روايات

رواية غير قابل للحب الفصل الخامس 5 بقلم منال سالم

رواية غير قابل للحب الفصل الخامس 5 بقلم منال سالم

رواية غير قابل للحب البارت الخامس

رواية غير قابل للحب الجزء الخامس

غير قابل للحب
غير قابل للحب

رواية غير قابل للحب الحلقة الخامسة

كنت متوقعة أني على وشك الاستراحة، من كم الضغوطات الحرجة المفروضة على شخصي، منذ اللحظة التي وطأت فيها هذه المدينة الخانقة، لن أنكر أني كدت أتحرَّق توقًا للفكاك من هنا على وجه السرعة؛ لكن ما طمحت إليه أصبح مجرد أوهــام عابرة، فالأسوأ على ما يبدو ما زال في انتظاري! تخشبت في مكاني كالصنم لهنيهة عندما سمعت صوته الأجش المألوف يجلجل في الغرفة بتحكمٍ باعث على الرهبة والخوف. تشوش ذهني واضطرب، كيف أجمع شجاعة فرت قبل أن أفيق من صدمتي؟ التفتُ كالملسوعة لأجد “فيجو” بطلته المهيبة ونظراته القاسية، يتطلع إليَّ بشكلٍ جعل قلبي يقصف من شدة ارتياعه.

بذلت كل الجهد لأبدو غير مذعورة وأنا أصيح فيه:

-هل جننت؟ كيف تأتي إلى هنا؟

ولأبدو أكثر إقناعًا، وأقل ظهورًا بمظهر الفزع، هتفت أهدده بنزقٍ:

-سأطلب أمن الفندق ليرموك خارجًا.

للغرابة لم يحرك ساكنًا، بقي هادئًا في موضعه، وظل يطالعني بهذه النظرة الغامضة الجامدة، فاندفعت بكل عنفواني نحو الهاتف، أطلب الاستقبال بالأسفل، صرخت وأنا أستدير برأسي لأحدجه بنظراتٍ نارية:

-أريد الأمن فورًا إلى غرفتي، هناك من تعدى على خصوصيتي.

لاحت على ثغري بسمة مستفزة متحدية، وأنا أضع السماعة في مكانها، متوقعة أن يتخذ موقفًا عدائيًا ضدي؛ لكن سرعان ما اهتزت ابتسامتي لتبدو باهتة مشوهة، عندما وجدته لا يبدي أدنى ردة فعل، سكونه المريب ضاعف من رعبي رغم جهدي الجهيد لإظهار العكس. تراجعت عفويًا للخلف حين رأيته يهم بالتحرك، اتخذت وضعية دفاعية، متوقعة بادرة هجومٍ منه، ولدهشتي ســار في هدوءٍ واضح، تجاه النافذة الزجاجية وهو يضع كفيه في جانبي بنطاله، توقف أمامها، وراح يتأمل المشهد بالخارج ببرودٍ جعل خوفي يتبدل للحنق في لمح البصر. ومع ذلك بقيت بالقرب من باب الغرفة متهيأة للفرار في التو.

لن أنكر أن هذه الفكرة الطائشة راودتني، وبدأ رأسي يزدحم بعشرات الاقتراحات غير المدروسة، كلها تدور في فلكٍ بعينه، لما لا أترك كل شيء خلفي وأهرع من هنا؟ يبدو أنه قرأ ما يدور في رأسي من صراعٍ، فنطق محذرًا دون أن يستدير ناحيتي:

-لن تفعلي.

خفق قلبي مرة ثانية في توترٍ، كيف استطاع –بهذه البساطة- أن يعرف ما الذي أخطط له في طيات رأسي؟ انتشلني حضور أفراد الأمن من تخبطي اللحظي، فوجدت غرفتي قد امتلأت بهم، حيث احتلوا المساحة الفارغة تقريبًا، حينئذ أحسست بالغرور يغمرني، وبالانتشاء يلفني. وجهت ناظري نحو “فيجو” الذي ما زال يوليني ظهره، وعقدت ساعداي أمام صدري في جأشٍ بدأت في استعادته بوجودهم المطمئن. سألني المسئول الأمني في جديةٍ تامة، وكامل نظراتي لا تزال مرتكزة على ظهر هذا المزعج:

-ما الأمر سيدتي؟

دون أن أحل تشابك ذراعاي أجبته وأنا أشير برأسي:

-هذا الشخص اقتحم خصوصيتي.

بديهيًا اعتقدت أن ينتفض المسئول الأمني مع من جاء بهم ناحيته، ليلقوه خارج الغرفة، بعد تأديبه بما يستحق؛ لكن مجددًا تفاجأت به يتأهب في وقفته، ليبدو رسميًا على غير العادة. حلَّت عليّ دهشة لحظية، تضاعفت عندما رأيته يُبدي احترامًا وتوقيرًا زائدًا وهو يوجه كلامه إلى “فيجو”:

-هل هناك مشكلة أيها الرئيس؟

دمدمت مكررة بتلقائيةٍ وفي صدمةٍ بعد سماعي لسؤاله هذا:

-رئيس؟!

ببطءٍ استثار أعصابي، وجعل شعيرات جلدي تنتصب، استدار “فيجو” ليواجهني، وأجاب بشبح ابتسامة مخيفة:

-أنتِ في موطني.

تعذر عليّ في لحظتها استيعاب مقصده، فأردف المسئول الأمني موضحًا:

-الرئيس “سانتوس” هو مالك الفندق…

التفت نحو المسئول الأمني أتطلع إليه بعينين مفتوحتين على اتساعهما، وأنا متأكدة أن انفراجة شفتي المذهولتين ظاهرة للجميع. لم أكن قد أفقت بعد من صدمتي، لانتبه لهذا المسئول الذي أصبح وجوده والعدم سواء وهو يسألني في نبرة متراخية وَجِلة:

-هل هناك آ… ؟

قاطعه “فيجو” قبل أن يتم جملته يأمره بإشارة من إصبعيه:

-انصرف.

كالعبد الذليل أبدى طاعة عمياء لأمره الموجز، وانسحب مع من جاء من رجال دون اعتراضٍ، لأظهر أمام نفسي قبل من حولي كالخرقاء المغيبة، كيف لم يتفقه ذهني لهذا منذ البداية؟ فأنا حقًا في موطن سُلطة عائلة “سانتوس”. اندلع بي غضبي من سخافة الموقف الذي وضعت فيه، واستدرت أصب غيظي عليه بصراخي المنفعل:

-من تظن نفسك؟ هل امتلكت العالم ومن فيه؟

نطق بكل هدوءٍ مغيظ لي:

-لا…

ثم تلون ثغره ببسمة ظفر زادت داخلي احتراقًا وغضبًا:

-فقط أنتِ.

لم أتحمل هذه النبرة المتحكمة في صوته، والتي تشير علنًا إلى كوني أسيرته، فصرخت فيه بتحدٍ سافر:

-لن يحدث، أنا لست ملكًا لأحد.

ما راود عقلي قبل لحظاتٍ من أفكارٍ غير مرتبة لرسم خطةٍ عاجلة للهروب من محيطه، والوصول إلى المطار قبل أن تطالني يداه الملوثة بالدماء، شرعت في تنفيذها دون أن أعرف كيف ستتم بالضبط، المهم ألا أبقى هنا للحظة أخرى، لذا بكل ما في من عنفوان وغضب، اندفعت ركضًا للخارج، بعد أن التقطت حقيبة يدي الصغيرة، لأعلقها حول عنقي، وأهرع ناحية المصعد. فُتح الباب في التو، فولجت لداخله، وضغطت على زر إغلاقه متوقعة أن يلحق بي في أي ثانية. تفقدت خلال تواجدي بالمصعد ما احتوته حقيبتي، كان جواز سفري، وهويتي بها، بالإضافة لحافظة نقودي، وهاتفي المحمول، وهذا ما يهم.

بمجرد أن فُتح الباب المعدني على مصراعيه، اندفعت خارجة منه، وأنا متحفزة للغاية، لم أجد أحدًا ليوقفني، فزادني هذا إحساسًا بالثقة، تابعت سيري الأقرب للركض نحو الخارج، وألقيت بنفسي داخل أول سيارة أجرة قابلتني. سألني السائق وأنا ألهث لالتقط أنفاسي:

-إلى أين سيدتي؟

من بين لهاثي السريع أخبرته:

-المطار.

هز رأسه في طاعة، وانطلق بسيارته في اتجاه الطريق السريع المؤدي إلى المطار، عندئذ فقط شعرت بكتلة من الراحة تنتشر في أوصالي، ابتهجت أساريري، واسترخت عضلات وجهي المشدودة، وأخذت أردد بين جنبات نفسي في ارتياحٍ:

-أخيرًا، لن أعود إلى هنا.

………………………………………………..

دار في مخليتي المستنزفة، وأنا أستند برأسي على مقعد السيارة الخلفي، تجسيدًا مقاربًا لما يمكن أن يحدث، حين يعلم خالي بمسألة فراري السرية من القصر. توقعت أن يثور في وجه والدتي المسكينة، ويتهمني برعونة متهورة، ووجهه قد اشتعل بحمرته الظاهرة. لم أكن مكترثة لغضبه، ولن أعبأ باتخاذه موقفًا معاديًا ضدي، ففي الأخير أنا من عليه التعامل مع الوضع. ابتسمت لمجرد تخيل ملامحه، وشعرت بالمزيد من السكينة تتسلل إليّ عندما قرأت لافتة المطار على بُعد بضعة كليومترات. أردت فقط الاطمئنان على “صوفيا”، فهي مرهفة الحس، لن تتحمل أي أخبارٍ سيئة عني، خاصة حينما تعلم بغيابي، لهذا قررت مهاتفتها في عجالةٍ لأجعل قلبها المذعور يهدأ، بالطبع لن أطلعها على مكاني؛ لكني سأجعلها تطمئن.

تنفست بعمق، وأخرجت الهاتف من حقيبتي، لأطلبها في التو، بمجرد أن سمعت الرنين يصدح في الطرف الآخر، وجدتها تجيب في لهفة متسائلة:

-“ريانا”، ابنتي؟ هل هذه أنتِ؟

لفظت الهواء على مهلٍ قبل أن أرد في تريثٍ هادئ، لئلا تشعر بالقلق:

-نعم أمي.

ارتفعت نبرتها بعض الشيء وهي تهتف بي متسائلة في خوفٍ غريزي:

-أين أنتِ؟

أجبتها وأنا أنظر بحذرٍ إلى السائق المشغول بمتابعة حركة السير المزدحمة:

 -لا تقلقي، أنا بخير.

سألتني مجددًا لتتأكد:

-هل أنتِ كذلك؟ أم أنك تكذبين؟

أجبت ببساطة محاولة نفض ما اختبرته من خوفٍ عميق عن ذاكرتي:

-صدقيني، أنا في أحسن حال…

بلا صوتٍ أكملت جملتي، وأنا اختطف نظرة جانبية عابرة من نافذتي للطريق السريع من حولي:

-حاليًا.

سمعتها تقول فجــأة بصوتٍ بدا مُعبرًا عن دهشتها:

-“رومير”!

جاء صوت خالي صارخًا ومتهمًا إياي بحدةٍ:

-ابنتك غبية، وستحرق الجميع بعنادها الأحمق.

وجدتُ أمي تدافع عني في عاطفةٍ أمومية يشوبها كل الخوف، دون أن تُظهر بعد أنها تخابرني:

-إنها صغيرة، لا تعرف الخطأ من الصواب.

ظل يكرر على مسامعها في عصبيةٍ:

-حقًا؟ و”مكسيم” لن يقبل بهذه المهازل…

على إثر ذكر اسم ذلك الرجل انتابتني رعشة خفيفة، قاومتها وأنا أسمع صوت خالي الرنان يصرخ:

-ألا ترين كيف ينتظر “لوكاس” الفرصة لقتل ابنتك انتقامًا لأبيه؟

هنا تملك الذعر والدتي مثلي تمامًا، وراحت تصيح بارتياعٍ شعرت به من موضعي، رغم الأميال الفاصلة بيننا:

-يا إلهي!

بدأت نوبة من الهلع تُصيبها، فدون تفكيرٍ هتفت كمحاولة مستبئسة مني لإظهار شجاعتي:

 -اهدئي أمي، لن يحدث، لن يمسني أحدهم بسوء، سألجأ للقانون وللشرطة.

سمعتها تنطق بنبرة شبه باكية:

-“ريانا”، ابنتي، أنا خائفة.

أتى صوت خالي هادرًا:

-هل هذه الحمقاء ابنتك؟ إنها من تُحادثك؟

أجابت “صوفيا” عليه رغم احتجاجي على معرفته بمسألة اتصالي:

-نعم.

لم أحبذ أبدًا أن أخوض معه هذه المناقشة العقيمة، والتي لن تصل بكلينا إلى شيء سوى الصراخ والوعيد. أفقتُ من سرحاني السريع على صوته الآمر لوالدتي:

-اعطني الهاتف.

وقبل أن تراودني فكرة إنهاء الاتصال اخترق صوته الغاضب طبلة أذني وهو يصيح بجنون:

-أيتها الغبية، إنت كنتِ تظنين أنك في مأمن من “فيجو” فأنت حمقاء، وساذجة.

رجوته في تذمرٍ، وقد امتلأ وجهي بأمارات الضيق، تلك التي أخشى من ملاحظة السائق لها:

-من فضلك خالي.

كنت أشك أنه يصغي معي لوَصلة تقريعي لفظيًا، خاصة مع ارتفاع نبرة “رومير” وهو يكمل:

-صدقيني لن تهتز له شعرة وهو يفصل رأسك عن جسدك بخنجره، ولن تفعل الشرطة شيئًا لأجلك.

جاء صوت “صوفيا” متداخلاً معه وهي تتوسله ببكاءٍ واضح:

-من فضلك “رومير”، أعصابي لا تتحمل، كف عن هذا.

تجاهل رجائها، وسألني في غلظة:

-أخبريني بمكانك، هل أنتِ بالفندق؟

ضممت شفتي بقوةٍ رافضة الإجابة عن سؤاله، فصرخ بصوتٍ أقوى جعلني انتفض في جلستي:

-أجيبي!

رفعت بصري نحو السائق لأرى ما الذي يفعله، كان لا يزال ملتهيًا في القيادة، تنبهت لصوت خالي وهو يوضح لي، بما يشبه النصيحة:

-أنتِ تتعاملين مع القادة هنا، لا مجال للمزاح أو التراجع، والقتــل بدمٍ بارد عندهم كالماء والهواء، وأنتِ لستِ فوق الجميع…

لانت نبرته إلى حدٍ ما وهو يقول:

-ربما إن تركوك لن يدعوا أمك المسكينة في حالها، سينالها الأذى، إنهم قساة بمعنى الكلمة.

هوى قلبي فزعًا لمجرد تخيل ما قد يصيب “صوفيا” الرقيقة من شرٍ، كنت على وشك إخباره لولا أن سمعت أحدهم يقول في خلفية المكالمة:

-سيدي!

أصغيت إلى خالي وهو يتساءل:

-ما الأمر؟

أجابه الصوت الرجولي الظاهر من بعيد:

-لقد أبلغني أحد رجالنا بتواجد “فيجو” بالفندق.

من فوره صاح “رومير” في حنقٍ يمكن أن يُرى على وجهه قبل أن يُسمع:

-اللعنة!

لذتُ بالصمت رغم ترديده المنفعل:

-هذا ما كنت أخشاه، الأمور ستتعقد.

سألني مرة أخرى في صوتٍ غاضبٍ للغاية:

-هل أنتِ بالفندق؟

لا أعرف لماذا كذبت، ونطقت في اهتزازة مكشوفة:

-نـ.. نعم.

همهمات جانبية غير مفهومة ظلت تصدر من الطرف الآخر، وصوت والدتي يصيح:

-“رومير”، لا تترك ابنتي له، إنه وحشٌ كاسر، حتمًا سينتقم منها.

هتف عاليًا فيها:

-اصمتي!

وضعت يدي على فمي لأكتم شهقاتي الخائنة، واستمعتُ لأمره الصريح:

-استدع رجالنا، وأعد السيارات، سنذهب الآن.

بدا صوت والدتي قريبًا من سماعة الهاتف وهي تنادي في توسلٍ مختلط بالبكاء:

-“رومير”!

أدمعت عيناي على الفور، خاصة و”صوفيا” تدمدم في حرقةٍ:

-يا إلهي، كيف سمحت لنفسي بالعودة بها إلى هنا؟ أين كان عقلي؟

مسحت بإبهامي النافر من دموعي، وطمأنتها في صوتٍ شبه مختنق:

-اهدئي أمي، أنا خارج الفندق الآن.

وكأن دبيب الحياة قد عاد إلى قلبها الملتاع، فصاحت تسألني:

-أين أنتِ؟

لم أرغب في توريطها فيما قد يلحق بها الأذى، لهذا أجبتها في حسمٍ:

-لا تقلقي، سأخبرك حينما أصل سالمة.

أنهيت الاتصال لئلا أضعف وأبوح لها أمام دموعها الساخنة بوجهتي، يكفي أن تعلم في الوقت الحالي ببعدي عن مكمن الخطر.

………………………………………………………..

مضت الدقائق ثقيلة للغاية، رغم براعة السائق في تخطي الزحام الخانق، إلا أن هناك ما يقلقني، حيث أشعر وكأني أجد “فيجو” في كلِ مكانٍ حولي، وإن لم أره فعليًا؛ لكن هذا الإحساس ظل يساروني بقوةٍ، ألشخصيته المخيفة كل هذا التأثير الطاغي على مشاعري؟ لا أظن، ربما هي نتاج ما مررت به في الساعات الماضية. حركة مفاجئة للسائق جعلتني أفيق من شرودي المتواصل، اعتدلت في جلستي المسترخية، وسألته بحاجبين معقودين:

-ما الأمر؟

ظهر التردد على صوته وهو يجيب، ونظراته موزعة بين مرآته الأمامية، والمرآة الجانبية الملاصقة لبابه:

-أظن .. أن .. هناك من يتبعنا.

كالمصعوقة التفت برأسي أدور بها في كل الاتجاهات وأنا أتساءل بفزعٍ مفرط:

-أين؟

حدد ما يعنيه مشيرًا نحو الجهة اليسرى بعينيه:

-هاتان السيارتان!

استدرت كليًا حيث أشار، فرأيت بالفعل سيارتين دفع رباعي تلحقان بنا، ركزت ناظري على من يقودها، فوقعت عيناي على الجالس بالمقعد الأمامي، إنه “لوكاس”! جحظت عيناي بشدة، كما هربت الدماء من وجهي، وتوقفت للحظة عن التنفس من هول الصدمة، تجمدت نظراته المميتة على وجهي، وهذه الابتسامة الشيطانية تزين محياه، بقيت كالصنم لهنيهة، لا أبدي ردة فعلٍ، إلى أن أرسل عقلي إشارات تحذيرية متواترة، فاستعدت رشدي، وصرخت بالسائق، وقد انتفض الخوف في كل شبرٍ من جسدي:

-أسرع من فضلك، لا تدعهم يصلوا إليك.

ضغط السائق على دواسة البنزين وهو يسألني في توجسٍ:

-هل أنتِ متورطة في أمرٍ ما مع الشرطة؟

التفت لأواجه انعاكس وجهه المرتاع في المرآة، وأجبته بنزقٍ ندمت عليه بعد ذلك:

-لا، إنهم ليسوا من الشرطة.

برزت عينا السائق في ذعرٍ، ودمدم:

-لا تقولي!

تعلقت عيناي بانعكاس نظراته المتسعة رعبًا وهو يكمل في صيغة متسائلة:

-إنهم من رجال العصابات؟!

ترددت في إخباره بالحقيقة، والسبب ببساطة لأنه من المحتمل ألا يساعدني، ويرفض التورط في مسألة قد تأتي عليه بكوارثٍ أكيدة، لهذا لم أجب عن سؤاله المباشر وطلبت منه في صوت مرتعش:

-أسرع من فضلك.

أطلق لعنة بذيئة قبل أن يعقب في سخطٍ قلق:

-يبدو أن يومي البائس اكتمل.

تجاوزت عما سمعته، ورجوته وأنا أندفع بجسدي نحو مقعده لأتشبث به:

-لا تقف أرجوك.

انحرف السائق بالسيارة نحو أقرب مخرج في الطريق الدولي، ليتمكن من الإفلات ممن أوشكوا على محاصرتنا، هسهس بصوتٍ شبه منفعل عندما كاد يصطدم بالحاجز الأسمنتي:

-اللعنة!

أوقف السيارة مضطرًا عندما حاصرته واحدة منهما، وقد كانت على وشك الإطاحة بجانبه، حينئذ أدركت أنها النهاية، تلفت حولي في فزعٍ متزايد، وسلطت نظري على أول من ترجل من عربة الدفع الرباعي، صوت السائق شتت نظراتي عندما تساءل:

-من أنتم؟

هذا الصوت الكريه إلى قلبي جعل داخلي ينتفض وهو يهدر آمرًا:

-أحضروه إلى هنا.

تعلقت بكتف السائق أتوسله والدموع تَسِّح من مقلتي:

-لا تفتح الباب، إنهم سيئون للغاية.

انفلتت من بين شفتي صرخة فزعة وقد احتل “لوكاس” المشهد بجسده الضخم، بقيت نظراته الشيطانية مرتكزة على وجهي المذعور، فانكمشت على نفسي، وتراجعت بعيدًا عن مرأه المحاصر لي، قصف قلبي كدوي القذائف وهو يسألني باسمًا بابتسامة قاسية اقشعر لها بدني:

-هل كنتِ تظنين أنكِ ستفلتين من قبضتنا بهذه السهولة؟

أطلق ضحكة هازئة قبل أن يضيف في استمتاعٍ شرير:

-لقد تركك “فيجو” تمرحين قليلاً، وتتجولين بحرية.

صرخة أخرى خرجت من جوفي عندما انتزع أحد هؤلاء القتـــلة السائق الهزيل من مقعده، كأنه لا يزن شيئًا، ورماه خارج السيارة عند قدمي “لوكاس”. تحولت نظراتي المذعورة نحو هذا المسكين الذي تورط معي دون داعٍ أو ذنب، خاصة عندما سأله هذا الحقــير:

-وأنت؟ ماذا أفعل بك؟

هدرت مدافعة عنه في يأسٍ:

-دعه وشأنه.

ضحك ساخرًا مني قبل أن أجده يتطلع مرة ثانية للسائق الذي رفع رأسه الجريح جراء ارتطامه بالأسفلت القاسي لينظر إليه مرددًا في ضيق:

-يا هذا أنا لا…

هدر به مقاطعًا بتحذيرٍ صارم مصحوب بإشارة من سبابته:

-لا أحب الثرثرة الفارغة.

رأيتُ السائق وهو يتحسس القطع النازف في جانب رأسه بأصابعه، قبل أن يخفض يده ليحملق في آثار الدماء على جلده بانزعاجٍ مستاء، ثم ردد:

-لا شأن لي بمشاكلكم.

تلقائيًا اتجهت عيناي نحو “لوكاس”، كان الأخير يفرك طرف ذقنه في بطءٍ، كأنما يفكر في أمرٍ ما، خفض ذراعه معقبًا في غموضٍ ممتزج بالرعب:

-أتعلم؟ إنه خطئها لأنها استقلت سيارتك…

تطلع إليه السائق في تحيرٍ، وعلامات الاستفهام تملأ وجهه، كنت مثله تمامًا أجهل ما سيحدث لاحقًا؛ لكن حدسي لا يبشرني بخير، تضاءل كتفاي وتكورت في بقعتي بالمقعد حين استأنف “لوكاس” كلامه بابتسامة ماكرة تنم عن شرٍ دفين:

-ويجب إصلاح الخطأ.

توقعتُ ألا يمضي الأمر على خير، فهذه النظرات القــاتلة تعني أنه على وشك ارتكاب جريمة شنيعة، جثا السائق على ركبتيه وهتف رافعًا ذراعيه في الهواء:

-ماذا تفعل؟ إهدأ.

في البداية لم أفهم لماذا يصيح بتوجسٍ مرتاع؛ لكن سرعان ما علمت السبب، حيث أشهر “لوكاس” سلاحه في وجهه بعد أن استله من جانبه، ودون تمهيدٍ أطلق من فوهته عيارًا ناريًا استقر في منتصف جبينه، ليرديه في التو قتيلًا، أتبع ذلك تعليقه المتهكم:

-لا ضغينة عزيزي.

حسنًا، أن يتم وصف من أمامك بلقب القاتل لا يضاهي أبدًا، في كل الأحوال، أن تراه يفعل ذلك عمدًا، وعلى مرأى ومسمعٍ منك. الشعور رهيب ومخيف، بل إنه في غاية البشاعة! انفلتت مني أكثر من صرخة مفزوعة لم أستطع كبح أي واحدة، كردة فعل تلقائية لما شاهدته في التو. رحت أردد من بين صرخاتي في صدمةٍ كبيرة، وبلا وعي، وأنا أستحضر في ذهني ما عايشته من مشاهد دموية لا تزال نابضة في ذاكرتي:

-أنت مجنون، مجنون.

تقدم “لوكاس” نحو باب السيارة الخلفي يريد فتحه وهو يؤكد لي:

-نعم، أنا كذلك.

ثم قهقه ضاحكًا في نشوة عارمة، جعلتني أتمنى الزوال من أمامه. زحفت للجانب الآخر من السيارة، لألتصق بالباب، وفي نفس الوقت حثتني غريزة البقاء على فتحه، والفرار في التو. مددت يدي المرتجفة في حركات خرقاء محاولة البحث عن المقبض؛ لكنه اختفى، أو الأحرى فقدت كامل تركيزي فلم أستطع التصرف. سمعت في خضم مخاوفي “لوكاس” يأمر رجاله في صرامة:

-هيا! تخلصوا من الجثة، والسيارة أيضًا.

لا أعرف كيف نجحت رغم هلعي وتشتتي في إيجاد المقبض، فتحته، واندفعت خارجة لأركض هاربة من جحيمه، وأنا بالكاد أحاول الحفاظ على اتزاني. هلل “لوكاس” من خلفي في انتشاءٍ ضاعف من خوفي:

-تحبين الركض؟ حسنًا، لنلعب قليلًا!

صرخت مستغيثة بأعلى صوتٍ امتلكه، لعلَّ أحدهم يكون قريبًا مني فينقذني:

-النجــــــدة!

……………………………………………………

بعض الغرائز تنتفض، وتعمل بكامل طاقاتها، حينما تكون حياة أحدهم مهددة، أو على المحك. هذا ما حدث معي! فور أن خرجت من سيارة الأجرة، ووسط صراخي المذعور، اندفعت ركضًا نحو الحاجز الأسمنتي، ثم استندت بكفي على حافته السميكة، لأتمكن من رفع جسدي، والقفز من أعلاه، سرعان ما اعتدلت في وقفتي، وتابعت ركضي الفــار بأقصى سرعة، نحو هذا المكان المقفر، وأصوات ضحكاته المجلجلة تتبعني أينما ذهبت.

لم أعلم في أي منطقة أتواجد تحديدًا، وبالطبع لم يكن الظرف مناسبًا لأتبين تفاصيل ما حولي بدقة، كل ما فعلته ركضت، وركضت، وبقيت أركض وسط أبنية قديمة، مهجورة من ساكنيها، حاولت طمأنة نفسي المذعورة بأني سأجد شخصًا ما هنا يظهر من العدم، ليقدم لي يد المساعدة؛ لكن لم يحدث ذلك، أين اختفى البشر بحق الله؟ هل تلاشوا فجأة وأصبحت أنا وذلك اللعين بمفردنا؟ صوته الهادر راح يرن صداه في الفضاء:

-لا مهرب لكِ مني.

-اللعنة

رددت من بين شفتي وأنا ألهث، لا أعرف لماذا تصرفت كالحمقاء، والتفتت للخلف لأنظر أين هو؟ فعندئذ تعثرت قدماي، والتفت ساقي بالأخرى، فانكفأت على وجهي وأنا أصرخ. تحملت راحتا يدي كل الألم والصدمة، فاكتستا ببعض السجحات والخدوش السطحية جراء النتوء الحادة بالأرضية الصلبة. استجمعت نفسي، ونهضت في الحال، لأواصل بعد ذلك هروبي من محيطه المهدد. لن أنكر أني منحته بسقوطي فرصة للاقتراب وبلوغي، كان ما يفصل بيننا بضعة أمتار، لا أعلم كيف قطعها، لأشعر بكتلة بشرية ضخمة تندفع في قوة نحوي، لتطرحني أرضًا بثقلها، لم أكن قد أفقت بعد من الصدمة لأجد ذراعين قويتين تقيدان حركتي، وصوته الكريه يردد في أذني بهسيس مُرعب:

-وقعتِ في يدي.

ظللت أصرخ من هولي وارتعابي في هيسترية متزايدة، إلى أن تقطع صوتي، وخبا رغمًا عني، وراح ظلام غريب يقتحم وعيي بالإكراه، جراء تلك الوخزة المباغتة التي نالت من عنقي، لأشعر بعدها باسترخاء عجيب يجتاح كل أطرافي، ويصيبني بنوعٍ من السكينة الجبرية.

……………………………………………….

لاحقًا، استفقت وأنا بالكاد أستطيع رفع رأسي، فقد كانت ثقيلة، يلفها دوار مزعج، وعدم تركيزٍ واضح. أخذت أحركها في بطءٍ للجانبين، محاولة تدارك ما يحدث حولي، فآخر ما أذكره هو ركضي السريع الذي جعل عظام ساقي تصرخ من الوجع، قبل أن يسحبني الظلام إلى دوامته. بدأت مداركي تعمل بشكلٍ أفضل، وتعي ما يدور رويدًا رويدًا، حيث وجدتني أجلس على مقعد خشبي، له مسندين، غير مقيدة، في مكانٍ شبه معتم، عطن الهواء، يبدو للوهلة الأولى كغرفة معزولة خاصة بالتحقيق، لا تتجاوز في مساحتها ثلاثة أمتار، خالية من الأثاث، إلا من مقعدٍ وحيد خشبي، ذاك الذي أجلس عليه، وطاولة مستطيلة أمامه.

انتبهت لبضعة أصواتٍ متداخلة حولي؛ لكني لم أتبين ماهيتها بعد، رمشت بعيني لعدة مراتٍ إلى أن اعتدت على الضوء الخافت، حاولت النهوض فجأة، وللأسف اجتاحني هذا الدوار المؤلم، فعاودت الجلوس جاعلة مرفقي يسترخيان على مسندي المقعد، ربما من الأفضل البقاء جالسة لبعض الوقت إلى أن يخف تأثير هذا الدور. مددت يدي لأتحسس عنقي من الجانب، وتحديدًا مكان اللسعة الغامضة التي شعرت بها فيه، جاء من خلفي بغتةً هذا الصوت المميز الهازئ بي، مما جعلني ارتجف وحجمي يتضاءل:

-لقد أفاقت قطعة السكر أخيرًا!

مرة واحدة أدرت رأسي نحو صاحبه، دون أن أنهض من مجلسي، وجدت “فيجو” يقف بهامته المنتصبة، وهيئته الباعثة على الرهبة مستندًل بظهره على الحائط، وكفيه بداخل جيبي بنطاله. كان معظم وجهه غارقًا في الظلام، وبالتالي لم أتمكن من قراءة ملامحه، فزاد ذلك من إحساسي بالرهبة، ومن تلاحق دقات قلبي، لن أنكر كونه قادرًا على فرض سيطرته بلا أدنى طائل. لم استسغ ما قاله، ومع هذا لم أعلق عليه، سكتُ للحظاتٍ لأقيم الموقف قبل أن أتساءل بخوفٍ ظاهر في نبرتي:

-أين أنا؟

أجابني وهو يهم بالتحرك من موضع استقراره ليدنو مني:

-لا يهم أين أنتِ، ففي النهاية مكانك معي.

جمرات الغيظ النابعة من تسلطه المزعج أُوقدت بداخلي، فانتفضت واقفة، وصرخت بصوتٍ حاد شبه آمر وأنا أشير بسبابتي:

-أريد الخروج من هنا فورًا.

اقترب أكثر مني حتى أصبحت أرى عينيه القاسيتين بوضوحٍ وهما تتطلعان إليّ في تصميمٍ، نالت مني قشعريرة غريبة وأنا أشعر بهيبته تطغى على محيطي، ازدردت ريقي، وسألته برعشة بائنة في صوتي:

-هل تنوي قتلي؟

دون أن يرف له طرف جاوبني:

-لو كنت أريد لما تركت حية تصرخين أمامي هكذا.

قليلٌ من الشجاعة تسرب إلى داخلي، فبادرت مهددة:

-اعلم يا هذا أن خالي لن يسمح لك بإيذائي!

شبح ابتسامة ظهر على زاوية فمه، فعلق في سخرية شبه مستترة:

-وماذا أيضًا؟

هتفت في تحفزٍ منفعل:

-سـ..

بالكاد نطقت بأول حرف حينما قاطع حديثنا اللعين “لوكاس” قائلاً بغموض تقشر له الأبدان وهو يظهر في الخلفية:

-“فيجو” دعها لي، أريد أن أتسلى معها قليلاً.

حين وقعت أنظاري عليه، هاجت في نفسي كل المشاعر المشمئزة، والنافرة، والمستثارة لجريمته النكراء، قبل أن يندلع الغضب بأعماقي ويبلغ أقصاه، خاصة مع استحضاري للمشهد الدموي الأخير للسائق المسكين الذي راح ضحية عنفه الأهوج. اشتعل وجهي بحمرته، وصرخت فيه في انفعالٍ متصاعد:

-أيها القاتل اللعين!

ضحك في استهزاءٍ أحرق أعصابي، ما هذه القساوة العجيبة؟ ألم يشعر للحظة بتأنيب الضمير وهو يسلبه حياته؟ صوته المقيت جعلني أجن، فواصلت الصراخ باندفاعٍ:

-إنه بريء لم يفعل شيئًا، كيف تزهق روحه بهذه السهولة؟

رد ببرود ضاعف من حنقي وهو يسير بتمهلٍ في اتجاهي:

-هذا نتيجة اختيارك الأحمق.

هدرت به باهتياجٍ أكبر وأنا ألوح بذراعي في الهواء:

-أتحملني ذنب قتله يا حقير؟

غامت تعبيراته، وراح يهددني مشيرًا بإصبعه في تحذيرٍ شديد اللهجة، وهو يتجه ناحيتي:

-إن أسأتِ الأدب مجددًا، صدقيني لن أتردد في إرسالك معه للجحيم.

اتسعت عيناي المحتدين وأنا أحدجه بنظراتٍ نارية، لأرد في غير احترازٍ:

-الجحيم مكان أمثالك.

تشتت انتباهي عنه لحظيًا لأرى “فيجو” وهو يقبض على كتفه ليستوقفه قائلاً في جديةٍ:

-اهدأ “لوكاس”.

قلَّبت نظراتي المتأججة بينهما؛ لكن في النهاية ارتكزت على وجه “لوكاس”، فهو أكثر من يثيري غيظي، وغضبي، حينما وجدني “فيجو” لا أعيره انتباهًا خاطبتي:

-انظري قطعة السكر آ…

استفزني ألفته غير المقبولة، فهدرت مقاطعة في تحيزٍ وأنا أستدير بوجهي ناحيته:

-لا تناديني بهذا الاسم!

رمقني بتلك النظرة الغامضة، فتابعت مبررة تحفظي:

-لا يحق لك.

رد بثقةٍ مفرطة أثارت في المزيد من الحنق:

-بل كل الحق معي، أنتِ ملكي.

احتججتُ بحدةٍ:

-لا، أنا آ…

هتف في صوتٍ صارم قوي جعلني ابتلع باقي جملتي في جوفي:

-اسمعي ولا تقاطعي مجددًا!

تسمرت في مكاني وأنا لا أزال أطالعه بنظراتي الحانقة، فتابع بلهجةٍ جمعت بين الشدة والتهديد:

-أنتِ مجرد صفقة يعتبرها خالك رابحة، ونحن نتركه يعتقد ذلك، لذا من المفترض أن تكوني مطيعة، وتنفذي ما عليك من واجبات تجاه أفراد عائلتك…

وصف مسألة زواجي به بالصفقة كان مقيتًا وكريهًا لأبعد الحدود، كدت أشرد لأفكر بعمقٍ فيما يقول لولا أن اختتم جملته بتحذيرٍ واضح:

-إن أردتِ حمايتهم!

ضاقت عيناي بشكٍ، فراح “لوكاس” يضيف في استمتاع يصيب معدتي بالتقلص:

-عذرًا للمقاطعة أخي…

تحول ناظري ناحيته، غير متوقعة نواياه الخبيثة لإحراقي بكمدي حية. تجول في تلكؤ وهو يضيف:

-ربما تظن الأميرة الشقراء أنها في نزهة تقضي بها على ملل حياتها السقيمة.

رفعت سبابتي أحذره باستحقارٍ ظاهر في صوتي:

-لا تتكلم عن حياتي يا هذا.

لم يبالِ بصراخي، وقال:

-دعيني أوضح لكِ جدية الأمر.

رمقته بحقدٍ وهو يرفع هاتفه المحمول أمام وجهي متسائلاً في نشوةٍ، وهذا الوميض الماكر يتراقص في عينيه:

-أهذه صورة صغيرتك المحبوبة “آن”؟

حينئذ أحسست بقلبي يخفق وكأن أحدهم انتزعه عنوة من موضعه، قبل أن تثور بي كل عواطف الخوف والقلق، رددت في غير تصديقٍ:

-ماذا؟

أوضح بغمزة سريعة من طرفه:

-إنها حديثة، التُقطت قبل ساعات.

حركتني مشاعر العصبية والحمئة للزود عن شقيقتي البريئة، فاندفعت في جنونٍ أطيح بهاتف “لوكاس” من يده، لأسقطه أرضًا، فتناثر في قطعٍ متفرقة، ثم أمسكت به من ياقته لأهزه وأنا أصرخ في هياجٍ أكبر:

-أيها الحقير، كيف تجرؤ؟

للغرابة تركني أثور في وجهه، وكأنه يتلذذ برؤيتي في حالة عصبية، حاولت هزه بكل ما يزأر بداخلي من غضبٍ وانفعال؛ لكنه لم يتأثر، كان صلدًا، صلبًا، جامدًا كالجبل، لا تحركه حركاتي الهوجاء. استفزتني للغاية تلك الابتسامة المغيظة على وجهه وهو يخاطبني:

-انظري يا حلوة، إن أردت الحفاظ على حياة شقيقتك فأنصحك بإتمام هذه الصفقة بطاعة، ودون اعتراض.

صحت مهددة في عداءٍ واضح، وكل نظراتي مرتكزة على وجه “لوكاس”:

-لن أسمح لكما بالمساس بشقيقتي، وخاصة أنت!

كان يملك من الوقاحة ما خَوَّله للرد باستفزازٍ مريض:

-أهي مثلك؟ شرسة؟

تضاعفت ما بي من ثورات أضعاف ما كنت عليه بعد تلميحه المسيء، فرحت أخمشه في وجهه بأظافري وأنا ألعنه بحقدٍ لن يخبت أبدًا تجاهه:

-يا وغد!

تدخل “فيجو” لإيقافي بعد أن خرجت أعصابي عن السيطرة، فأمسك بي من قبضتي ليدفعني للخلف وهو يكلمني:

-اهدأي.

ثم التفت محذرًا ابن عمه:

-“لوكاس”، كف عن ذلك.

نجحتُ في إفلات إحدي قبضتاي من بين يديه، فخفضتها نحو حامل الأسلحة الذي يرتديه، وسحبت في سرعة سلاحه الناري من جرابه، لأشهره في الهواء صارخة بغير وعي:

-سأقتلكما.

عندئذ تحرك مبتعدًا عني مسافة خطوتين، وراح يرمقني بهذه النظرة القلقة وهو يحذرني بإشارة من يده:

-احذري، هذا ليس بلعبة!

أخذتُ أدور بالسلاح بين وجهيهما وصوتي يصرخ عاليًا حتى انجرحت أحبالي:

-لن تمسا “آن”!

لم أعد المتحكمة في تصرفاتي، فقدت قدرتي على ضبط انفعالاتي وقد اتخذت الأمور مسارًا مغايرًا ومهددًا لعائلتي، همَّ “لوكاس” بالتحرك ناحيتي، فاتجهت أنظاري إليه، على الفور أزلت زر الأمان، كما كنت أرى رجال العائلة يفعلون. كل شيء حدث في لحظة من التوتر الجسيم، حيث صرخت بجنونٍ لمَّا رأيته يندفع نحوي، وإصبعي يضغط على الزناد، لتنفلت منه طلقة نارية، وهدير “فيجو” يجلجل في جنبات الغرفة:

-اللعنة

يتبع

اترك رد