روايات

رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم سارة علي

رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم سارة علي

رواية حبيسة قلبه المظلم البارت الرابع والعشرون

رواية حبيسة قلبه المظلم الجزء الرابع والعشرون

حبيسة قلبه المظلم
حبيسة قلبه المظلم

رواية حبيسة قلبه المظلم الحلقة الرابعة والعشرون

كانت تشعر بصدق كلماته ..
نظراته بدت وكأنها تحتضن جسدها بالكامل ونبرة صوته مثقلة بالكثير من المشاعر ..
ومن بين كل هذا لمحت الرجاء الخالص في عينيه ..
رجاء خالص بأن تقبل طلبه وترتدي خاتمه ..
انخفضت ببصرها نحو الخاتم الماسي بتلك الماسة الرقيقة التي تزينه فشعرت بقلبها ينبض بقوة لا إراديا ..
كان هذا الخاتم هو ما سيربطها رسميا به وما إن تضعه في إصبعها حتى تصبح خطيبته …
في يوم ما عندما أحبته في صمت لم تتوقع أن يحدث شيئا كهذا لكن اليوم حدث ما ظنته مستحيلا وهاهو نديم الخولي بشحمه ولحمه يقف أمام ويعرض عليها الزواج وكأنه لم يفعل ذلك مسبقا ..
بلى فعلها ولكن هذه المرة كانت مختلفة ..
هذه المرة شعرت بشيء مختلف ..
ربما الاجواء حولها منحتها ذلك الشعور او ربما نديم نفسه تغير عن ذلك الذي عرض عليها الزواج مسبقا ..
ليست متأكدة مما تشعره ولكن هناك شعور قوي داخلي إن هذا الرجل الواقف أمامها والذي يطلب منها بصدق خالص أن تقبل وترتدي خاتمة كان يحمل مشاعرا جديدة نحوها …
لم تكن تريد التصديق او تمنح نفسها آملا كاذبا فهي تدرك إن الطريق طويل أمامه وربما نهايته لن تكون لصالحها ولكنها تمتلك من الأمل والرغبة الكثير ..
هي ترغب في خوض التجربة والدخول في حرب شرسة تعرف حق المعرفة إنها حرب طويلة وصعبة لكن ما تحارب لأجله وما ستناله إن ربحت هذه الحرب مغريا للغاية … هي ستكسب قلبه وهذا سيكون أعظم إنتصاراتها ..
رفعت عيناها أخيرا تنظر الى عينيه الزرقاوين بمشاعر مختلطة وتوتر ملحوظ سرعان ما قررت ان تضعه جانبا بل وتمحي كافة تلك المشاعر المضطربة المسيطرة عليها وشعور واحد فقط ستسمح له أن يحتلها اليوم .. شعور السعادة لا غير ..
” انا موافقة ..”
همست بها أخيرا بصوت خافت لكنه ثابت وكأنها تدرك جيدا ما تقوله وما سيتبعه …
أخذت نفسا عميقا بعدما أعلنت موافقتها لتتأمل تلك الإبتسامة الرائعة التي ظهرت على وجهه فمنحته وسامة أضعاف وسامته لتنتبه الى أنامله التي قبضت على كفه حيث وضع ذلك الخاتم في إصبعها لتتأمله بقلب خافق ورعشة لذيذة سيطرة عليها كونها ترتدي خاتم الرجل الوحيد الذي أحبته وتمنته بحق .

كانت تقف أمام مرآة الحمام تمسح مكياجها من فوق وجهها بعناية عندما شعرت بأحدهم يقتحم غرفتها قبل أن تقترب خطواته السريعة من الحمام فأدركت دون الحاجة الى التفكير إنها مريم ..
ولإن نصف باب الحمام كان مفتوح اساسا دلفت مريم إليها تتأملها وهي تقف بروبها الستان القصير ترفع شعرها عاليا بينما تزيل مكياجها بنعومة وبطأ كما اعتادت ..
اندفعت مريم تهتف بصوت يحمل الغضب داخل طياته :-
” ماذا كنت تفعلين مع ذلك الحقير ..؟!”
ردت ليلى ببرود وهي مستمرة في ازالة مكياجها :-
” إلقي التحية اولا على الاقل …”
تقدمت مريم أكثر نحوها حتى وقفت جانبها تهتف بنفس الاندفاع :-
” أنا لا أصدق ما تفعلينه … هل تريدين العودة إليه لإغاضة نديم ..؟! هل حقا ستعودين الى الرجل الذي دمر حياتك وكنت ستموتين بسببه ايضا ..؟!”
توقفت ليلى عما تفعله وإستدارت نحوها تخبرها بصوت هادئ لكن حازم :-
” لا تتحدثي عن شيء لا وجود له .. انت تخترعين أحداثا لا أحد تحدث عنها أساسا .. الأمر وما فيه إن عمار لا يريد الطلاق الآن وانا سأمحنه الوقت الكافي حتى يقرر تطليقي ..”
” ولم تفعلين ذلك ..؟! ما الغاية من كل هذا ..؟! لمَ تراجعت عن دعوة الطلاق أساسا ..؟! دعيني أفهم على الأقل ..”
ضغطت ليلى على طرف المغسلة بكفيها بعدما إستدارت تنظر الى المرآة مجددا تمنع نفسها من قول شيء ما وهي تفكر إن مريم لن تستوعب أسبابها وخاصة السبب الحقيقي لتقربها من عمار هذه الفترة ..
مريم ستعلم الحقيقة يوما ما لكن ليس الآن فهي قد تخرب كافة مخططاتها بإنفعالها وتصرفاتها الغير محسوبة …
إلتفتت مجددا نحوها بعدما سيطرت على أعصابها وقالت بجدية :-
” يا مريم افهميني … الأمر لا يتعلق بنديم وأنا لم أتراجع عن دعوة الطلاق لأجل إغاظته أو إزعاجه .. انتِ تعملين جيدا إنني لست بتلك العقلية الصغيرة … ”
عقدت مريم ذراعيها أمام صدرها تسألها بنفاذ صبر :-
” اذا ماذا يحدث ..؟! لمَ تراجعت عن قرار الطلاق ..؟! ولا تخبريني إنك تمنحينه الفرصة ليطلقك وقت ما يشاء … انتِ لستِ متسامحة الى هذه الدرجة يا ليلى …”
زفرت ليلى أنفاسها بقوة ثم تحدثت بتأني :-
” مريم عزيزتي .. انا ايضا لدي أسبابي … لكن لا أستطيع البوح بها الآن ..”
أضافت وهي تربت على جانب وجهها برقة :-
” امنحيني الوقت الكافي وسأخبرك بكل شيء …”
أضافت محاولة تغيير الموضوع :-
” لكن أخبريني ، كيف حالك انتِ..؟! وأين كنت الليلة ..؟!”
ردت مريم وقد ظهر الحزن على ملامحها :-
” كنت مع أصدقائي .. تناولنا العشاء في مطعم راقي ثم ذهبنا بعدها الى احد المقاهي لتناول شيئا باردا ..”
” ولماذا تبدين تعيسة الى هذا الحد ..؟!”
سألتها ليلى بقلق لتتجمع الدموع داخل عيني مريم وهي تهتف بصوت مختنق :-
” أكرم ، سافر الى والده وسيبقى هناك لمدة غير معلومة … ”
تنفست ليلى بعمق ثم سألتها :-
” ألم تتركيه انتِ ..؟! ألم تختاري إنهاء علاقتهما ..؟! أنا لا أفهم حتى الآن أسباب تصرفك هذا وانت وعدتني إنك ستتحدثين لكنكِ لم تفعلِ ..”
صاحت مريم وقد هطلت دموعها رغما عنها :-
” ربما لإنك لم تسألي مجددا ..”
تراجعت ليلى الى الخلف لا إراديا عندما أخذت مريم تمسح دموعها بسرعة لتهمس بتردد :-
” مريم ..”
توقفت مريم عن إزالة دموعها وأكملت بصوت عالي قليلا متألم :-
” أنتِ لم تسألي مجددا يا ليلى ولم تلاحظي حتى مدى حزني لما يحدث .. اكتفيت بذلك السؤال ثم ابتعدتِ تماما بعدها .. انا حتى أصبحت لا أراكِ سوى مرات قليلة خلال اليوم حيث تكتفين بإلقاء التحية يتبعها سؤال عابر عن احوالي .. انت حتى لا تجتمعين معنا على طاولة الطعام …”
لم تعرف ليلى ماذا تقول وشعرت رغما عنها إنها مذنبة ..
نعم هي وحدها من تعرف سبب إنشغالها عن الجميع ومدى المشاكل المحيطة بها ولكن مريم لا تعرف وبالتالي يحق لها محاسبتها وهي بدورها تحاسب نفسها لإنها أهملتها …
مريم لطالما كانت قريبة منها بل إن علاقتهما متينة للغاية وأوقات كثير كانت تعتبر ليلى أمها الثانية حيث نشأت ليلى بين رعاية أثنتين .. والدتها من جهة وأختها الكبرى التي تكبرها بسبعة اعوام تقريبا مما جعلها مدللة العائلة حرفيا خاصة ليلى التي لطالما دللتها كثيرا وكانت تهتم بها كثيرا …
هي تتفهم سبب تصرفاتها ولا تلومها بل تلوم نفسها لإن رغم كل شيء كان عليها أن تنتبه على أختها التي دوما ما كانت تحتاجها …
” انا اسفة ..”
قالتها ليلى بصوت خرج منخفض لترفع نبرة صوتها وهي تقترب منها وتحتضنها بخفة :-
” انا اسفة حقا يا مريم .. لقد إنشغلت عنكِ تماما تلك الفترة … ”
قاطعتها مريم بسرعة وهي تمسح عينيها بأطراف أناملها بعدما ابتعدت قليلا عنها :-
” لا عليكِ .. انا أتفهم أسبابك … انت مررت بالكثير ولا ألومك على تباعدك .. ”
ردت ليلى معترضة :-
” بل يحق لكِ أن تلوميني … لم يكن علي الإنشغال عنك مهما حدث …”
رفعت مريم عينيها الدامعة نحوها مجددا تهمس بحرقة :-
” انا متعبة للغاية يا ليلى … أشعر بالإختناق من كل شيء … أشعر إنني وحيدة للغاية وخائفة ..”
قاطعتها ليلى بسرعة وهي تحتويها بين ذراعيها :-
“حبيبتي انتِ لست وحيدة ابدا .. انا هنا معك … ”
أضافت وهي تتأمل ضعف أختها الذي نادرا ما يظهر عليها :-
” أخبريني حبيبتي .. مالذي يخيفك ..؟! غياب أكرم لا يستحق كل هذا الألم .. أكرم يحبك وانت تدركين ذلك جيدا وبدورك تحبينه وبالتأكيد ستتوصلان لحل ما .. ”
أضافت وهي تمسح آثار دموعها بأناملها :-
” وحتى لو لم تستطيعا حل مشاكلكما لا سامح الله .. هذه ليست نهاية العالم ..”
أضافت وهي تشير لنفسها مبتسمة :-
” انظري الي .. خسرت حب حياتي بل حب طفولتي وصباي وها انا اقف أمامك وأتحدث ببساطة معك و ..”
قاطعتها مريم :-
” ولكنك تتألمين من الداخل ..أليس كذلك ..؟!”
ابتسمت ليلى بحزن وردت :-
” ألم الحب لا ينتهي .. لكن ليس من العدل أن نسمح له بالسيطرة علينا دائما وأبدا .. الحياة لا تقتصر على العشق فقط .. بها جوانب أخرى علينا الإهتمام بها … نعم انا أتألم وربما سأظل أتألم طوال حياتي لكنني لن أسمح لهذا الألم أن يوقف حياتي كليا … سأعيش حياتي وأهتم بنفسي ومستقبلي وألمي سأضعه جانبا وسأتعامل معه بطبيعية عندما يزورني بين فترة وأخرى … انا حتى لن أضغط على نفسي كي أنساه بل سأعيش ألمي كما ينبغي لكن دون أن أخسر سنوات جديدة من حياتي بسبب هذا الألم ..”
” نديم لا يستحقك ..”
قالتها مريم بنبرة قوية قبل أن تضيف :-
” وانتِ تستحقين رجلا افضل منه … انتِ رائعة يا ليلى وانا واثقة إن هناك رجل في هذا العالم سيحبك كما ينبغي ويداوي جروحك بأكملها ..”
تحشرجت أنفاس ليلى لا إراديا وشعرت بالدموع تتكوم داخل عينيها لكنها سيطرت عليها بسرعة وهي تأخذ أنفاسها بعمق قبل أن تجذب مريم نحوها تعانقها بشدة وهي تهمس لها :-
” الليلة ستبيتين معي .. سننام سويا بعدما نتحدث كثيرا كما كنا نفعل دائما ..”

في صباح اليوم التالي ..
وقفت على مقربة منها تتأملها وهي تضع اللمسات الأخيرة فوق وجهها وقد بدت في كامل أناقتها رغم بساطة ملابسها التي تناسب المكان الذي ستذهب إليه ..
” انا لا أفهم .. طالما سترفضين العريس ، لماذا ستقابليه من الأساس ..؟!”
سألت نانسي أختها بإستغراب حقيقي لترد هايدي والتي حملت زجاجة العطر خاصتها ترش الكثير منه فوق رقبتها بل والجزء العلوي من نحرها :-
” لإن ماما من تريد ذلك .. وانا لن أرفض مقابلته … سأقابله وأتصرف بشكل طبيعي وعندما أعود سأخبرها إنه لم يعجبني ..”
” ما الفرق اذا ..؟! أخبريها من الآن إنك لا تريدينه ..؟!”
هتفت نانسي بها بإستغراب لترد هايدي بمكر :-
” لإن مامي تراه عريسا رائعا وبالتالي لن تتقبل رفضي له دون سبب وجيه والأسوء من ذلك دون أن أراه حتى .. لذا أنا سأذهب معها بكل وداعة وأتصرف بكل لياقة ممكنة وعندما أعود سأخترع سببا للرفض .. سأقول مثلا إنه منحرف .. ينظر لي بطريقة فجة او ربما سأخبرها إنه تحدث معي ببعض الكلمات الوقحة عندما إنفرد بي لوحدي ..”
” يا لكِ من ماكرة ..”
قالتها نانسي بعدم تصديق لتغمز لها هايدي وهي ترد :-
” تعلمي مني يا فتاة .. ”
شمخت نانسي برأسها وهي تهتف بجدية :-
” لا شأن لكِ بي .. انا لا أحتاج للتعلم منك او من غيرك ..”
هتفت هايدي وهي تقف أمامها بعدما إنتهت من ترتيب هندامها للمرة الأخيرة :-
” بل انتِ أكثر من يحتاج .. ألا يكفي تصرفاتكِ وتعلقك بخريج السجون ذاك ..؟!”
” لا تنعتيه بخريج السجون ..”
قالتها نانسي بحدة لتكرر هايدي ما قالته :-
” بل هو كذلك .. خريج سجون شئت أم أبيت … تعقلي يا نانسي … لا تجعلي والدتي تستمر في معاقبتك …”
ضحكت نانسي وقالت :-
” هل تظنين إنني أهتم حقا .. ؟! دعيها تعاقبني كما تشاء .. هي تظن إنها تستطيع منعي من الخروج من المنزل حقا لكنها لا تعلم إنني باقية هنا ولا أخرج من المنزل بمزاجي وليس بسبب عقوبتها المزعومة ..”
” ولماذا لا تريدين الخروج من المنزل ..؟!”
سألتها هايدي بتعجب لترد نانسي بفتور :-
” ليس من شأنك ..”
قالت هايدي بجدية محاولة أن تثني أختها عن أفكارها المجنونة :-
” يا نانسي افهمينا بالله عليك .. ذلك الشاب لا يناسبك اطلاقا .. انتِ فتاة جميلة وثرية ومن عائلة كبيرة ذات اسم معروف في الأوساط الراقية ونديم ذاك خريج سجون ومستقبله مجهول ..”
أضافت وهي تربت على وجنتيها وكأنها تتحدث مع طفلة صغيرة :-
” انتِ يمكنكِ ان تتزوجي رجلا مثاليا .. رجلا لا عيب فيه .. ”
قاطعتها نانسي بتهكم :-
” تركت الرجل المثالي والخالي من العيوب لك ..”
أضافت وعيناها تلمعان بخبث :-
” لكن أخبريني يا أختي الصغيرة … ما أخبار أثير الهاشمي ..؟! لم أسمعك تتحدثين عنه منذ مدة ..؟!”
قاطعتها هايدي بضيق خفي :-
” ما باله أثير ..؟! هو في الخارج كالعادة … ”
قاطعتها نانسي بدورها تتسائل بنبرة ذات مغزى :-
” أتحدث عن علاقتكما ..؟! ألا ينوي التقدم لخطبتك ..؟!”
” نانسي ، انا أفهم جيدا ما سبب كلامك هذا وأستطيع ملاحظة الخبث بين طيات سؤالك ..”
قالتها هايدي بقوة ثم اضافت :-
” سأخبرك ما تتوقين لسماعه .. لقد إنفصلنا عزيزتي .. وقبل أن تسألي عن الأسباب .. تبين لي إنه شخص عابث لا ينوي الإستقرار وانا لا أميل للعبث بل أبحث عن الإستقرار مع رجل مناسب يحمل كل ما أريده من صفات في زوجي المستقبلي …”
سألتها نانسي بسرعة :-
” اذا لماذا ترفضين هذا العريس رغم إنه عريس ممتاز من جميع النواحي بشهادة والدتي ..؟!”
منحتها هايدي إبتسامة ذات مغزى لتهتف نانسي بعدم تصديق :-
” انتِ لا تفكرين به بالطبع ، أليس كذلك ..؟!”
حركت هايدي كتفيها وهي تقول ببساطة :-
” ولم لا ..؟! ابن عمي وأنا أحق به من غيري ..”
قالت نانسي بسرعة :-
” ولكن هذا مستحيل .. ”
ردت هايدي بجدية :-
” ومالذي سيجعله مستحيلا ان شاءالله ..؟! ”
أجابتها نانسي بهدوء :-
” لإنه لم يفكر بكِ يوما بل لم ينظر لكِ من الأساس ..”
أضافت وهي تجعد أنفها بنفور :-
” كما إنه مغرور وفظ للغاية … لا أفهم كيف تفكرين به كزوج …”
قالت هايدي ببساطة :-
” ثراءه ووسامته بل مكانته العلمية والإجتماعية تجعلني أفكر به بل وأسعى لنيله بأي طريقة .. نضال شاب يحمل كل المواصفات التي أحلم بها .. شاب رائع .. وسيم جدا جدا وثري جدا جدا ويعيش في كندا …”
” ومغرور ومتكبر لأقصى حد ..”
قالتها نانسي بإزدراء فقالت هايدي بسعادة :-
” وهذا أروع ما فيه .. غروره الصريح يمنحه جاذبية خاصة .. انه يمتلك كل المواصفات التي أحلم بها ..”
” نفس الشي كنت تقولينه عن أثير .. مع تفوق أثير على نضال بالطبع .. فالأخير ليس ابن وزير وخاله ذو منصب كبير في الدولة كإبن الهاشمي ..”
قالت هايدي من بين أسنانها :-
” أخبرتكِ إن أثير لا يفكر بالإستقرار .. هو أساسا لا يدخل في علاقة جدية وانا بدوري لن أضيع وقتي معه .. ثانيا ما بالك تتحدثين عني وكأنني كنت مغرمة به ..؟! انت تدركين إن تعرفت عليه بسبب مركزه الاجتماعي وثراءه …”
” وبما إنه خالف جميع توقعاتك بل طموحاتك قررت أن تنتقلين الى نضال لإنه من وجهة نظرك أفضل الموجودين حاليا …”
قالت هايدي بجدية :-
” وما المشكلة في ذلك ..؟! ما المشكلة إنني أبحث عن زوجا يناسب تطلعاتي يا نانسي ..؟! من حقي أن أختار شريك حياتي كما أحب .. من حقي أن أتزوج بالرجل الذي أريده خاصة إنني أمتلك جميع المواصفات المناسبة .. انا لا أنظر لمن هم أعلى مني يا نانسي لذا ما أفعله طبيعيا ومنطقيا فكما أنا جميلة وثرية ومتعلمة أفضل تعليم يحق لي البحث عن زوج يماثلني في كل شيء ..”
” لا تفكري في نضال يا هايدي .. والدتك لا تطيق أي شخص من عائلة والدك وخاصة عمك أشرف أم نسيت ما فعلته عندما شعرت بإهتمام أخيك بحنين ابنة عمك .. لقد تقصدت أن ترسله ليدرس في أمريكا خصيصا كي تبعده عن هنا .. تخشى أن يتعلق حقا بحنين فهي لا تطيق عائلة عمك ..”
هتفت هايدي بسرعة :-
” لا تطيق حنين لإنها لا تطيق أحلام زوجة عمك .. لكن نضال وضعه مختلف .. هو ليس ابن احلام بل إن والدته من عائلة لا تقل رقيا عن عائلتنا .. على العموم أنتِ اطمئني فأنا أستطيع ترتيب كافة الأمور ..”
” تتحدثين وكأن نضال هو الآخر يفكر بك بل سيخطبك قريبا ..”
قالتها نانسي ضاحكة لترد هايدي بيقين :-
” سيفعل ، كوني واثقة من ذلك ..”
أضافت بثقة :-
” سيخطبني وقريبا ايضا ..”
” إذا ستبدئين بالتقرب منه بل وتحاولين جذبه نحوك ايضا ..”
قالتها نانسي بتهكم لتهتف هايدي بلا مبالاة :-
” ولم لا ..؟!”
أضافت وهي ترفع رأسها عاليا بنبرة قوية :-
” انا عندما أضع رجلا في بالي لا أبق واقفة مكاني وأنتظره أن ينتبه إلي وينجذب نحوي .. انا عندما أريد رجلا معينا أذهب بنفسي إليه ولا أتركه حتى يصبح مولعا بي ويسعى بنفسه للزواج مني ..”
صدح صوت والدتهما وهي تنادي هايدي فسارعت تحمل حقيبتها قبل أن تتحرك نحو باب الغرفة مودعة أختها التي وقفت مكانها تفكر في كلمات أختها ويقينها بقدرتها على نيل الرجل الذي تريده ..!!

ألقى نضال تحية الصباح بفتور ثم جلس على طاولة الطعام يتناول فطوره بصمت تقابله أحلام التي تقلب طعامها بشرود بجانبها حنين التي أخذت تنقل بصرها بين والدها ونضال قبل أن تهتف أخيرا :-
” خطبة حياة يوم السبت القادم ..”
توقف نضال عن تحريك شوكته بينما نظر إليها والدها بصمت إمتد للحظات قبل أن يتجه ببصره نحو زوجته حيث سألها بهدوء :-
“‘متى أخبرتك بذلك ..؟!”
ردت أحلام بفتور :-
” أخبرت حنين صباحا وطلبت منها إخباري ..”
قالت حنين بسرعة مبررة :-
” هي تحدثت معي باكرا عندما وجدتني متصلة على تطبيق الرسائل وأخبرتني بذلك .. ستتصل بماما أكيد وتدعوها بنفسها ..”
هتفت أحلام بإستنكار :-
” تدعوني ..؟! تتحدثين وكأنني إمرأة غريبة ولست والدتها …”
قالت حنين بخفوت :-
” لم أقصد بالطبع ولكن ..”
قاطعتها أحلام وهي تنهض من مكانها بعصبية :-
” لا يهم .. لا داعي للتبرير فأنا أعلم جيدا إنها لا تتعامل معي كأم من المفترض أن تعلم بشيء كهذا قبل الجميع بل تشاركها اتخاذ قرارها أيضا ..”
اندفعت أحلام بسرعة متجهة نحو الطابق العلوي حيث غرفتها ليشير أشرف الى حنين :-
” اذهبي خلفها يا حنين وحاولي تهدئتها ..”
هزت حنين رأسها بطاعة ثم نهضت من مكانها بسرعة تتجه خلف والدتها بينما إلتفت أشرف نحو ابنه يتأمل جموده الواضح ليهتف بجدية :-
” ما بالك يا نضال ..؟! هل هناك مشكلة ما يا بني ..؟!”
أفاق نضال من شروده على صوت والده ليهز رأسه بسرعة نفيا وهو يجيب :-
” كلا ، ليس هناك شيئا مهما ..”
أضاف وهو ينوي النهوض :-
” يجب أن أذهب لرؤية ..”
لكن والده قاطعه بسرعة :-
” انتظر يا نضال .. اريد التحدث معك ..”
توقف نضال عن النهوض وهو يتطلع الى والده بإهتمام عندما فوجئ بوالده يسأله :-
” بما إنك قاربت على الثلاثين عاما .. ألا تفكر بالزواج والإستقرار ..؟!”
رد نضال بصوت لا يخلو من التهكم :-
” لماذا تسأل ..؟! هل لديك عروس لي ..؟!”
رد أشرف بسرعة :-
” ولم لا ..؟! هناك الكثير من البنات الجميلات المحترمات حولنا ..”
قال نضال بصوت ثابت :-
” انا سأختار زوجتي بنفسي ..”
سأله أشرف بإهتمام مقصود :-
” هل هناك واحدة محددة ..؟!”
صمت نضال ولم يرد فإبتسم والده وقال :-
” أخبرني يا نضال .. اذا كانت هناك فتاة معينة ..”
قاطعه نضال :-
” نعم هناك ولكن الظروف لا تسمح الآن بأن أتقدم لخطبتها ..”
أضاف بنبرة باردة :-
” لإنها ستخطب لآخر ولأكن صريحا فأنا أتحدث عن حياة وانت بدورك عليك ان تتحدث بصراحة لإنني أعلم جيدا إن حنين أخبرتك بما يحدث ..”
ابتسم أشرف بهدوء ورد :-
” نعم أخبرتني .. لا أنكر ذلك ..”
قال نضال بسخرية :-
” لماذا تراوغ بالحديث اذا ..؟! لماذا لم تتحدث بصراحة عن الأمر ..؟!”
رد أشرف بجدية :-
” لإنه ليس هناك ما نتحدث عنه .. حياة سترتبط بآخر رسميا بعد يومين .. لذا فالأمر منتهي ..”
” كيف يعني منتهي ..؟!”
سأله نضال بغضب مكتوم ليرد والده بتعقل :-
” يعني الأمر منتهي يا نضال .. الفتاة ستتزوج آخر وانت عليك أن تنسى أي شيء فكرت به بخصوصها …”
” حتى لو أخبرتك إنني أحبها ..”
هتف به بجدية :-
” وهي مرتبطة بآخر .. تحبه وستتزوجه ..”
قاطعه بحدة :-
” لكنه لا يناسبها .. ولا يحبها ..”
أضاف وعينيه تلمعان بشراسة :-
” انا من يحبها .. وأنا من يناسبها من جميع النواحي … انا من يستحقها أما الآخر فلا يستحقها أبدا ..”
هدر به والده بقوة :-
” كفى يا نضال .. هذا الأمر منتهي .. هي اختارت وعليك أن تتقبل خيارها .. لا تضع نفسك في وضع كهذا ولا تقارن نفسك به لإنها لن تختارك عليه لمجرد كونك أفضل منه بكثير ..”
انتفض نضال من مكانه يضرب الطاولة بيديه مرددا بقوة :-
” ذلك الذي تتحدث عنه بالفعل لا يحبها وهي كالغبية تتعلق به دون وعي بل تسمح له بإستغلال مشاعرها النقية ..”
نهض أشرف بدوره مرددا بعدم تصديق :-
” ما شأنك انت ..؟! حياة ليست صغيرة وليست غبية .. أكاد أجزم إنها أذكى من أن تسمح لأي شخص بإستغلالها او إستغلال مشاعرها … لقد تحدثت معها أكثر من مرة وإستطعت أن أدرك مدى ذكائها ونباهتها بوضوح .. ”
” لكنها تصبح كالبلهاء أمامه ..”
قالها نضال بسخرية ليهتف أشرف بجدية :-
” هذا ما تتخيله انت … انت وحدك من ترى هذا لإن غرورك لا يستوعب إنها إختارته بكامل قناعتها وليس بناء على مشاعرها فقط .. لذا سأخبرك مجددا اترك الفتاة وشأنها ولا تنسى إنها ابنة زوجتي أيضا .. عليك إحترام هذه القرابة يا نضال وعدم نسيانها مهما حدث ..”
” طالما هي ابنة زوجتك وتهمك الى هذا الحد فلماذا ترميها الى شاب كهذا ..؟!”
قال أشرف بنفاذ صبر :-
” ما به الشاب ..؟! انا لا أراه سيئا الى هذا الحد ..؟! سجن لسنوات بقضية ممنوعات .. حسنا ربما يكون بريء … وحتى لو لم يكن كذلك .. ربما قرر التوبة .. هل علينا أن نقيم عليه الحد فقط لإنه أخطأ مرة ..؟! هل سنقضي عمرنا بأكمله نحاسبه على غلطة ..؟! لا يوجد أحد معصوم من الخطأ وهذا الشاب ربما سيتعلم من خطأه ويغير من نفسه ويصبح شخصا أفضل بمراحل مما كان عليه هذا اذا كان مذنبا من الأساس …”
” ما بالك تدافع عنه هكذا ..؟!”
هدر نضال بعصبية ليرد أشرف بهدوء يشوبه البرود :-
” أنا فقط أقول الحقيقة وأعطي الشاب حقه ولا أحاول التقليل منه كما تفعل انت لمجرد خطأ حدث وانتهى .. هو اخطأ وأخذ عقوبته كاملة وانتهى الامر …”
أضاف وهو يتأمل عيني ابنه المشتعلتين :-
” هل أحببت من قبل يا نضال ..؟!”
تجمدت ملامح نضال مجددا حتى باتت تشبه تمثال صخري لا روح فيه بينما خفت شعلة عينيه وظهرت بها لمحة حزن خفيفة …
لم يجبه بل ظل في نفس وضعيته وملامحه ما زالت جامدة ولمحة الألم بعينيه تبدلت الى لمحة أخرى مختلفة .. لمحة حنين شعر به والده الذي أضاف بحنو :-
” أخبرني يا بني .. جمودك هذا وصمتك الغريب يؤكد إنك مررت بقصة حب …”
قاطعه نضال وهو يعتصر قبضة كفه بقوة :-
” كانت قصة وانتهت .. ”
سأله والده بحذر :-
” هل ما زلت تحمل مشاعرا نحوها ..؟!”
أخفض نضال أنظاره للحظات قبل أن يرفع مجددا فينصدم والده من عينيه اللتين بدتا حمراوين للغاية بشكل مخيف ..
” أخبرتك إنها قصة وانتهت ..”
” وانا أسألك عن مشاعرك …”
هتف بها والده بإصرار ليهتف نضال بصوت مرير :-
” لم يعد هناك فرق … وجود مشاعري من عدمها لن يغير شيء ..”
” لماذا ..”
سأله والده بدهشة ليهمس نضال بصوت خافت بدا كالنار اللاذعة :-
” لإنها ماتت …”
والصدمة هذه المرة كانت من نصيب والده ..

” مهند استيقظ …”
هدرت بها منفعلة وهي تهزه بعنف لينتفض من مكانه متسائلا بعصبية وهو يفرك عينيه :-
” ماذا هناك يا تقى ..؟! لم كل هذه الجلبة ..؟!”
” لقد تزوجتها اذا ..؟!”
قالتها وهي ترمي ورقة الزواج أمامه ليزفر أنفاسه بتعب وهو ينظر الى الورقة للحظات فيجد اسمه مقترنا بجانب اسم ابنة عمه التي لا يعرف عنها شيئا سوى اسمها و ..
توقف عن افكاره وهو يسمعها تصرخ بصوت جهوري :-
” تزوجت منذ يومين وانا لا علم لدي .. لولا إنني وجدت عقد الزواج في جيبك بالصدفة البحتة لما كنت أدرك ..”
انتفض من فوق سريره أخيرا وقد بلغ غضبه منها ذروته فظهر جسده الشبه عاري والذي لا يغطيه سوى شورت قصير كعادته عندما ينام فهو يتخلص من جميع ملابسه مكتفيا بإرتداء شورت قصير للغاية ..
” ما بالك تصرخين كالمجنونة هكذا ..؟! هذا كله لإنني نسيت إخبارك … هل يستحق أمر كهذا كل هذا الغضب ..؟؟”
أردف بنفس العصبية المخيفة فهو عندما يغضب لا يرى أمامه وهي تعلم هذا جيدا :-
” ثانيا ما بالك تتحدثين وكأنك لا تعلمين بأمر الزيجة من الأساس ..؟! تتصرفين كالمصدومة وكأنكِ لم تكوني على علم بكل شيء وتوافقي ايضا ..”
هتفت بصوت حاولت جعله هادئا وهي ترى ملامحه التي أصبحت مخيفة للغاية :-
” من حقي أن أغضب .. كونك أخبرتني بالأمر شيء وتنفيذه شيء آخر … كان عليك أن تخبرني بتنفيذك للقرار وزواجك منها ..”
هتف بعدم اهتمام :-
” وها قد علمتِ ، ماذا ستفعلين الآن ..؟!”
ردت بملامح متحسرة :-
” لن أفعل شيئا .. زوجي تزوج بأخرى وانا يجب أن أكون راضية .. هكذا فقط لا غير ..”
تنهد بإرهاق ثم قال وقد خفت عصبيته قليلا :-
” تقى انت تعلمين ظروف هذه الزيجة … لا داعي لكل هذه الدراما ..”
قالت بسرعة :-
” أغار .. أغار عليك بجنون .. أغار من فكرة أن تصبح أخرى غيري على ذمتك وتحمل اسمك … أغار يا مهند ولا أحتمل فكرة وجود أخرى في حياتك حتى لو كان هذا لأجلنا ولأجل إستقرار حياتنا ..”
هتف بسخرية :-
” مم ستغارين بالله عليك ..؟! إنها فتاة صغيرة لا تهمني بشيء … ربما لو كانت شابة جميلة سأتفهم خوفك وأستوعبه .. لكنها مجرد مراهقة ارتبط اسمها بي لسبب محدد … ”
” تظل في النهاية فتاة … ”
قالتها بتبرم قبل أن تضيف بضيق :-
” يكفي المقدم والمؤخر الذي كتبته لها .. رقم خيالي يا مهند … ”
قاطعها وهو يتجه نحو الحمام :-
” راغب من كتب هذا الرقم لست انا …”
” يبدو إن راغب سعيد جدا بعروسك .. طبعا فهي ابنة عمكم وتلائمكم … ”
قالتها بسخرية مريرة ليهتف وهو يغسل وجهه بالمياه الباردة :-
” راغب يتصرف ذلك لإنها فتاة صغيرة ويتيمة .. كما إنه يريد تعزيز قيمتها ورفع مقدراها بين الجميع .. لا تنسي إنها يتيمة الأب والأم .. انت تعرفين راغب كيف يفكر ويتصرف .. هو يعتبر نفسه مسؤول عن الجميع كونه الأكبر بيننا …”
” نعم ، هو كذلك ..، بالطبع أعلم مثلما أعلم إنه السبب الأساسي لتخريب أمر زواجنا فهو لم يقبل بي ابدا …”
التفت مهند نحوها وقال بعدما انتهى من تجفيف وجهه بالمنشفة :-
” ولن يقبل .. ولا أحد من عائلتي سيقبل .. لذا انا أفعل كل هذا .. كي نسافر بعيدا ويكون لدينا حياتنا الخاصة … ”
قاطعته بحنق :-
” انت لا تفعل هذا من أجلي فقط .. بل تفعله لأجلك أيضا .. فأنت دائما ما كنت ترغب بالتحرر من قيود عائلتك وتحكماتهم ..”
” ولإجلي أيضا يا تقى .. انا اساسا لا أهتم سوى بنفسي وأفعل كل هذا لأجلي .. هل يرضيك هذا الآن ..؟!”
قالها بنفاذ صبر وهو يندفع خارج الحمام لتتبعه وهي تردد بسرعة :-
” انا لا أقصد .. لا أفهم لماذا تتعصب علي هكذا …؟!”
التفتت نحوها بملامح محتدة يزجرها بقوة :-
” لإنكِ من تدفعينني لذلك .. ألا يكفي الطريقة التي أيقظتني بها …؟! ”
” كنت غاضبة و..”
قاطعها بضيق :-
” لا يهمني كل هذا .. انظري الي يا تقى .. انا لدي ما يكفيني من المشاكل .. وفوق كل هذا جاءت تلك الزيجة التي زادت من مشاكلي .. لا ينقصني تصرفاتك المجنونة وغضبك الغير مبرر .. انا بي ما يكفيني ولا أحتاج لما يرهقني أكثر ..”
تقدمت نحوه تحيط رقبته بذراعيها تطبع قبلة على وجنته وهي تقول :-
” اسفة حبيبي .. انا لا أريد إغضابك حقا .. أعدك إنني سأنتبه لتصرفاتي أكثر بعد الآن وأسيطر على غضبي .. فقط لا تتضايق مني .. ”
أضافت وهي تلقي نفسها بين أحضانه :-
” انا احبك يا مهند … احبك واريد راحتك وسعادتك ..”
ربت على ظهرها بخفة قائلا :-
” حسنا يا تقى .. انا أتفهم غيرتك في كثير من الاوقات لكن حقا في بعض الاوقات تصبح غيرتك مزعجة حقا وتصبحين لا تطاقين ..”
شعر بتشنجها بين أحضانه فأضاف بجدية :-
” حاولي السيطرة على غيرتك هذه يا تقى فأنا لست صبورا ابدا وانت اكثر من يعلم ذلك ..”
هزت رأسها موافقة وهي بين أحضانها عندما أبعدها عنه قليلا مرددا بجدية :-
” سأغير ملابسي وأذهب لرؤية سليم …”
اتجه بعدها نحو خزانته ليخرج ملابسا مناسبة له عندما سمعها تسأله بصوت جاهدت ليخرج عاديا :-
” هل رأيتها ..؟! أقصد العروس ..”
كز على اسنانه بقوة وهو يشعر بصبره يتضائل تدريجيا ليجذب ملابسه ويتجه نحو الحمام لتغييرها دون أن يجيبها على سؤالها ..

كانت تجلس على سريرها تنحني بجذعها نحو تلك الورقة البيضاء حيث ترسم عليها احدى الشخصيات الكرتونية التي كانت تحبها منذ الطفولة ..
عادت بذاكرتها الى الخلف عندما كانت طفلة صغيرة تعشق افلام الكرتون وخاصة تلك الافلام المتعلقة بأميرات ديزني …
كانت تحب قصة بياض الثلج تحديدا وتحب أن تعيد فيلم الكرتون الخاص بها حتى إنها أخبرت والدتها ذات مرة إنها تريد أن تصبح مثل ” سنو وايت ” وتعيش قصة مماثلة للغاية ..
تذكرت إبتسامة والدتها وربتتها الحانية فوق شعرها الطويل عندما أخبرتها إنها تفضل أن تصبح كالأميرة بيل بطلة قصة الجميلة والوحش وعندما سألتها لماذا بيل تحديدا فهي ترى سنو وايت أجمل منها أجابتها والدتها بجملة ما زالت عالقة في ذهنها رغم مرور سنوات عليها :-
” بيل او بيلا أميرة مختلفة عن بقية الأميرات .. فتاة ذكية وقارئة مثقفة .. كانت شجاعة للغاية والوحيدة من واجهت الوحش دون خوف بل استطاعت أن تحوله الى شخص طيب وحنون … انا لا أريدك أن تكوني كبياض الثلج تنتظرين أميرا ينقذك بقبلة منه .. اريدك تلك الفتاة الشجاعة الذكية القادرة على مواجهة أي شيء وأي شخص مهما بلغت قوته وجبروته ..”
توقفت عما تفعله وشعرت بألم ينتزع روحها من جسدها وهي تتمنى في تلك اللحظة لو كانت حية ..
هي تحتاجها بشدة بل لطالما ما كانت تحتاجها وتريدها وتبكيها دائما خاصة ليلا لكن هذه الفترة تحديدا وبعدما حدثت أصبحت حاجتها لها ملحة لدرجة إنها أصبحت تدعو الله ليلا ونهار أن يأخذها عندها …
توقفت عن أفكارها وهي تسمع صوت طرقات على باب الغرفة يتبعها دخول أخيها الذي أصبح يزورها بإستمرار ..
زياراته ليست قصيرة كما اعتاد مسبقا بل اصبح يقضي معها وقتا جيدا يتحدث معها في أشياء عامة بينما هي تكتفي بإجابات مختصرة …
تقدم نحوها وهو يمنحها إبتسامة هادئة قائلا :-
” كيف حال أميرتي اليوم إذا ..؟!”
” بخير ..”
قالتها بخفوت وهي تتذكر جلسات علاجها مع الطبيبة النفسية .. جلستها الثالثة معها ستكون بعد يومين حيث خضعت لأول جلستين علاج استطاعت تلك الطبيبة أن تحصل منها خلالها على إستجابات لا بأس بها خاصة وإنها لم تتطرق الى مواضيع مؤلمة او حساسة ابدا …
جلس عمار بجانبها على السرير وأخذ يتأمل رسمتها التي لم تكتمل بعد فهتف بجدية :-
” ترسمين اذا ..؟!”
أضاف وهو يحمل الورقة يتأمل الرسمة التي أوشكت على الإكتمال والتي رسمتها جيلان بإتقان فهتف مبهورا :-
” تمتلكين موهبة رائعة يا جيلان ..”
هتفت بصوت مضطرب قريبا :-
” لقد طلبت مني الطبيبة أن أرسم عندما علمت إنني أمتلك موهبة الرسم ..”
هتف بصدق :-
” رسمك رائع .. لم أكن أعلم إنك تمتلكين موهبة الرسم ..؟!”
ردت بخفوت :-
” انا أرسم منذ أن كنت صغيرة لكنك لم تنتبه يوما ..”
سيطر الجمود على ملامحه للحظات قبل أن يخفيه بسرعة وهو يبتسم ويقول :-
” انت موهوبة حقا .. ربما عليك أن تدخلي الى احد معاهد الرسم الراقية لتتعلمي هناك الرسم بشكل أفضل وعلى أسس صحيحة ..”
اكتفت بالصمت كعادتها عندما أطلق هو تنهيدة طويلة ثم قال :-
” جيلان حبيبتي … أريد التحدث معك بشيء مهم ..”
نظرت له بقلق ليبتسم لها مطمئنا ثم قال بهدوء :-
” عمك يريد رؤيتك .. ”
صمت قليلا وهو يلاحظ إضطراب ملامح وجهها :-
” في الحقيقة عائلة والدك يريدون رؤيتك وطلبوا مني أن تذهبي عندهم في قصر جدك وتقضي عدة أيام هناك …”
” كلا لا اريد …”
قالتها بسرعة وخوف ظهر واضحا في مقلتيها ليقبض على كفها المرتجف يحتضنها بحنو وهو يردد :-
” جيلان حبيبتي .. لا داعي للخوف …هؤلاء أعمامك وأبناء عمومك .. عائلتك … ”
قاطعته بألم :-
” لا أريدهم .. وانت ايضا كنت لا تريدهم .. ألا تتذكر عندما منعتني من الذهاب عندهم ..؟!”
قاطعها بجدية :-
” رفضي كان تصرفا خاطئا وقتها .. هم في النهاية عائلة والدك وانت ابنتهم .. تنتمين لهم بكل الاحوال … ”
صمت قليلا ثم قال :-
” حبيبتي .. انا اتفهم مخاوفك لكن عليك ان تثقي بي وتعلمي إنني لا يمكن أن أتركك عندهم إلا وأنا واثق إنهم سيهتمون بك ويراعونك جيدا ..”
سألته بصوت مرتجف :-
” هل تريد تركي لهم …؟! هل تريد التخلص من عبئ وجودي عليك ..؟!”
هتف بسرعة وصوته الحاسم كان قويا حازما :-
” أقسم برحمة والدتي التي لا أحلف بها كذبا إنني لن أتخلى عنك يوما واحدا ولن أتركك ابدا مهما حدث .. انا سأظل دائما معك وجانبك حتى آخر نفس في صدري ..”
صمتت مكتفية بتلك الدموع التي ترقرقت داخل عينيها ليضيف وهو يمسح على وجهها برقة :-
” انظري الي يا جيلان .. وضعك هذا لا يعجبني .. وانا أسعى بكل قوتي لمعالجتك وتحريرك من هذا الوضع المؤلم … ”
أضاف وهو يقبض على كلتا يديها بيديه :-
” ذهابك الى هناك سيكون لصالحك .. انت لا يجب أن تبقى متقوقعة في غرفتك .. اريدك أن تبدئي في الخروج من هنا والتواصل مع العالم الخارجي ..”
” ولكنني لا أريد ..”
همست بها بصوت باكي ليهتف بقوة :-
” ستفعلين يا جيلان .. ستفعلين ما أريده .. لأجلك انتِ .. انا لن أسمح لك بتدمير نفسك .. هل فهمتِ ..؟!”
أخذ نفسا عميقا ثم قال وهو يمسح على شعرها بيده :-
” انت يجب أن تساعدينني يا جيلان … يجب أن تثقي بي وتفعلين ما أريده منك كي تتجاوزي ما حدث تدريجيا وتعودين الى حياتك الطبيعية …”
نهض من فوق السرير متجها خارج الغرفة عندما عاد بعد لحظات وهو يحمل البوما للصور تأملته بحذر ..
فتح الالبوم ثم سحب احدى الصور منه ووضعها أمامها لتتأمل صاحبة الصورة بحسرة ..
وجدته يشير الى الصورة وهو يقول :-
” هذه أمنا يا جيلان ..”
صمت قليلا يمنحها الفرصة لتتأمل الصورة بملامح رغم هدوئها تحمل الكثير من الألم والشوق ..
أضاف وهو يميل نحوها أكثر وأنامله تسير فوق الصورة ببطأ :-
” أمنا كانت شجاعة وقوية .. تدافع عن نفسها وحقها دائما ولا تسمح لأي شخص أن يقلل من قدرها .. كانت تدرك قيمة نفسها جيدا وتدرك مكانتها أيضا ..”
صمت لوهلة ثم أضاف وهو يدير وجه جيلان مقابل وجهه يتحدث بنبرة قوية ثابتة ضاغطا على حروف كلماته :-
” كوني كوالدتنا يا جيلان .. كوني قوية مثلها ولا تسمحي لأي شيء أن يكسرك … لا تسمحي لمجرد حادثة أن تحطم روحك .. حاربي آلامك وتجاوزيها .. والدتنا مرت بالكثير ورغم هذا ظلت شامخة آبية ترفض الإنحناء لأي أحد .. عاشت وماتت بنفس القوة والعنفوان وانا اريدك مثلها .. شجاعة وقوية .. ”
أردف وعيناه تتسلطان على ملامح وجهها المترددة :-
” أريدك أن تكوني مثلها ..أن ترثي منها قوتها وصبرها وكفاحها كما ورثتِ جمالها والكثير من ملامحها .. أريد أن تعلم ديانا إنها تركت خلفها فتاة رائعة وتمتلك من القوة والشجاعة ما يكفيها لتخطي أي شيء … عليكِ ان تتجاوزي تلك الحادثة .. ديانا ستفتخر بكِ كثيرا حينها …”
أخذ نفسا عميقا مجددا ثم قال بإصرار :-
” دعي والدتي تفتخر بك يا جيلان .. هي بالتأكيد ترى جيدا وتشعر بكل ما يحدث معك .. لا أريدك أن تخذلينها ولا تخذليني انا ايضا … ”
تعلقت عيناها الدامعتان بعينيه عندما صدرت منها شهقة خافتة رقيقة تتبعها دموع كثيرة جعلته يجذبها نحو صدره يحتضنها برفق وكفه يربت فوق ظهرها بحنو لن يصدر منه يوما لسواها ..

تقدم الى داخل المطبخ الذي لا يدخله سوى نادرا ليجدها تقف تتحدث مع رئيسة الخدم بشأن وجبات الطعام التي ستعدها على الغداء ..
كان يعلم إن المسؤولية تراكمت عليها كثيرا هذه الفترة بسبب غياب والدته التي ما زال هناك إسبوع على انتهاء رحلتها وأخته التي سافرت بدورها الى الخارج لأجل مشروع التخرج خاصتها مما جعله لا تأتي سوى ثلاثة اسابيع هذه العطلة فبقيت هي الوحيدة في المنزل وسط رجال العائلة وأصبحت هي المسؤولة عن كل كبيرة وصغيرة في هذا القصر كبديلة عن والدته اضافة الى وجود طفليه اللذين لا يتوقفان عن شغبهما مما يجعلها تبذل جهدا كبيرا معهم ..
توقف للحظات يسمح لنفسه أن يتأملها قليلا وذلك الفستان البسيط الناعم يغطي جسدها النحيف للغاية والذي يناسب جسد فتاة مراهقة لا إمرأة متزوجة وأنجبت بدل المرة مرتين …
شعرها الحريري الطويل معقود الى الخلف بذيل حصان طويل يصل إلى أسفل ظهرها بينما نبرتها الرقيقة يسمعها جيدا وهي تتحدث مع رئيسة الخدم بإحترام تمنحه لتلك المرأة التي تقارب سن والدتها وإبتسامة رقيقة ناعمة ترتسم على شفتيها يراها وهي تمنحها للجميع ما عداه ..
توقف أخيرا عن تأملها كي لا يمسكه أحدا متلبسا وهو يتأمل زوجته وكأنه لا يراها دائما وكأنها إمرأة غريبة وليست زوجته ..
” همسة …”
نطق بها بصوته الرجولي الرخيم لتلتفت نحوه بقليل من الدهشة من وجوده هنا في المطبخ لتدرك بسرعة إن هناك شيء هام يريدها لأجله مما جعله يعود باكرا من عمله على غير العادة بل ويأتي الى المطبخ خصيصا لأجلها ..
ابتعدت عن رئيسة الخدم منهية حديثها معها بسرعة لتهتف وهي تقترب منه على عجلة :-
” نعم يا راغب ..”
قال بجدية :-
” تعالي معي الى المكتب …”
شعرت بالتوجس من طلبه لكنها أبعدت شعورها جانبا وهو تراه يفسح لها المجال لتتقدمه فسارت أمامه يتبعها هو …
دلفا الى الداخل فشعرت به يغلق الباب خلفهما قبل ان يتقدم نحو المكتب وهو يشير الى الكرسي المقابل له :-
” اجلسي فهناك شيء هام أريدك لأجله ..”
جلست أمامه تتأمله بصمت ليقول أخيرا :-
” جيلان ابنة عمي .. ستأتي بعد قليل الى هنا وتبقى عندنا في القصر ..”
قالت بسرعة :-
” اهلا وسهلا بها .. سأجهز لها جناحا يليق بها او …”
قاطعها بسرعة :-
” لم أطلب منك التحدث لأجل ذلك .. انا أعلم جيدا إنك ستتدبرين كافة الأمور التي تخص إستقبالها ولن أحتاج لتنبيهك بشأن هذا ..”
” اذا ماذا تريد مني ..؟!”
سألته بإستغراب ليتطلع إليها للحظات متأملا ملامحها الهادئة الجميلة قبل أن يهتف بجدية :-
” اسمعيني يا همسة ..”
تنهد ثم تحدث بحذر محاولا ألا يظهر شيئا مما لا يجب أن تعرفه زوجته .. يثق بهمسة أكثر من أي أحد ويعلم جيدا إنها لن تبوح بذلك السر ولو وضعوا السكين على رقبتها لكنه وعد عمار أن يبقى الأمر سرا بينهما وهو لن يخلف هذا رغم إدراكه إن همسه لا خوف منها من أي ناحية لكن رغم هذا لن يخبرها بأي شيء فوضع جيلان سيبقى سرا طي الكتمان لا يعلمه احد سواه هو وأخيها ..
” وضع جيلان حساس قليلا .. لقد مرت بحادثة عصيبة …”
” حادثة ..؟!!”
رددتها بذهول ليومأ برأسه وهو يقول :-
” نعم حادثة تسببت لها بمشاكل نفسية مما جعلها منزوية على نفسها تماما ترفض التعامل مع العالم الخارجي ..”
صمت قليلا عندما وجدها تهز رأسها بتفهم وهي تقول :-
” حسنا فهمت .. ماذا تريد مني بالضبط يا راغب …؟! قل ما تريده وانا سأنفذه إذا إستطعت ..”
ابتسم رغما عنه يشعر بالإمتنان الشديد وهو يراها تحترم رغبته بعدم البوح عن طبيعة تلك الحادثة بل إنها تجنبتها تماما وقد فهمت عليه إنه لا يريد الخوض بهذا الأمر ..
” انت تستطيعين بالطبع فعل ما أريده ..”
نظرت اليه بتساؤل ليقول بجدية :-
” انت المرأة الوحيدة بالمنزل بجانب والدتي .. أعلم مدى حنان والدتي لكن أنت وضعك مختلف .. أحتاج منك أن تمنحيها إهتماما خاصا يا همسة .. أنت تعلمين إن الفتاة يتيمة … فقدت والدتها منذ سنوات وفقدت عمي منذ أشهر قليلة وجاءت تلك الحادثة لتدمرها تماما .. أريدك أن تراعيها جيدا وتحاولي أن تخرجيها من إنعزالها هذا .. إعتني بها يا همسة فلا أحد غيرك يستطيع ان يفعل ذلك ولأكن صريحا فأنا لا أثق بغيرك لأطلب منه هذا ..”
ردت أخيرا بعدما أنهى كلماته التي بدت ثقيلة للغاية على روحه :-
” لا تقلق يا راغب .. سأفعل ما تريده وسأكون بجانبها منذ اللحظة التي تطأ بها قدميها هذا المنزل …”
أضافت وهي تبتسم بحسرة :-
” كما إنني أكثر من يتفهم صعوبة ما مرت خاصة بما يتعلق بفقدانها لوالديها ..”
ظهرت لمحة من الألم على وجهه وكأن ألمها الذي ظهر على وجهها إنتقل إليها …
أخفى ألمه بسرعة وقال :-
” لا داعي أن أخبرك إن أمر الحادثة ..”
قاطعته برفق :-
” لا أحد سيعلم بأمر الحادثة اطلاقا … ”
هتف بجدية :-
” الفتاة منذ دخولها هذا المنزل ستصبح أمانة عندك يا همسة … ”
هزت رأسها وقالت بصدق :-
” لا تقلق يا راغب .. أمانتك محفوظة …”
هتف بصدق وعيناه تحاصران عينيها بنظرة خاصة :-
” لا أقلق أبدا بشأن أي شيء تتولينه انت .. دائما وأبدا كنت على قدر ثقتي بل وأكثر ايضا …”
توترت ملامحها كليا فنهضت من مكانها تهتف بتساؤل :-
” سأعد لها الجناح المقابل لجناح الاولاد …”
قاطعها :-
” انتظري لحظة ..”
نظرت إليه بتساؤل يهتف بجدية :-
” إذا جاء مهند الى هنا سيراها .. لا تتركيه معها لوحده ابدا مهما حدث وأخبريني بمجيئه فورا ..”
أضاف وهو يتأمل دهشتها فأضاف :-
” جيلان هي من تزوجها مهند يا همسة .. لكنها لا تعلم حتى الآن بأمر زواجها منه .. وانت تعرفين مهند جيدا .. متهور كثيرا وانا أخشى على الفتاة إن جاءته الفرصة وإنفرد بها… ”
كتمت شهقتها بصعوبة عندما علمت ان تلك الفتاة الصغيرة والتي سمعت عنها بالاسم فقط زوجة مهند …
” قريبا ستعلم بزواجها منه وبعدها سنخبر العائلة كلها بإحتفال ملائم للمناسبة ..”
أومأت برأسها ثم سألته أخيرا :-
” هل هناك شيئا آخر تود إخباري به ..؟!”
رد بسرعة :-
” حتى الآن كلا ..”
هتفت بجدية :-
” اذا سأذهب وأجهز الجناح للفتاة … عن اذنك ..”
ثم خرجت من المكان يتابعها بنظراته حتى اختفت تماما ليطلق تنهيدة طويلة قبل ان يغمض عينيه متراجعا الى الخلف برأسه قليلا فعادت صورتها تقتحم عقله مجددا ..
ابتسم بسخرية على حاله فهو يتخيلها في عقله وكأنها بعيدة بعد عن السماء عن الأرض عنه لكنها في الواقع أقرب شخص إليه .. زوجته …!

تقدمت بخطواتها الواثقة نحو مكتب والدها حيث أشارت الى السكرتيرة بعينيها كي لا تنهض لإستقبالها ..
طرقت على الباب بخفة ثم دلفت الى الداخل تلقي التحية عليه بإقتضاب أصبح يسيطر على طريقة تعاملها معه ..
تأملها مستغربا دخولها مكتبه مجددا رغم علمه إنها بالفعل بدأت تعمل في الشركة وإن كانت لا تأتي بدوام ثابت ..
أجاب تحيتها بخفوت ليراها تتقدم نحوه وتجلس على الكرسي المقابل له بأناقة تليق بها تضع قدما فوق الأخرى بعدما وضعت حقيبتها على الطاولة أمامها …
” أريد التحدث معك بأمر هام …”
” تحدثي يا ابنتي ..”
قالها بجدية لتمنحه إبتسامة مصطنعة وهي تسأله :-
” كيف حال زوجتك سهام ..؟! متى ستنجب الصبي الثاني لك …؟!”
بهتت ملامحه لوهلة قبل أن يرد بإختصار :-
” حملها ما زال في بدايته .. ”
” في أي شهر ..؟!”
رد بخفوت :-
” لم تكمل ثلاثة اشهر بعد ..”
ضحكت رغما عنها وهي تردد بإستهزاء :-
” سبحان الله ثلاثة أشهر وعلمت انه صبي .. يبدو إنها تعلم الغيب أو تقرأ الفال ربما …”
أطلق والدها تنهيدة متعبة ثم سألها :-
” ماذا تريدين يا ليلى ..؟!”
أجابته بجدية :-
” أريد أن أعلم متى ستعرف والدتي بأمر زيجتك الثانية ..؟! انت ستنجب طفلا ثانيا منها ووالدتي لا تعلم … هل ستبقى لا تعلم شيئا والمياه تجري من تحت قدميها أم سننتظر أن يأتي أحدهم ويخبرها بالأمر ويصدمها بقوة قد تطيح بها لا سامح الله…؟!”
” انا لا يمكنني إخبارها …”
قالها بنبرة ضعيفة لترد بنبرة هازئة :-
” لماذا ..؟! لا تخبرني إنك تخاف على مشاعرها …”
” صدقي او لا تصدقي فأنا أحب والدتك كثيرا .. فاتن حب حياتي وانت تعلمين هذا …”
هتفت بغضب مكتوم :-
” لهذا تزوجت عليها … بل وتزوجت سرا ايضا .. تخونها وتخدعها وتقول حب حياتي .. أي حب هذا بالله عليك ..؟!”
قال بسرعة محاولا التبرير :-
” انا فقط أردت صبيا يحمل اسمي .. ألا يحق لي أن يكون لدي وريث ..؟!”
قاطعته بتهكم :-
” أي وريث بالله عليك .. لديك ديون تحبسك لأعوام خلف القضبان وانت تفكر فقط بأمر الوريث ..”
صمتت قليلا ثم قالت قالت بجدية :-
” متى ستخبرها …؟! ”
” أخبرتك إنني لا أستطيع .. انا أمر بأزمة مالية قوية يا ليلى .. والدتك اذا علمت بهذا الأمر ستتركني لا محالة وانا لا أتحمل فقدانها و…”
” سأساعدك انا ..”
قالتها فجأة ليتطلع اليها بدهشة فتضيف بجدية :-
” سأساعدك في ازمتك المالية وسأساعدك في إرضائها ايضا .. ليس لأجلك بالطبع .. بل لأجل وضعنا الاجتماعي اولا ..”
صمتت قليلا ثم قالت :-
” اضافة الى كونك والدي .. ومهما حدث فأنا لا يمكنني السماح بسجنك …”
” ليلى ابنتي ..”
قالها بضعف لتقول بنبرة جدية قوية :-
” لكنني لن أفعل هذا دون مقابل ..”
سألها مستغربا :-
” مقابل ماذا يا ليلى ..؟!”
ردت بجدية :-
” أريد أن أضمن حقي وحق مريم ووالدتي … ”
صمتت لبرهة ثم اضافت :-
” سنعقد اتفاقا صغيرا … أمر الشيكات سأحله مع عمار ..”
” لا تجلبي سيرة هذا الرجل أمامي .. انا لا أنا أفهم حتى الآن لماذا لم تتطلقي منه بعد ..؟!”
ردت بنبرة قوية ثابتة :-
” من حسن حظك إنني لم أفعل وإن علاقتي تحسنت به … عليك أن تعلم إنني من أقنعته بالتراجع عن موضوع الشيكات ومنحك وقتا اضافيا واستطيع إقناعه أيضا أن يقبل بتسديد المبلغ على مدار السنوات القادمة من ارباح الشركة ..”
” الشركة لا تحقق تلك الأرباح التي يمكن ان تساعد في ذلك ..”
قالها والدها بحسرة لتهتف وقد وصل الحديث الى مبتغاها :-
” وهذا بالضبط ما أريد التحدث بشأنه ..”
سألتها بتوجس :-
” ماذا تريدين بالضبط …؟!”
” اسمعني جيدا يا أبي .. كما قلت سنعقد اتفاقا بيننا .. انا سأحل أمر الشيكات بالتراضي مع عمار وأنقذك من السجن المحتوم اضافة الى إنني لن أخبر والدتي بأمر زيجتك حتى تقرر انت إخبارها وعندما يحدث ذلك سأقنعها بتقبل الأمر والبقاء معك … انت تعلم مدى قوة علاقتي بماما وكيف يمكنني التأثير عليها ..؟!”
اومأ برأسه دون رد لتقول بصوت هادئ :-
” ولكن هذا سيكون له مقابل ..”
” ما هو المقابل ..؟!”
سألها بصوت متحشرج لتجيب بتروي وببطأ :-
” تسجل ثلثي أسهم الشركة باسمي انا ومريم .. ثلث لي وثلث لها .. تسجل الفيلا خاصتنا بإسم والدتي .. والمنزل الريفى كذلك بإسم والدتي .. لديكِ ثلاث عمارات ستسجل واحدة منها باسمي والأخرى باسم مريم ..”
” ولكن ..”
قاطعته بجدية :-
” واضافة الى هذا سأتولى أنا ادارة الشركة وسيكون عمار مشرفا على الادارة كي يضمن تطور العمل بينما الأرباح ستعود تدريجيا اليه حتى نسدد ديونه كاملة خلال اعوام قليلة ..”
” هذا كثير .. ثلثي اسهم الشركة …”
رفعت حاجبها مرددة بغضب مكتوم:-
” كثير على بناتك وزوجتك التي عاشت معك لسنوات وكانت جانبك دوما وساندتك في أصعب الاوقات …”
” لا أقصد بالطبع .. ولكن انتِ لديك أخ يا ليلى وربما سيأتي الأخر ايضا وهم لهم حق في املاكي ..”
هتفت بسرعة :-
” هناك ثلث اسهم الشركة اضافة الى عمارة كاملة والفيلا التي تعيش فيها والدتهم إضافة الى ما كتبته لوالدتهم من املاك ..”
قال بسرعة :-
” لم أكتب لها شيئا أبدا ..”
” هذا لا يهم .. انا أخبرتك بشروطي … ولا تنس إن رفضك لشروطي سيجعلني أسحب يدي من موضوع الشيكات تماما وحينها عليك مواجهة عمار وانا لن أتدخل بأي قرار سيتخذه وقتها … ”
نهضت من مكانها بعدما أنهت حديثها ثم حملت حقيبتها واتجهت خارج مكتب والدها بخطوات بطيئة وواثقة كما دخلت ..

أخذ يسير داخل النادي يبحث عنها بعينيه بعدما أدرك وجودها اليوم أيضا …
توقف في منتصف احد المقاهي التابعة للنادي يتأمل الموجودين بحثا عنها عندما سمع صوتها يصدح بمرح خلفه :-
” هل تبحث عن شخص ما يا بك …؟!”
إلتفت نحوها يتأمل ملامحها المشرقة وإبتسامتها المضيئة كعينيها الخضراوين اللامعتين بقوة ..
خلع نظارته وأجاب ببطأ :-
” كنت أنتظر سيدة جميلة تعتاد ان تأتي هنا في هذا اليوم تحديدا إسبوعيا ..”
اقتربت منه تسأله بمشاغبة :-
” هل تراقبني يا عمار ..؟!”
ابتسم دون رد فقالت وهي تشير الى احدى الطاولات :-
” تعال نجلس هنا …”
سار خلفها عندما سحب لها كرسيا لتجلس عليه فمنحته إبتسامة رقيقة ليتجه بدوره ويجلس قبالها قبل أن يشير الى النادل الذي تقدم منهما فسألها عما تود أن تتناوله لتهتف :-
” هوت شوكليت …”
بينما قال عمار بدوره :-
” قهوه سادة …”
دون النادل طلباتهما ثم ابتسم بلباقة وهو يبتعد ليهتف عمار بجدية :-
” سنوات تمر وما زال طلبك واحدا لا يتغير .. هوت شوكليت ..”
ضحكت وهي تقول :-
” هل يجب أن يتغير ذوقي بسبب مرور السنوات ..؟!”
أضافت بجدية وهي تصب القليل من الماء لها بعدما وضع النادل قنينتي الماء أماميهما :-
” الهوت شوكليت من الأشياء التي لا أستطيع الإستغناء عنها أساسا وفي الحقيقة هذا المقهى تحديدا يعده رائعا …”
تناولت القليل من الماء ثم قالت وهي تضع القدح فوق الطاولة مجددا :-
” اذا كيف حالك ..؟!”
رد بجدية :-
” انا بخير .. يعني اموري تسير على ما يرام …”
عادت تسأله بجدية لا تخلو من الصراحة :-
” ومالذي يجعلني ترغب برؤيتي والتحدث معي ..؟!اسفة لكن فضولي يدفعني لمعرفة سبب مجيئك اليوم لأجل رؤيتي مثلما فعلت المرة السابقة فمن أبسط حقوقي أن أفهم سبب تصرفك هذا …”
هتف بتهكم :-
” واثقة للغاية إنني جئت خصيصا لأجلك ..”
هتفت بثقة :-
” لا يمكنك الإنكار يا عمار .. انت لست من رواد النادي أساسا .. رغم إنك عضوا فيه إلا إنك لا تأتي هنا مرة كل عدة أشهر ..”
” هذا كان سابقا .. ربما الآن الوضع تغير ..”
ضحكت وقالت :-
” نعم تغير فحتى تلك المرات النادرة أصبحت غير موجوده .. انت كنت تأتي معي مجبرا فقط لإنني أحب المجيء هنا وممارسة الرياضة لدرجة إنني دائما ما كنت اتسائل عن سبب تسجيلك كعضوا هنا وانت لا تأتي أبدا ..”
” فعلت كما يفعل الأغلبية لكن الفرق إنني لم أكن من محبين المكان هنا خاصة إن هناك أماكن أفضل بكثير مناسبة للترفيه اكثر ..”
ابتسمت دون رد عندما جاء النادل ووضع طلباتهما أمامهما ..
حملت كوبها وإرتشفت منه القليل بتلذذ ثم وضعته أمامها وسألته مجددا بإصرار :-
” اذا ألن تخبرني عن سبب ما تفعله ولماذا تحاول أن تراني وتتحدث معي ..؟!”
رد بتهكم :-
” ربما أحن للأيام الغوالي …”
” ربما ..”
قالتها وهي تهز كتفيها ثم هتفت ببساطة :-
” هل تعلم إنني بالفعل أحن لتلك الأيام ..”
صمتت قليلا وهي تلاحظ دهشته لتبتسم وتضيف :-
” لا أقصدك انت تحديدا .. أتحدث عن تلك الفترة عموما .. وتلك الأيام التي أعتبرها أفضل أيام عشتها .. يومها كنت صغيرة ومنطلقة .. كنت أرى الحياة ملونة زاهية …”
قاطعها متسائلا :-
” والآن كيف أصبحت ترينها ..؟!”
صمتت لوهلة ثم أجابت بجدية :-
” ملونة أيضا .. لكن ألوانها ليست دائما زاهية .. فأحيانا تكون ألوانها مفرحة تشبه حياتنا في تلك اللحظة وأحيانا تصبح سوداء قاتمة عندما نعيش وضعا سيئا أو نعاني من مأساة معينة .. انا اكتشفت ان الحياة ليست كما كنت أراها مسبقا .. اكتشفت ان بها جانب مظلم يمر به الجميع يوما ما دون استثناء ..”
” وهل مررت انتِ به ..؟!”
سألها بإهتمام لتتجمد ملامحها قليلا قبل أن تهز برأسها بصمت ..
ارتشف قليلا من فنجانه ثم قال بهدوء :-
” اذا تحدثي ..”
سألته بإستغراب :-
” ولماذا سأفعل …؟!”
رد ببساطة :-
” ربما لإنك تحتاجين هذا .. او ربما لإنني مستمع جيد .. ”
ضحكت بخفة وقالت :-
” انت مستمع جيد .. يا لها من ثقة عجيبة ..”
” انتِ لم تجربيني كي تحكمي ..”
قالها بجدية قبل ان يسألها بسرعة وصراحة مطلقة :-
” ماذا فعل ذلك الرجل بك ليجعل لون حياتك ينقلب أسودا ..؟!”
ابتلعت ريقها ثم أجابت وهي تتحكم بغصتها :-
” المشكلة إنني لا أعلم ماذا أقول او كيف أصف ما مررت به خاصة عندما أفكر إن البعض قد يرى الأمر ليس بذلك الصعوبة او ان ما عايشته ليس سيئا كي يسبب أزمة لي ..”
” تحدثي يا شيرين .. ”
قالها بصوت متسلط ثابت لتلمح بعينيه إصرارا عجيبا ..
غرقت في خضرة عينيه للحظات كما كانت تفعل دوما في علاقتهما السابقة ..
نهرت نفسها بقوة على ذلك الشعور المألوف بالنسبة لها ثم حملت كوبها ترتشف منه القليل قبل ان تتحدث بعدما وضعته جانبا :-
” كان مختلفا عني .. مختلفا للغاية … ”
” مختلف من اي ناحية ..؟!”
سألها بتعجب لتبتسم بضعف وهي تجيب :-
” كان متحررا بشكل لا يناسبني … ”
صمتت قليلا تتابع نظراته المتجهمة قبل أن تهتف بصوت متحشرج :-
” لا حدود عنده أبدا .. هو أساسا لا يفهم معنى الحدود ولا إن هناك خطوط حمراء لا يجب أن نتخطاها في علاقاتنا …. ”
ابتلعت غصتها داخل حلقها وهي تضيف :-
” كل شيء لديه مباح … كل شيء يا عمار ..”
إشتعلت عيناه بنيران الغضب عندما سألها بصوت عصبي قليلا :-
” كيف يعني ..؟! مالذي فعله بك ..؟!”
ردت بسرعة :-
” لم يستطع ان يفعل شيئا ولكن ..”
تنهدت بقوة وهي تلاحظ ارتياح ملامحه قليلا لتضيف بتردد :-
” عمار انت تعرفني جيدا .. تعرفني منذ أن كنت طالبة جامعية .. انا فتاة متحررة ذات عقلية متفتحه والجميع يعلم هذا .. أحترم البشر بكافة إختلافاتهم ولكن هناك أشياء لا يمكنني تقبلها .. هناك أشياء لا أستطيع التعايش معاها .. الأمر يتعلق بفطرتي نفسها يا عمار ..”
” تحدثي بوضوح يا شيرين … ماذا كان يفعل ذلك الحقير ..؟!”
كانت يتحدث بغضب مكتوم لتبتسم بألم ثم تتحدث أخيرا :-
” في البداية اكتشفت وجود العديد من الصديقات لديه .. صديقات كثير وعلاقته بهم تبدو غريبة… يتحدثون بإستمرار ويسهرون سويا … عندما أخبرته بإنزعاجي من الأمر أخبرني إنهم مجرد صديقات وكما لديه أصدقاء شباب لديه صديقات … والأسوء من ذلك عندما أخبرني إنني بدوري يمكن أن يصبح لي أصدقاء شباب بل يمكنني السهر معهم والسفر معهم ايضا ..”
جحظت عيناه مرددا بعدم تصديق :-
” كان يسافر مع صديقاته ..؟!”
أومأت رأسها وهي تجيب :-
” تخيل .. لقد سافر في رحلة سياحية مع صديقته المقربة وعندما رفضت وانتفضت أخبرني إنها مجرد صديقة وعلي التعامل مع الأمر ببساطة لإن الصداقات هنا بين الجنسين عادية للغاية وإن تلك الفتاة وغيرها مجرد صديقات وطالما لا يوجد بينهما أي علاقة ..”
صمتت ولم تستطع الإكمال ليومأ برأسه متفهما قبل أن يطلب منه الإكمال :-
” لا أستطيع قول كل شيء .. لكنني لم أستطع تقبل الأمر وحدثت بعدها أشياء أسوء .. يكفيني أن أخبرك إنني شعرت نفسي أتعامل مع رجل لا يمتلك أي غيرة على زوجته … رجل كان عادي جدا أن يسمح لي أن أسافر مع صديقي المقرب لوحدنا بل يسمح لي أن أحدثه ليلا ونهارا وأخبره عن تفاصيل علاقتنا الزوجية كما كان يفعل هو مع صديقاته ..”
لم تستطع أن تخبره ببقية الأشياء التي كلما تتذكرها تصيبها بالإشمئزاز لذا اكتفت بهذا الجانب فقط ..
هتفت أخيرا منهية الحديث :-
” لم أتحمل الحياة معه فطلبت الطلاق وعائلتي تفهمت الأمر بل إن وليد أخي دعمني فهو شعر في زيارته العابرة لنا إنه غير مريح على الاطلاق لذا كان داعما وبقوة لقرار الاطلاق …”
” جيد ما فعلته ..”
قالها بإقتضاب وقد سيطر عليه شعور شديد بالضيق مما عايشته …
لم يستطع البقاء اكثر ورغبته في المغادرة بدأت تلح عليه فوجد نفسه يسحب هاتفه ومفاتيح سيارته من فوق الطاولة ويقول بسرعة بعدما نهض من مكانه :-
” لقد تذكرت أمرا هاما علي إنجازه فورا .. أراكِ فيما بعد يا شيرين … ”
ثم خرج مندفعا خارج المكان غاضبا بشكل مريب تاركا إياه تتأمله بحزن وهي تشعر إن ما قالته جعله ينفر منها

دلفت ليلى الى المنزل تتجه نحو الطابق العلوي عندما سمعت صوت أصوات نسائية مختلفة تأتي من صالة الجلوس ..
تعجبت ملامحها عندما همت بالتحرك الى الداخل لكن خروج مريم من الصالة وهي تتأفف بضجر جذب انتباهها فسألتها بسرعة :-
” من هناك في الداخل ..؟!”
ردت مريم بإنزعاج :-
” عمتك سوسن وتلك المرأة قريبة أبي ..؟!”
” من تقصدين ..؟!”
سألتها ليلى بتوجس لترد مريم بعدم اهتمام :-
” تلك المرأة يا ليلى .. اسمها سهام على ما اعتقد …”
اتسعت عينا ليلى بطريقة لم تنتبه لها مريم التي هتفت ممتعضة :-
” سأذهب وأعد القهوة لهما … فالخادمات في إجازة اليوم ..”
أردفت بتذمر :-
” لم يأتوا سوى يوم اجازة الخادمات .. يا إلهي انا اكره الضيوف أكثر من اي شيء فكيف اذا كان الضيوف من أقارب والدك …”
هتفت ليلى بجدية :-
” اصعدي الى غرفتك وانا سأعد القهوة لهما ..”
” ولكنك متعبة ..”
قالتها مريم بفرحة مكتومة لهذا العرض الذي جاء في وقته فقالت ليلى بفتور :-
” مريم ، كلانا يعرف إنك لا تطيقين الدخول الى المطبخ حتى ..،اذهبي وانا سأتولى كل شيء ..”
اضافت بعدها وهي ترى إبتسامة مريم الواسعة :-
” بعد قليل سأخبر والدتي إنه كاد أن يغمى عليك دون سبب كي تصعد إليك وتطمئن عليك .. حاولي ان تدعي المرض أمامها وتخبريها إنك ربما تعانين هبوطا في الضغط واطلبي منها عصيرا او اي شيء ..”
” لماذا سأفعل ذلك ..؟!”
هتفت مريم وهي تحيط خصرها بكفيها فقالت ليلى بسرعة :-
” سأخبرك بعدما تغادران هاتين الاثنتين .. فقط نفذي ما أقوله من فضلك .. ”
زمت مريم شفتيها بعدم رضا لكنها أذعنت لطلبها وهي تتجه نحو الطابق العلوي لتحتقن ملامح ليلى وهي تشعر بالغضب الشديد لجرأة تلك المرأة الوقحة ..
سارعت نحو المطبخ وبدأت في إعداد القهوة عندما تركتها على النار واتجهت تبحث بين أغراض المطبخ عن شيء ما …
لمعت عيناها بقوة وهي تتأمل زيت الخروع الذي وجدته بسرعة وكأن الحظ يتفق معها بشكل رائع ..
سارعت نحو القهوة التي اعتنت بها للغاية كي يتناولنها جيدا …
صبتها في فنجانين أنيقين اضافة الى فنجان ثالث لوالدتها ولم تنسى ان تضع بضع قطرات من الزيت في كلا الفنجانين ..
توقفت للحظات ثم نظرت الى ذلك السوار الماسي الذي يزين معصمها فخلعته مفكرة إنه لا بأس من محاولة بسيطة قد تجدي نفعا …
حملت الصينية وتقدمت بخطوات واثقة نحو صالة الجلوس عندما دلفت الى الداخل ترسم ابتسامة واسعة على شفتيها وهي تهتف بترحيب :-
” مساء الخير …اهلا بكما .. ”
تجمدت ملامح سهام وكذلك عمتها فهما تظنان إنها في العمل كما علمتا من والدها إنها بدأت تعمل في الشركة …
قدمت القهوة لهما ولم تنس ان ترمي سهام وهي تنحني بجسدها نحوها قليلا بنظرة حارقة جعلت الأخيرة تتوجس منها خشية ..
وبينما تأخذ سهام القهوة بتوتر كانت ليلى تصوب عيناها نحو الحقيبة الخاصة بها عندما أسقطت الفنجان عليها متعمدة لتصرخ سهام بفزع فتسارع ليلى تحاول مساعدتها لكن سوسن سبقتها وهي تندفع نحو سهام اما فاتن فطلبت من سهام أن تذهب الى الحمام لتنظيف ملابسها بعدما تقدمتهما الى هناك ترافقهما سوسن التي يبدو إنها خشيت على سهام من تركها وحيدة بسبب وجود ليلى ..
سارعت ليلى تفتح الحقيبة وتضع بها السوار ثم تغلقها ..
حملت الصينية مع الفنجانين مجددا ثم عادت الى المطبخ تعد القهوة مجددا وتصبها في الفناجين ولم تنسَ ان تضع زيت الخروع في الفنجانين الخاصين بعمتها وزوجة ابيها ..
قدمت القهوة لعمتها وعادت تجلس بجانب والدتها قبل أن تهمس لها :-
” مريم شبه أغمى عليها .. لقد سندتها حتى وصلت الى غرفتها ..”
انتفضت والدتها كما توقعت وهي تتسائل :-
” ما بها مريم ..؟! ”
ردت ليلى ترسم القلق على ملامحها :-
” لا أعلم .. ربما مرهقة او أصابها هبوط بالضغط .. اذهبي واطمئني عليها بنفسك ..”
إستأذنت والدتها منهما وسارعت تركض نحو ابنتها عندما أخفت ليلى إبتسامتها أخيرا وظهر الوجه الحقيقي لها ..
” اذا ما سبب هذه الزيارة السعيدة يا هوانم …؟؟”
ردت عمتها سوسن بإمتعاض :-
” هل هذه الطريقة المناسبة للترحيب بعمتك وزوجة أبيك يا ليلى .. ؟!”
نقلت ليلى بصرها بين الاثنتين قبل ان تقول بصوت بارد :-
” معك حق .. هي بالفعل ليست الطريقة المناسبة .. ”
صمتت قليلا تتأمل عمتها وهي ترتشف من فنجانها وتقول :-
” يبدو إن والدتك فشلت في تعليمك الاصول والعادات ..”
لمعت عينا ليلى وهي تتأمل سهام ترتشف بدورها بعضا من قهوتها وكأنها مستمتعة بما يجري بينها وبين عمتها لترد ليلى ببرود :-
” لو فشلت حقا ما كنت لإستقبلكما بل وأقدم الضيافة لكما ..”
عادت عمتها ترتشف من فنجانها وهي تسأل بخبث :-
” ولكن أخبريني يا ليلى .. متى ستتطلقين من زوجك ..،
؟! أم إنك تراجعت عن الأمر ..؟! برأيي أن تفكري في الأمر جيدا .. فالطلاق ليس سهلا يا بنيتي .. ”
ضحكت ليلى ثم قالت :-
” ليس سهلا لغيري .. لمن يبحثن طوال الوقت عن زوج يعشن على حسابه .. ”
صمتت قليلا ثم أكملت وهي ترمق سهام بنظراتها :-
” لمن تنتظر رجلا ينتشلها من وضعها الرديء اما انا فالحمد لله .. لا ينقصني شيء .. وجود الرجل في حياتي مجرد كمالة لا أكثر وخروجه من حياتي لن يغير شيء لإنني بإختصار لا أحتاج رجلا .. ”
” ماذا تقصدين ..؟!”
سألتها سهام بغضب مكتوم لترد ليلى ببرود :-
” أقصدك انتِ تحديدا .. ألم تتزوجي ثلاث مرات خوفا من بقائك بدون رجل … ألم تكوني تبحثي عن رجل بعد كل طلاق فقط كي يصرف عليك …؟!”
أضافت وهي تشير الى نفسها :-
” اما انا فلا أحتاج الى رجل كي يصرف امواله علي او يعتني فأنا أمتلك اموالا تسد عين الشمس وزوجي ما زال متمسكا بي ويرفض تطليقي لكنني من أصر على الطلاق … ”
” لا تقللي أدبك يا فتاة .. تأدبي وانت تتحدثين مع من هم اكبر منك سنا ..”
قالتها عمتها بحنق لترفع ليلى حاجبها ثم تقول بسماجة :-
” عفوا عمتي ، هناك سؤال دائما ما يخطر على بالي .. سهام هذه ..”
أشارت بيدها نحو سهام ثم أضافت بصوت بطيء متمهل :-
” ألم تكن هي نفسها ابنة خالك التي لا تحبون وجودها وتشعرون بالعار من قرابتها بسبب فقر حال خالك … ؟! سهام هذه أليست تلك نفسها التي كنتم ترفضون التعامل معها بل وتسخرون منها ومن ملابسها القديمة بل ان والدتي كانت دائما ما تشفق عليها وتتضايق من طريقتكم بالتحدث عنها وعن عائلتها ..؟!”
ضحكت وهي تتأمل جمود وجه المرأتين عندما أضافت بخبث :-
” ولكن تصرفك موفقا .. انتم اخترتموها هي بالذات كزوجة لأخيكم بسبب أصلها الوضيع .. كي تقهرون والدتي أكثر .. كي تخبرونها إن زوجها تزوج من إمرأة لا ترتقي لأن تكون خادمة عندها ..”
” انا لا اسمح لك ..”
قالتها سهام وهي تنهض من مكانها بعصبية لتنهض ليلى بدورها وتهتف بقوة :-
” اخرجا من هنا حالا .. لا مكان لكما في هذا المنزل ..”
” تطرديننا يا ليلى ..”
قالتها العمة بعدم تصديق لتهتف ليلى بقوة جعلتها مخيفة في هذه اللحظة :-
” اذا لم تخرجا من هنا حالا فسأطلب من الحرس في الخارج أن يخرجوكما عنوة ..”
هتفت سوسن بسرعة وهي تتحرك خارجا :-
” لا داعي لذلك يا محترمة … سنخرج دون الحاجة لذلك …”
ثم اندفعتا خارجا عندما ابتسمت ليلى بمكر قبل أن تجلس مكانها واضعة قدما فوق الأخرى تتأمل تصرفها بثقة بالغة ..
هبطت الى الطابق السفلي تسألها عن الضيوف عندما فوجئت بها تصيح :-
” سواري .. سواري اختفى يا ماما .. كنت أرتديه في يدي لكنه اختفى … “

يتبع….

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة باقي حلقات الرواية اضغط على : (رواية حبيسة قلبه المظلم)

اترك رد