روايات

رواية قلبي و عيناك و الأيام الفصل الثالث والثمانون 83 بقلم رحاب إبراهيم حسن

رواية قلبي و عيناك و الأيام الفصل الثالث والثمانون 83 بقلم رحاب إبراهيم حسن

رواية قلبي و عيناك و الأيام البارت الثالث والثمانون

رواية قلبي و عيناك و الأيام الجزء الثالث والثمانون

قلبي و عيناك و الأيام
قلبي و عيناك و الأيام

رواية قلبي و عيناك و الأيام الحلقة الثالثة والثمانون

اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~.. عهد الهوى..~
بعدما ذهب ممدوح زوجها من ساعات إلى عمله وهي جالسة بحديقة الفيلا معالم الشرود مرتسمة ببذخ على محياها، أتى إليها ولدها المدلل ” هيثم” وقال وهو يجلس بمقعد فارغ قربها:
_ وكنتي بتشتكي من كتر سرحاني وأنتي بقيتي أكتر مني ..؟!
التفتت له أمه نوران بثبات وظهرت تعابير الضيق ونفاد الصبر بعينيها وقالت :
_ حاولت أعرف عنوان البنت دي اللي هيتجوزها زايد معرفتش !، وفادي مش راضي يقولي ولا حتى ممدوح جوزي، بس اللي محيرني ومش فهماه انك انت كمان مش راضي تقولي رغم انك عارف ! …. لا ومنعتني كمان أدور على عنوانها !
ابتسم هيثم بسخرية ورد قائلًا :
_ هتعملي إيه بعنوانها ؟! … اوعي تكوني ناوية تروحيلها بنفسك وتحرضيها على زايد !!! … لو بتفكري كده فكويس أوي أني منعتك !
انتبهت نوران لرنة الثقة الواضحة بنبرة هيثم، وقالت باستفسار وحيرة:
_ أول مرة احس اني مش فهماك ! … افتكرت أنك هتفرح بتصرفي ده !.
ازداد بريق عينا ولدها بسخرية واتضح أنه يخطط لشيء سيؤول إلى كارثة حتمية ولا يريد التشويش على مخططه، فقال بهدوء :
_ زايد مش هيسكت على سرقة المشروع اللي مستحيل ميكونش اكتشف سرقة تصاميمه لحد دلوقتي إلا لو اكتشف أني وراه ! … ثقته في فرحة صدمتني، لو كنت عارف كده من البداية مكنتش عملت حوار سرقة التصاميم ده ، أنا بفكر دلوقتي في فضيحة ليه، ساكت لحد اليوم اللي مستنيه وساعتها هضرب ضربتي … فضيحة كبيرة وشرخ هيحصل بينه وبين فرحة ممكن جدا يوصلهم للطلاق.
بس طلاقهم مايهمنيش دلوقتي، اللي يهمني أن الفرح يتقلب لمصيبة ويتعرف ماضيه للكل وأولهم فرحة.
رددت نوران الكلمة بصدمة وقالت :
_ ماضيه ..!!! … أنت هتقول أن أمه ماتت منتحرة !
ضحك هيثم ضحكة صفرا وقال بعد ذلك :
_ مش دي الفضيحة اللي هتدمره برضو ، رغم انها هتبقى تريند ، ماضيه هيتعرف بس بالتاتش بتاعي ، أمه ماتت وهو اللي رماها من شقتهم ، ودخل مستشفى نفسية بسبب اللي حصل ، وحضرت الورق والادلة اللي تثبت ده، كله هيسأل ايه السبب اللي يخليه يعمل كده في أمه..!
وهل فعلا كان مريض نفسي وقتها ولا ادعى المرض عشان ينقذ نفسه من الشرطة ؟!..
خلي الجرايد تخمن وتألف وتكتب، وظنون الناس تألف مليون سيناريو غلط ، الكلام هيكتر ، والاشاعات هتبقى أكتر ، وهتحاوطه من كل جنب … أنا عارف زايد كويس.
الموضوع لو مس سيرة أمه هيتجن ومش هيكون في حالته الطبيعية ، وبالنسبة لفرحة بقا ليها ترتيب تاني معايا .
لأن اللي هوصلهولها قبل الفرح مباشرة ، هيأكده زايد بتصرفاته اللي هتكون بسبب الفضيحة اللي هتحصل.
مش هو فاكر أنه ملك كل شيء ؟!
أنا بقا هخليه يخسر كل شيء في وقت واحد.
حدجته نوران بذهول، لم تتوقع أن ولدها يملك هذا القدر من التفكير الثعباني هذا والتخطيط له بتلك المدة القصيرة، والعجيب انها لم تعجب بخطة هيثم بقدر قلقها .. فقالت بتوتر:
_ أنا خايفة عليك منه، زايد لو عرف انك انت اللي ورا العملة دي معرفش ممكن يعمل فيك إيه ! … لا يا هيثم ارجوك بلاش !
وبعدين ما الفضيحة دي هتأثر على شغلنا !
تنهد هيثم بمقت وقال بعصبية :
_ ميقدرش يعملي حاجة ده اولا ، ثانيا عشان تطمني هجيب بودي جارد ليا ، ثالثا بقا الفضيحة دي هتأثر غعلى شغلنا فعلا بس ده في حالة لو أنا مش موجود ، أنما لما جوزك يجبر زايد انه يسيب الشركات وادخل انا اديرها الوضع هيتغير والكورة هتبقى في ملعبنا … والأهم من كل ده أني هقضي على مستقبله سواء اشتغل معانا أو لوحده … مين اللي هيثق في مجنون قتل أمه ! … ولو فكر بس يأذيني يبقى هو اللي جابه لنفسه لأني ساعتها هقدر اسجنه بمنتهى السهولة وابقى خلصت منه للأبد.
صمتت نوران والقلق يزداد بعينيها كلما نطق ولدها بحرف واحد ، ولكن هناك طرف ثالث كان يستمع للحديث بالصدفة.
كانت تلك الخادمة المُسنة التي تعمل لدى نوران منذ أكثر من عشرة سنوات، ابتعدت السيدة عن باب المخزن القديم المفتوح المؤدي للحديقة والقريب من مكان مجلسهم وتمتمت باحتقار لنفسها:
_ يا مصيبتي !… يا عيني عليك يابني وعلى الكلاب اللي حواليك ، هتعملي إيه يابت يا تهاني ؟!
ده لو حد منهم حس أنك سمعتي حاجة من كلامهم مش بعيد يخلصوا عليكي دول مجرمين ! … طب هتسكتي وهتسبيهم يودوه في داهية كده ؟!
دلني يارب اعمل إيه ينقذه من ايديهم ويحميني من شرهم ده انا غلبانة.
كبتت أي كلمة أخرى عندما انتبهت لخطوات تقترب، والتي بالتأكيد خطوات لأحد رجال الحرس لحمل الاغراض الغير هامة وتنظيف المكان.
*********
فتح وجيه البوم صور كان يحتفظ به منذ زواجهما، كانت ليلى تتفحص وجهه كأنها للتو عادت بعد فراقهما، نظر وجيه لها مرةً أخرى بنظرة حنونة وقال وهو يحذبها ليجلسا :
_ ده البوم صور فرحنا، خليت المصور يصور كل لحظة في اليوم ده، اكدت عليه عشان كنت خايف من اليوم اللي هتنسي فيه جوازنا والايام اللي فاتت …
قالت ليلى وهي لا زالت تنظر إليه بملء عينيها:
_ أنا عارفة أنك مش بتكدب عليا، بس أنا موجوعة أوي أني نسيت الأيام اللي عشتها معاك ، بالذات بعد ما رجعنا لبعض بعد السنين دي كلها.
احتفظ وجيه بابتسامته وعينيه التي تبث حنان وطمأنينة ثم قال وهو يرفع يده لخديها برقة:
_ ذكرياتنا هفكرك بيها لحظة لحظة، هتعشيها بأحساس أول مرة يا ليلى، زي ما انا متأكد أن احساسك دلوقتي زي احساسك في أول مرة تشوفيني فيها بعد ١٠ سنين فراق، هفكرك باللي فات ، لكن هوعدك أني هبني معاكي ذكريات أجمل.
ابتسم لها ثم بدأ يشير لكل صورة ويذكرها ماذا قالت وفعلت، كان يبتسم ، واحيانا يضحك لتذكر شيء فعلته وأثار ضحكاته، وهي على حالها من التيهة بملامحه وعينبه وهو يتحدث.
ذات الحنين والعشق لم يتبدل ولم يقل ، والغريب أنها رغم تيهتها لم تنساه !
كأن الذاكرة ذاتها ترفض فقدان ذلك الجزء من حياتها، كأنه ضوء الشمس الذي إذا غاب عاد مرة أخرى متوهجا، لا يعجز ، ولا تبدد السنوات بهجته وصباه بالقلب بالروح.
وتوقف وجيه عند أحدى الصور، كانت الصورة تجمعهما بأول دقائق بالحفل، تذكر بحنين جارف الدقائق القليلة التي سبقت تلك الصورة ، وهما بمفردهما قبل النزول للحفل …
كانت الابتسامة تزداد على ثغره وعينيه السارحة الشاردة في خيال الذكرى الخاصة بينهما.
قالت ليلى بشك وتلعثم:
_ سرحت كده ليه ..؟!
التفت لها بنظرة مليئة بالحنين والحب ، ثم كرر ما فعله بذلك اليوم ، وبعد دقيقة كانت تقف وهي ترتجف وقد احمرت خجلا ، ترك مغلف الصةر من يده ووقف أمامها وهو يبتسم بمزيج من المكر والعشق ، وهمس بأذنها:
_ مش قولتلك أني اقدر اعوض اللي نستيه وابنيلك ذكريات أجمل ! … كسوفك ده بيفكرني بنفس كسوفك وقتها..
اشرقت ابتسامة مترددة على محياها، ثم وللغرابة التمعت عينيها بالدموع وقالت :
_ احساسي بيك الحاجة الوحيدة اللي عمري ما هعرف انساها أبدًا، معرفش تبقى واقف قدامي وما أحبكش ! …
قبّل وجيه جبينها وقال قرب عينيها :
_ وده كفاية عندي يا ليلى ، أي حاجة تانية أقدر اتحملها، بس عايز أعرف حاجة مهمة، أنتي إيه آخر حاجة فكراها ..؟!
ارتبكت ليلى وهي ترمش بعينيها تحاول جمع اجابتها بصدق، ثم نظرت له وقالت ببعض التيهة:
_ مش عارفة مر أد إيه على الموقف ده، بس آخر حاجة فكراها أني كنت بسأل ممرضة على تكاليف المستشفى عشان أبويا، قالتلي هتسأل المدير أو دكتور مش متأكدة، وبعدها اكتشفت أن بنتي اختفت وجريت ادور عليها …
قربها وجيه منه برقة وقال وهو يحتويها بذراعيه في أمان:
_ الشاطر وجيه … كنتي بتحكيلها عني ؟!
ابتلعت ليلى ريقها واغمضت عينيها الدامعة بعذاب واعترفت:
_ كان نفسي تبقى أنت أبوها، كنت بوصفك في قصص وخليتها تتعلق بيك، كانت بتدور عليك …تخيل !
ساعات كتير كنت بتمنى اقولها أنك حقيقة مش خيال !، وأن اللي بتكلم عنه طول الوقت في قصص كان في يوم واقف قدامي ببصة عنيه اللي عمري ما نسيتها.
كان يبتسم مع كل كلمة بمحبة شديدة وهو يضمها اليه بعنف، ثم همس لها برقة:
_ خلينا نبص لنص الكوباية المليان وأقولك أن مرضك ده لذيذ وممتع، بيرجعلي شبابي في دقايق، واجمل ذكرياتي في لحظة، ياريت أقدر أنسى العشر سنين اللي بعدتهم عنك !… دول صحيح اللي يستحقوا النسيان !.
نظر لعينيه وقالت وكأنها تترجى تأكيد الإجابة :
_ يعني بجد أنا دلوقتي مراتك ؟!
قال بمشاكسة:
_ يعني وريتك القسيمة والصور وكل حاجة ، اعملك إيه تاني ؟!
وعلى فكرة انا اتصلت بجدك وجاي في الطريق ، عشان تتأكدي على الآخر.
لفت ليلى يديها حول خصره بتنهيدة عميقة، ثم رفعت رأسها له ونظرت لعيناه مبتسمة بسعادة وقالت :
_ مصدقاك ، بس المرادي هكتب كل لحظة بتمر عليا معاك، النهاردة بالذات مش عايزة أنساه أبدًا.
وفجأة ظهر الذعر بعيناها وارتجف جسدها وهي تقول بخوف شديد:
_ صالح !! .. اكيد مش هيسيبني ! .. وجيه أنا …
ضمها وجيه مرة أخرى وقالت بهدوء ليمتص خوفها:
_ صالح مات يا ليلى … خلاص انتهت حكايته، ممكن تطمني !
صدمت ليلى وكادت ان تسأل كيف حدث ذلك، فوضع وجيه أصبعه على ثغرها ليسكتها وقال بلطف :
_ مات مقتول بإيد مجرمين وده الطبيعي ، المهم أنه راح وانتهى، مافيش أي شيء ممكن يكون خطر عليكي تاني … حتى ريميه لو شوفتيها دلوقتي هتفرحي … مش هي ريميه اللي كانت معاكي يوم ما وصلتي المستشفى … بقت تضحك وتتنطط وتلعب .. كل شيء كان تمام لحد ما فجأة فقدتي الذاكرة !…
سألت بتردد وحيرة:
_ ايه اللي حصل عشان اوصل للحالة دي ؟! اكيد في سبب!
نظر اليها وجيه شاردا لبعض الوقت، وفكر في عدة اجابات ، ولاحظت ليلى حيرته فخافت أكثر ، فقال شيء أكثر منطقية :
_ أنا عرفت اللي صالح عمله عشان يتجوزك … وخوفتي أني اعرف أنه تقريبًا اغتصبك … بس هو ما اغتصبكيش ، هو أوهمك بكده …
شحب وجه ليلى ، ذلك ااشيء لم تفقد ذاكرتها ويا ليتها تنساه ، جذبها اليه وجيه بابتسامة وقال :
_ المهم انك دلوقتي معايا، مايفرقش عندي اللي حصل زمان، الأهم من الدنيا بحالها عندي أنتي … تفتكري أن فرحتي برجوعك ليا ما تخلنيش انسى كل شيء عشانك ؟!
قالت بدموع وهي تتأكد من حديثه:
_ يعني أنت …
وقاطعها وهو يقبل جبينها بمنتهى الرقة :
_ يعني أنا إيه بس ؟! …. اعملك ايه تاني عشان اثبتلك كلامي ؟؟ …. أنا كل اللي فاكره في اللحظة دي أنك قدامي وحبيبتي وبس …
قالت معترضة وهي تمسح عيناها من الدموع:
_ ومراتك كمان ماتنساش…!
اتسعت ابتسامته بمرح وقال:
_ المهم أنتي ما تنسيش، أنا فاكر زي اسمي بالضبط …. أطمني.
ضحكت ليلى على مزحته، ثم قالت له بمحبة:
_ هتفكرني اللي فات ..؟
رد بكل صدق :
_ من الأول ، أول ما اتقابلنا خالص …
ابتسمت بمحبة وقالت موضحة :
_ بس أنا مانسيتش من زمان أوي كده !..
هز رأسه نفيًا وقال بنظرة ماكرة :
_ عارف ، بس انا اللي عايز اكرر شوية ذكريات كانت ما بينا ، هيفضلوا أجمل حاجة حصلتلي في حياتي ، ومحضرلك مفاجأة هتفرحك …. مفاجأة محضرهالك من ٩ سنين … كنت على أمل أنك ترجعي.
تعجبت ليلى وشعرت فضول شديد لتعرف، ولكن ابتسم وجيه برفض الافصاح وقال :
_ لأ مش دلوقتي … النهاردة بليل هنخرج شوية ، وهتعرفي … انا هستنى اللحظة دي أكتر منك.
*********
وبمنتصف النهار دخلت حميدة على يوسف غرفة النوم بالجناح الخاص بهما وكان يؤدي فرض الصلاة، ويبدو أنه انتهى حتى انتبهت لما يقوله في دعائه بعد التسليم :
_ نفسي في خمس بنات وخمس ولاد يارب ، نفسي في عيال كتير يملوا حياتنا ويكونوا ولادي وصحابي.
ضحكت حميدة وقالت وهي تجلس على الفراش :
_ عشرة يا مفتري ! … حرام عليك هخلف عشر مرات ده انا اموت ! …
وقف يوسف مبتسما وهو يطوي سجادة الصلاة وقال بمرح :
_ بعد الشر عنك ياحبي، انا بحب العزوة واللمة، عايزك تبقي أرنبة وتخلفي كل شوية أرنوب صغير ، حياتنا تبقى كلها أرانب صغيرة نمشي نتكعبل فيهم كده ونجري ورا بعض…
ضحكت حميدة بملء فمها من وصفه وقالت بعد ذلك :
_ وأنا بقى نفسي كلهم ياخدوا قلبك الطيب وطفولتك ، بحبها أوي فيك يا يوسف ….
ابتسم وهو يقترب لها ثم قال بجدية :
_ وعايزك تخلي البنات يتعلموا يعملوا فطير واكل من اللي بتعمليه، عشان لو زعلتي مني ومرضتيش تعمليلي أكل من اللي بحبه أنادي على كتكوته من بناتي، ولا الحوجة لأمثالك.
نظرت له وهي ترفع حاجبها بسخرية وقالت :
_ هتتغر عليا ببناتك من دلوقتي ؟! …
هز يوسف رأسه مؤكدًا فقالت حميدة بغيظ :
_ ماشي يا يوسف ، هعلمهم يعملوا فطير ، بس برضه هعلمهم ياخدوا صفي ضدك … بناتي حبايب قلب ماما …
ضحك يوسف واقترب ليصالحها بطريقته، ولكنها تظاهرت بالعبوس وابتعدت عنه ، فنهض هو الآخر وذهب خلفها ….
*********
وبعد مرور بعض الوقت ترك وجيه ليلى بعض الوقت لتستريح قبل مقابلة جدها وذهب لمكتبه يفكر في بعض الأشياء، حتى أتت أحدى الخادمات وطرقت على باب المكتب حتى سمح لها بالدخول ، وقالت له :
_ جد الست ليلى وصل يا دكتور …
قاطعها وجيه سريعا وقال :
_ دخليه وشوفي هيشرب إيه وهخليهم جوا يحضروا الغدا …
نفذت المرأة الأمر ودلف الجد صادق بعد قليل لمكتب وجيه ، وسرت ملامحه معالم القلق واللهفة لرؤية ليلى ، فنهض وجيه ليرحب به ثم جلسا متقابلين لبعضهما وبينهما المكتب الخشبي العريض، فقال الجد بلهفة واضحة:
_ فين ليلى عايز أشوفها ؟!
رد وجيه بثبات:
_ سيبتها ترتاح شوية ، بعد ما نتكلم هبعت لها حد يقولها انك وصلت ، عايز اتكلم معاك الأول.
سأله الجد بقلق وخوف:
_ هي بخير يعني ؟!
طمأنه وجيه وقال :
_ بخير الحمد لله، أنا منعتها بالعافية تروح تشوف والدها، فضلت أن الزيارة دي تيجي لما أعصابها تهدأ الأول … المهم دلوقتي اللي هقولهولك ده ..
وأوضح وجيه بعد ذلك أنه علم بكامل الحقيقة التي اودت أن تلقي بحبيبته في تلك الحالة النفسية الشرسة، وطأطأ الجد رأسه بخزي وندم شديد ثم قال بحسرة:
_ هيفضل اللي الحصل ده شبح مخيف يطاردني لحد ما أموت ! ….. كل ما احس أني بدأت اسامح نفسي ارجع لنقطة الصفر من تاني !! .. كنت عارف كل قذارته وساكت وراضي..!
رد وجيه على حديثه بجدية وثبات:
_ اللي يهمني دلوقتي أن الموضوع ده يدفن ومافيش مخلوق يعرف عنه حاجة، لو ده اللي بيوصلها للحالة دي يبقى الأفضل ما تفتكرهوش تاني … على الاقل ما نكسرش الصورة الجميلة اللي كانت رسماها لأختها.
قال الجد بحدة:
_ سلمني البت اللي حابسها وانا هتصرف معاها، دي خطر تفضل موجودة هنا وممكن تحاول تقولها تاني ونفضل في نفس الدايرة للأبد !!
رد وجيه بعصبية لظنه أن الجد ينوي على قتلها:
_ أنا مش هسلمهالك عشان تقتلها ! … انا مش مجرم !
اللي خلاني اتردد ابلغ عنها هو أنها هتتكلم عن ليلى وساعتها غصب عني الشرطة هتستجوبها ! … والبنت دي مش هتسكت وهتقول كل اللي تعرفه قدام ليلى والدنيا بحالها ، يبقى انا بضيع ليلى بإيدي تاني !
نفى الجد ما قاله وجيه وقال مؤكدا:
_ أنا مش هقتلها، انا هبعتها للي مش هتعرف تخلص من تحت ايده ، حفيدي اللي اصغر من صالح بأربع سنين … مسافر برا وليه مكانته وبيه قد الدنيا ….
تعجب وجيه وقال :
_ طب ما هي ممكن تقوله على سر اخت ليلى ! … يبقى احنا عملنا إيه ؟!
اعترف الجد صادق وقال:
_ صافية من لحمه ومش هيسمح لمخلوق ينطق باسمها، ده فير أن اصلا هو عارف حكاية صافية مع صالح … كان بيزور صالح في يوم وسمعه بالصدفة وهو بيزعق لصافية وبيضربها، وهي كانت بتهدد تفضحه وتقول اللي عمله فيها، جالي وقالي اللي سمعه وحذرته يعرف مخلوق اللي سمعه ، وصان السر زي ما وعد … هو الوحيد اللي هيخلي البت دي ما تنطقش بكلمة.
تسائل وجيه بحيرة:
_ اشمعنى هو بالذات اللي واثق انه هيعمل كده بالتحديد ؟!
اجاب صادق وعينيه زائغتان للبعيد:
_ لما قولتلي أنها اخت الخدامة اللي كانت بتشتغل في بيت صالح افتكرت حكاية كده حصلت زمان، اصل البت دي سمعت من حريم الدار انها حاطة عينها على حفيدي ده، والحاجة ام عبد العزيز طردتها من البيت قبل كده … مش عارف بقا كانت مظلومة ولا اللي اتقال فيها حقيقي.
لم يقتنع وجيه بما قاله الجد ، ولكن صمم صادق أن يستلم تلك الفتاة ويرسلها للبعيد، ثم استأنف حديثه وقال:
_ هسفرها برا واتأكد أنها وصلت ، بس مش هيكون قدامي لو هربت ورجعت هنا الا حل واحد …
وقف وجيه وقال بعصبية :
_ انا مش هشترك معاك في جريمة زي دي ! … لازم نلاقي حل تاني !
وقف صادق وربت على كتف وجيه بثقة وقال :
_ خلاص لقيت الحل، انا هستلمها منك وهسفرها زي ما اتفقنا، بس لو البت دي هربت وحاولت تقابل ليلى هسيبك انت تتصرف ساعتها … اوعدك مخدش اي قرار غير لما ارجعلك … بس البت دي لازم تبعد عن البلد بحالها.
فكر وجيه للحظات ثم قال مضطرا للموافقة :
_ موافق … بس أنت وعدتني !
اكد الجد قراره وقال:
_ وهنفذ وعدي…
وهنا انتبها لصوت نقر على باب المكتب، وقبل أن يسمح وجيه بالدخول دخلت ليلى بملامح مقتضبة، وفهم الجد الصادق أنها حتى نسيت انها قد سامحته! .
فقال وجيه لها بابتسامة كي تقترب دون خوف:
_ سلمي على جدك يا ليلى … انتوا اتصالحتوا من زمان !.
ولم ينتظر الجد صادق أن تأت إليه، بل هو من سارع وهرع اليها ضامما اياها بين ذراعيه بكل قوته، وقبّل جبينها عدة مرات وقال لها :
_ خوفت عليكي لما عرفت اللي حصل ، بس برضه كنت مطمن أنك مع جوزك اللي بيخاف عليكي حتى من نفسك … وهمشي من هنا وانا برضه مطمن عليكي.
تدخل وجيه وقال بابتسامة صادقة:
_ لأ تمشي إيه ! … احنا هنتغدى كلنا مع بعض ، مش كده يا ليلى ؟
نظرت ليلى لجدها بنظرات يملأها الحنين والارتياح، ثم ابتسمت لوجيه وقالت بهدوء:
_ ايوة طبعا ، لازم نتغدى مع بعض …
وانتهت مقابلة الجد بكل يسر، وودعته ليلى وقد ازداد شعور الراحة والأمان بعينيها … حتى اوقفها وجيه أمامه بغرفتهما وقال بنظرة ماكرة لعينيها البندقية الناعسة:
_ فاصل المفاجأة بتاعتي أنا … حضري نفسك يا حلوة ، البسي حاجة شيك ورقيقة زي عنيكي كده … عشان سهرتنا النهاردة هتبقى بطعم الذكريات … لمكان من زمن فات … من ١٠ سنين بس …. بس فاكر تفاصيله باللحظة …
ابتسمت بوجه متورد من الارتباك والحياء وقالت:
_ نفسي أعرف هتوديني فين ؟!
هز رأسه برفض والابتسامة الماكرة تتراقص بعينيه قبل ثغره وأجاب بهمس :
_ مش هقول … هسيبك تفكري وتكتشفي بنفسك … افتكري إيه اقرب مكان لينا احنا الاتنين ؟ … اللي شاركنا في حكايتنا وبقى جزء منها ! … اللي رددتي فيه اغنية عهد الهوى.
ضيقت ليلى عينيها عليه وحاولت التذكر، فهناك عدة أماكن جمعتهما سويًا … أيًا منهما يا ترى ؟!
خمنوا يلااا هيوديها فين …؟!

يتبع…

اترك رد