتسحب تلك الصورة منها تتأمل ملامح المرأة الجميلة بعذاب لا ينتهي …
شعرت بضعف في قدميها فسارعت تجلس على كرسي المكتب وهي ما زالت ممسكة بالصورة تهمس لها وكأنها تحدثها :-
” كنت دوما ما تظنين إنني الرابحة يا ديانا لكنني في الحقيقة كنت الخاسرة الأكبر وأنت من ربحتِ كل شيء .. ”
أضافت وعيناها تلمعان بحقد دفين :-
” وابنك مثلك تماما .. ربح كل شيء بينما خسر ابني كل شيء دون أن يستحق .. كوني سعيدة الآن يا ديانا فدعواتك علي إستجابت جميعها وخسارتي كانت أكبر من خسارتك بكثير ..”
توقفت عن همسها عندما فتحت الباب ودلفت غالية تقتحم المكتب بعدما رأت والدتها بالصدفة وهي تندفع الى المكتب بهذه الطريقة الغريبة بل وتغلق الباب بقوة مخيفة ..
” ماذا هناك يا ماما ..؟! ”
قالتها وهي تتقدم نحوها قبل أن تقف بجوازها فتنحني ببصرها نحو الصورة الموضوعة بين يدي والدتها لتسحبها لا إراديا وهي تتأمل تلك المرأة الجميلة بعينيها الخضراوين وملامحها الجذابة ..
” هذه والدة عمار .. أليس كذلك … ؟!”
سألتها غالية بدهشة قبل أن تنتبه لملامح والدتها الجامدة فتسأل مجددا متعجبة :-
” ماذا تفعل صورتها معك ..؟! هل كانت في مكتب والدي ..؟! مالذي أتى بها في مكتبه ..؟!”
ابتسمت صباح بمرارة وهي تجيب :-
” لم تغادر مكتبه يوما يا غالية كي يدهشك وجودها فيه ..”
” انا لا أفهم .. لماذا يحتفظ والدتي بصورتها ..؟! ”
سألتها بصوت ضعيف قبل أن تتأمل الدرج المفتوح فتنحني للأسفل تقلب في محتوياته عندما وجدت صورا عديدة لديانا .. صورا لها بمفردها وصورا مع والدها …
فاجئها احتفاظ والدها بتلك الصور ولكن ما فاجئها أكثر ما رأته في تلك الصور .. والدها وديانا كانا يبدوان كعاشقين بحق .. نظرات والدها لم تكن سوى نظرات رجل عاشق حد النخاع .. ارتجفت أناملها وهي تتأمل الصور بعدم تصديق قبل أن تنتبه لذلك الخاتم الماسي فتحمله بتردد ..
رفعت عيناها نحو والدتها وهي تضع احدى الصور التي تخص والدها مع زوجته ونظرات العشق منه لها لا تقبل أي شك ..
سألتها تحاول الفهم وهي التي دوما ما سمعت عن قصة حب والديها العظيمة والتي كانت سببا في طلاق زوجته الأولى منه :-
” ماذا هذه الصور ..؟! ولم يحتفظ والدي بها ..؟! ولماذا نظراته تبدو كرجل عاشق حقا ..؟!”
كانت تسأل وكأنها تشكك فيما تراه رغم إن كل شيء بدا واضحا لها كالشمس …
سمعت والدتها تجيب بصوت بارد كالجليد :-
” هذه الصور التي ترينها هي الحقيقة يا غالية .. الحقيقة التي لم يدركها أيا منكما أنت ونديم مسبقا .. ما ترينه هو الحقيقة وأي شيء آخر كان مجرد كذبة .. كذبة يا غالية ..”
هزت غالية رأسها بعنف وهمست :-
” انت لا تعنين ..”
انتفضت صباح من مكانها وقالت بملامح متشنجة :-
” لم يحبني يوما .. تزوجني لإنني ابنة خالته .. تزوجني كي لا يخسر رضا والدته وميراثه .. تزوجيني وهو بالكامل ملكا لأخرى .. أخرى عاش ومات وهو يحبها بينما أنا كنت مجرد زوجة على ورق .. زوجة لا تعني له شيئا .. زوجة لا ترتقي لرتبة صديقة حتى .. ”
” كيف يعني ..؟! ”
” كيف يعني ..؟! سأخبرك كيف يعني ..”
قالها صباح بدموع لاذعة قبل أن تحمل صورة ديانا وتشير إليها قائلة :-
” تلك المرأة كانت حياة والدك .. وبفقدانها انتهت حياته …”
أضافت والذكريات تتدفق داخل عقلها دون رحمة :-
” منذ أن كنا صغارا وخالتي قررت إنني زوجة إبنها المستقبلية .. حسين بكرها وأول فرحتها .. كبرت وانا أنتظر اليوم الذي سيخطبني رسميا رغم إنه لم يظهر أي إهتمام بي من أي نوع .. لكن كلام خالتي كان واضحا .. صباح لحسين .. هذا قرارها منذ أن كنا أطفالا .. لكن القدر كان له رأي أخر .. فحسين قابل ديانا في الجامعة .. أحبها من النظرة الاولى .. عشقها كما لم يعشق رجل إمرأة .. مهما وصفت لك عشقه لتلك المرأة لن تستوعبيه … حارب لأجلها وتزوجها رغما عن أنف الجميع .. كان مستعدا ان يترك القصر والثروة والعائلة فقط لأجلها ..زواجه حطمني فهو الرجل الذي نشأت على حبه وكبرت وأنا سأصبح زوجته يوما ما .. ولكنني قررت تقبل الحقيقة المرة خاصة عندما علمت مدى حبه لها .. لكن جدتك التي هي خالتي كان لها رأيا مختلفا .. فديانا الفتاة التي نشأت في عائلة متوسطة الحال لا ترقى لمكانة عائلتنا من أي ناحية ليست هي الكنة التي تريد .. استمرت في محاولاتها لتفريقهما وعندما فقدت الأمل فكرت بشيء مختلف .. إدعت المرض وأوهمت الجميع إنها مصابة بالسرطان وجلبت تحاليل تؤكد ذلك وحينها خيرت حسين بين أمرين إما أن يتزوجني أو أن تغضب عليه حتى موتها بل وتحرمه من حقه في الميراث حيث جدك كان قد سجل كافة أملاكه بإسمها ..”
ابتلعت صباح غصتها داخل حلقها وأكملت :-
” تزوجني مجبرا وفرحت جدتك التي كانت تدرك بفطنتها إن ديانا لن تقبل بضرة لها مهما حدث وستطلب الطلاق لكن حمل ديانا جاء في نفس الوقت فإضطرت الأخيرة الى الرضوخ للوضع المؤلم … منذ اول يوم زواج لي وعشت في تعاسة فوالدك لم يقربني إلا بعد عدة أشهر وبعدما أجبرته والدته على ذلك .. لم يقربني سوى مرات معدودة بدافع الواجب ثم ما لبث ان تركني عندما ولدت ديانا عمار وأصبح معها طوال الوقت .. ”
ابتسمت بمرارة :-
” بعدها اكتشفت إنتي حامل وهناك فوجئت بديانا تطلب الطلاق … حاول والدك مرارا أن يثنيها لكنها رفضت .. أخبرته إنها لم يعد بمقدورها أن تتحمل وجود أخرى تشاركها فيه والأهم إنها لا تستطيع تحمل تصرفات والدته وإهاناتها المتكررة … كل شيء جرى سريعا وقررت ديانا ان ترفع قضية وتحصل على الطلاق رغما عن والدك الذي بدوره قرر أن يسحب عمار منها ظنا منه إنها ستعود إليه مرغمة لأجل ابنها لكن ما حدث بعدها كان غير متوقعا ..”
” ماذا حدث ..؟!”
سألتها غالية والدموع تهطل من عينيها بغزارة :-
” تزوجت ديانا من رجل آخر .. رجل ثري جدا … قيل إنه أحبها من النظرة الاولى ولكنها رفضته لكن والدها أجبرها عليه حيث وجد إنه لا فائدة من بقائها مطلقة دون رجل وهي ترفض العودة لوالدك .. يوم زواجها كاد والدك أن يموت حتى إنه نقل الى المشفى بعدما أصابته جلطة عابرة .. في تلك اللحظة فقط رأيت الندم في عيني خالتي .. خالتي التي استوعبت انها حطمت ابنها بجبروتها .. ”
أطلقت تنهيدة طويلة ثم قالت :-
” صدقيني لولا حملي لكنت انفصلت عنه .. لكنني كنت حامل والإنفصال كان صعب … ”
” كيف عشتما بعدها ..؟! ”
سألتها غالية وهي تكفكف دموعها لتجيبها صباح بألم :-
” بعد مدة من زواج ديانا حاول حسين أن يتقرب مني … الأمر استمر لأشهر لكنه عاد لطبيعته القديمة وأصبحت حياته تقتصر على طفليه .. عمار ونديم ..”
لم تشأ صباح أن تخبرها إن مجيئها كان بالصدفة البحتة حيث كان والدها مخمورا تماما على غير العادة فهو لا يتناول المشروبات الكحولية إطلاقا لكنها يومها كان سكرانا غير واعيا لأي شيء عندما أقام علاقة معها نتج عنها حملها بغالية …
” وهكذا مرت السنين وجئت انت … استمرت الحياة بنفس الرتابة .. كنا نعيش تحت سقف واحد كغريبين لكننا كنا نتظاهر أماميكما بالعكس ..”
هزت غالية رأسها ودموعها عادت تهطل مجددا عندما صاحت بألم :-
” لماذا كذبت علينا ..؟! لماذا أوهمتنا بالعكس ..؟! لماذا عشنا سنوات نظن إن والدي ترك زوجته الأولى من أجل حبك ..؟! لماذا ..؟!”
………………………………………………………….
كان يجلس بجوارها يتأملها عن قرب عندما قال بجدية :-
” عم كنتما تتحدثين انت ووالدتي ..؟! ”
ردت حياة وهي تبتسم بهدوء :-
” حديث خاص بيننا ..”
” هكذا اذا ..”
قالها وهو يبتسم بخفة قبل أن يضيف بجدية :-
” والدتي تحبك حقا …”
ابتسمت وردت :-
” وأنا أحببتها رغم لقائاتي المحدودة بها ..”
” اذا ماذا ننتظر … ؟! ”
” عم تتحدث ..؟!”
سألته بإستغراب ليتنهد ثم يقول بجدية :-
” متى ستمنحيني موافقتك على عرض الزواج والسفر يا حياة ..؟!”
ظهر التردد على ملامحها عندما همست أخيرا :-
” أريد التفكير جيدا قبل إتخاذ قرار صعب كهذا ..”
” ألهذه الدرجة فكرة الزواج مني تبدو صعبة ..؟!”
قالها بسخرية لتهتف بجدية :-
” فكرة الزواج عموما من اي شخص تعتبر فكرة صعبة وتحتاج الى تفكير مطول … ”
أضافت وهي تتأمله :-
” انا بحاجة للتأكد من بعض الأشياء قبل إتخاذ القرار النهائي ..”
سألها مستغربا :-
” أشياء مثل ماذا ..؟!”
ردت يصدق :-
” أريد التأكد من صحة إرتباطنا .. أريد أن أثق جيدا بخطوتنا هذه .. ”
” انا أثق جيدا بذلك ومتأكد إن إرتباطنا هو الشيء الصحيح يا حياة .. ”
تغضنت ملامحها بعدم اقتناع ليسألها وهو يحيط كفها بكفه :-
” مالذي يقلقك بالضبط …؟!”
” لماذا انا بالذات يا نديم ..؟! ولماذا انت واثق لهذة الدرجة من صحة ارتباطك بي ..؟!”
صمت قليلا ثم قال :-
” لإنك مختلفة … جذابة وذكية .. شجاعة ولطيفة .. لإنك تحملين كافة الصفات التي تجعلني أرغبك انت كزوجة دونا عن أي واحدة أخرى ..”
تنهد بصوت مسموع ثم اضاف بصدق :-
” حياة انا لم أكن أفكر بأمر الزواج حتى قابلتك .. لم أكن لأتزوج من الأساس لكن دخولك حياة جعلني أفكر بأمر الإرتباط مجددا بعدما قررت ألا أرتبط مجددا بل جعلني أتوق للزواج بك بأقرب وقت .. ”
” هل برأيك هذا يكفيني للقبول بزواجنا ..؟!”
سألها بعد صمت دام للحظات لتجده يجيب بجدية :-
” اذا كان هناك سبب كافي لقبولك فهو مشاعرك نحوي … ”
تجمدت ملامحها لتسمعه يضيف :-
“أنت تحبينني يا حياة ..”
قالها بإقرار وثقة شديدة ليضيف متشدقا :-
” وانا سعيد جدا بحبك لي …”
أضاف وعيناه تحومان حول ملامح وجهها الباهتة قليلا :-
” أريد أن تحبيني دائما يا حياة .. أن تعشقيني أيضا .. فحبك ومشاعرك الصادقة النقية أكثر ما أحتاجه الآن … ”
” وماذا عنك ..؟! ماذا عن مشاعرك نحوي ..؟! انت منذ بداية الحديث تتحدث عن أشياء تخصني .. لكنك لم تذكر شيئا يخص شعورك انت يا نديم …”
ضمت قليلا ليحاوط وجهها الواجم بنظرات فشلت في تفسيرها كالعادة لكن صوته خرج أخيرا محملا بعاطفة غريبة :-
” أنت تثيرين داخلي الكثير من الأحاسيس التي أعجز عن تفسيرها … أحاسيس جديدة ولذيذة للغاية وهذا ما يجعلني أكثر من راضي بها …”
أنهى كلماته وعيناه ما زالتا تحاصران بنيتيها المتلهفتين لسماع المزيد لينحني قليلا ويطبع قبلة بطيئة طويلة على موضع غمازتها التي أراد كثيرا تقبيلها من قبل …
ابتعد عنها متأملا عينيها المغمضتين بإستمتاع للحظات قبل أن يهمس بصوت خافت أجش:-
” افتحي عينيك يا حياة …”
فتحت عينيها بسرعة لتجده يرمقها بنظرات غريبة قليلا قبل ان يعاود الانحناء قليلا مقربا وجهه من وجهها مرددا بحميمية :—
” أنتِ مصدر قوتي يا حياة … تذكري هذا دائما …”
” كم هذا رائع .. مشهد رومانسي يستحق أن نعرضه على الشاشات وفي مواقع التواصل الإجتماعي حيث سيجلب مشاهدات خيالية …”
كان هذا صوت عمار الذي اقتحم المكان ليلتفت نديم نحوه بحدة وقد عرفه من صوته بينما توترت ملامح حياة وهي تلتفت نحوه بدورها لتتجمد ملامحها وهي ترى عمار أمامها لكن ليس لوحده …
كان يقف في مقدمة الصالة وذراعه تحيط خصر ليلى التي ترتدي فستانا شديد الأناقة وتصفيفة شعرها مع مكياجها الهادئ تشيران الى كونها كانت في سهرة مهمة …
حبست حياة أنفاسها داخل صدرها وهي تتأمل إبتسامة عمار المليئة بالمكر المخيف وجمود ملامح ليلى الغير مفهوم لتستدير رغما عنها فتجد نديم يرمق الاثنين بملامح حادة مخيفة قبل أن يضيف عمار وهو ما زال محتفظا بإبتسامته :-
” بارك لنا يا أخي .. انا وليلى تراجعنا عن قرار الطلاق وقررنا أن نمنح زيجتنا فرصة جديدة …”

يتبع….

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة باقي حلقات الرواية اضغط على : (رواية حبيسة قلبه المظلم)

اترك رد