روايات

رواية غير قابل للحب الفصل الثلاثون 30 بقلم منال سالم

رواية غير قابل للحب الفصل الثلاثون 30 بقلم منال سالم

رواية غير قابل للحب البارت الثلاثون

رواية غير قابل للحب الجزء الثلاثون

غير قابل للحب
غير قابل للحب

رواية غير قابل للحب الحلقة الثلاثون

الفصل الثلاثون (الجزء الأول)
إن كنت تبحث عن ملاذ أو ملجأ في مكان يعج بشرور الناس فأنت مخطئ، فهم قادرون كليًا على سحقك إن خالفت ما يأمروك به، هذا بإيجاز كان وضعي الحالي، حملقت في وجه “فيجو” بنظراتٍ مصدومة يتخللها علامات الرعب، فأي زوج ذاك الذي يحض زوجته على ارتكاب أبشع أنواع الجرائم البشرية؟ بل ويمهد لها السبل لتنفيذها دون أن يكترث إن كانت ستتعرض للخطر أم لا!!
رمقته بهذه النظرات المستهجنة وهو لا يزال يتحدث في هدوء سلس ليذكرني باختصار عن خطوات تنفيذ خطة الاغتيال، بدا وكأنه يطلب مني إحضار كوبًا من الماء له، برقت عيناي في خوفٍ لم أواريه، كما راح جسدي يرتعش برعشاتٍ متواترة جراء ما أصابني من رهبةٍ وهلع. بلعت ريقي وواصلت النظر إليه وأنا لا أزال في حالتي المصدومة، اشتدت قبضتي على حقيبتي المسنودة في حجري، ورفرفت بأهدابي قبل أن أسأله بصوتٍ شبه متحشرج متلعثم:
-هل تريد .. مني قتلها … هناك؟ ألن يكتشف أحد ذلك؟
أخبرني في هدوءٍ:
-لا تقلقي، إنه المكان المناسب، لن يرتاب أحد في أمرك.
ثم ربت على ذراعي يستحثني على النهوض وهو يخاطبني بلهجته الآمرة:
-هيا .. قبل فوات الأوان.
قلت بين جنبات نفسي في مزيدٍ من الارتياع:
-ليته يفوت ولا أفعل ذلك.
من قال أني أستطيع فعل ما أفصحت به سابقًا؟ حسنًا لاعترف بخطئي، كنت أكذب لشعوري وقتئذ بالخذلان والانكسار، ففي لحظات الضعف والاستسلام قد نرضخ لما هو يفوق طاقة احتمالنا؛ لكن بعد ذلك حين نستعيد رجاحة التفكير وندرك أننا في صدد فعل ما يخالف مبادئنا نتراجع! لاحظ “فيجو” جمودي المصحوب بالتردد، فهمس لي بلهجةٍ محذرة:
-أنتِ تضيعين الوقت هباءً، هيا، لقد رتبت كل شيء لأجلك.
كززت على أسناني متمتمة بعصبيةٍ رغم خفوت صوتي مقارنة بالصخب السائد:
-إنها محاولة اغتيال، ولست معتادة على ذلك.
صحح لي كلامي بما جعلني أغتاظ من بروده:
-ليست محاولة، بل عليكِ تنفيذها.
حقًا لم أستطع الصمود، فتوسلته بنظراتي:
-ألا يمكنني فعلها في وقتٍ لاحق؟ أنا لست مستعدة، صدقني سأفشل.
وجدته يخفض يده ليمسك بي من كفي، ثم نهض واقفًا، وجذبني إليه، فاستندت بمرفقي على صدره، وطوقت بالآخر القابض على الحقيبة عنقه، من يتطلع إلينا من مسافة يظن أننا نتمايل على إيقاعات الموسيقى الصاخبة؛ لكنه كان يبعدني برويةٍ عن مكان جلوسنا المزدحم، تجاوبت معه، وتركته يقودني إلى حيث يريد أن نتواجد، وكامل نظراتي المتوترة مرتكزة على وجهه الساكن. توقف عن المشي بعد عدة خطوات، واقترب مني برأسه، ليهمس بالقرب من أذني:
-اذهبي، سترشدك هذه الفتاة إلى مكان الحمام.
ارتجفت كليًا، وأكاد أجزم أنه شعر برجفاتي المنتشرة في جميع خلايا جسدي وأنا بين أحضانه؛ لكنه تعامل معي بجمودٍ واضح، وجهت نظري إلى حيث أشار فوجدت بالفعل إحداهن في انتظاري، شحبت بشرتي أكثر، ودمدمت بزفيرٍ مسموع:
-اللعنة.
تابع مشددًا قبل أن يتركني أستل من حضنه:
-ولا تنسي الإبرة.
على مضض لوحت بحقيبة يدي الصغيرة فابتسم مقتضبًا، استدرت بعدها متجهة إلى الفتاة الواقفة عند الزاوية، لن أتحدث عما كانت ترتدي؛ لكنها بإيجازٍ شديد ثياب تليق بعاهرة محترفة، لم أنبس بكلمة، وتركتها تصطحبني إلى حيث المنطقة الخاصة بالحمامات، وقلبي يقصف بدوي شديد بين ضلوعي.
………………………………………………….
عبر ممر طويل ممتد مكسو بدرجات اللون الأسود في أرضيته وجدرانه، تحركت خلف الفتاة التي راحت تتميل بغنجٍ وميوعة لتجبرك على النظر إلى مواضع الإثارة في جسدها، لويت ثغري في تأففٍ وأنا أشعر بموجة من الغيرة تجتاحني لمجرد تخيل نظرات زوجي تذهب لمثيلاتها ممن يملكن مفاتيح الإغراء والإغواء. غالبني إحساس الخوف وهزمني بقوةٍ عندما التفتت لتحادثني:
-هذا هو.
انتقلت ببصري إلى بابٍ معدني، معلق عليه لافتة فضية عليها الرمز الخاص بالسيدات، كادت دقات قلبي المتصاعدة تصيبني بالصمم؛ لكن لا سبيل للابتعاد الآن، حاولت توجيه مشاعر الغيرة السابقة وتحويلها لمشاعر غضب محتدمة والرغبة في الانتقام، أطبقت على حقيبتي بيدٍ، واستخدمت اليد الأخرى لأدفع الباب، ولجت إلى الداخل، وألقيتُ نظرة سريعة على من فيه، للغرابة كان خاليًا!
تجاوزت عن حيرتي، وبدأت أتجول بنظراتي على الأبواب المواربة الموجودة به، واحدٌ فقط كان مغلقًا، لهذا توقعت أن تكون “سيلفيا” متواجدة بالداخل، سرعان ما اتجهت نحو السطح الرخامي للأحواض، وقمت بفتح حقيبتي لأتأكد من ضبط الإبرة وإعدادها للاستخدام، أرجعتها لداخل الحقيبة، ونظرت إلى وجهي الذي تحول للبياض من خوفي وارتعابي، انتفضت ببدني فزعة وهذا الصوت يسخر من بعيد:
-لا أصدق الدمية السخيفة هنا.
خرجت مني شهقة غادرة لرؤية انعكاس “سيلفيا” على المرآة الممتدة بطول الحائط يتقدم ناحيتي، تجمدت نظراتي عليها، ويدي اشتدت على الحقيبة التي حاولت فتحها بارتعاشٍ، سألتني في نفس الأسلوب الوقح:
-هل ضجر منكِ سريعًا؟
تناوبت علي المزيد من مشاعر الخوف وأنا أحاول لملمة شتات نفسي لأرد عليها في ثباتٍ:
-هل محظورٌ علي استخدام الحمام؟
كنت قد أخرجت الإبرة، وأخفيتها داخل راحتي، ظللت قابضة عليها حين ارتكنت بظهرها على الحافة الرخامية بالقرب مني، دندنت في لحنٍ غير مفهوم لي، وراحت تتأملني في بطءٍ أصاب بدني بالخوف، حاولت أن أواجه مخاوفي بادعاء قدرتي على التعامل معها، نظرت إليها بوجهٍ شبه عابس، بالكاد أخفي ورائه رهبتي، وجدتها تضع إصبعيها على طرف ذقنها، وترد مفسرة كلامها بما أوغر صدري:
-لا؛ لكن الزعيم “فيجو” عادة لا يترك امرأته تذهب بمفردها…
أطلقت ضحكة ساخرة مصطنعة قبل أن تتم جملتها:
-حتى وإن كانت ستأتي إلى هنا.
رددت عليها بشيءٍ من الندية:
-وأنا لن أمكث هنا الليل بطوله، أعذريني أريد أن أنتهي من ضبط مساحيقي.
لم تتركني “سيلفيا” لشأني؛ وكأنها تتعمد استعجال لحظة زهق روحها، كنت انتظر التفافها لأغرز سن الإبرة في أي موضع من ذراعها؛ لكنها كانت تراقبني عن كثب، كما لو كانت تتوقع تربصي بها. مطت شفتيها وأكملت وهي تشملني بهذه النظرة الفاحصة:
-يبدو أن لديه مشكلة معك.
وجدتها تضع يدها على جانب ذراعي وهي تحاصرني بأسئلتها اللزجة:
-تحدثي معي بصراحة من امرأة لأخرى، هل تستطيعين إرضائه؟ أم أنه مل براءتك السقيمة؟
………………………………………………
أصبحت مفاهيم كالبراءة، السلام، والنقاء أمثلة للسخرية والتهكم، بدلًا من اعتبارها صفاتٍ محمودة تضفي سمات جيدة للشخصية الإنسانية، ربما يعد احتقارها منتشرًا في مجتمع لا يعترف إلا بالظلم والاضطهاد والقسوة؛ لكن الخوف في مسألة زواجي والمقارنة بغيري للانتقاص من قدري كأنثى أشعل جذوة الغضب في أعماقي، راحت ألسنتها تتأجج مع استمرارها في إهانتي، لذا تحفزتُ للرد على وقاحتها غير المحدودة، وقلت في ضيقٍ شديد:
-أنتِ ما مشكلتك معي؟
حدقت في “سيلفيا” بتسلية هازئة، مما زاد من احتقاني، لهذا أكملت صياحي بها، وقد تنامت بداخلي هذه الرغبة المتوحشة في إيذائها:
-إن كانت هناك خلافات مع “فيجو”، فاذهبي إليه وقومي بتسويتها؛ لكن لا تلقي بغضبك علي.
استقامت واقفة، وأخبرتني في كراهية صريحة:
-جميعكم أصبحتم مشكلتي بعد قتلكم لابنتي.
لربما تعاطفت مع مشاعرها الأمومية المكلومة على فلذة كبدها لو أتاحت لي الفرصة لإظهار ذلك؛ لكنها لم تفعل، عاملتني كمُدانة، وأخذت تقذفني بوابلٍ من الإهانات اللاذعة، فرحت أهتف مدافعة عن اتهامها غير المنصف، وقد للفت يدي القابضة على الإبرة خلف ظهري:
-أنا لم أعرفها لأتورط في قتلها، وصدقيني لو كان لدي علم منذ البداية بما يحدث هنا من صراعات دموية لما جئت لهذا البلد اللعين أو تزوجت من الأساس.
صاحت في حدةٍ، وعيناها تلوماني بشدة:
-وأنا غبية لأصدق لغوك الفارغ ذاك!
زويت ما بين حاجبي هاتفة في تجهمٍ:
-لست بحاجة للكذب عليكِ، فأنا ضحية مثلها.
استنكرت كلمتي الأخيرة، وواصلت هجومها الكلامي ببغضٍ أكبر:
-ضحية؟ أتهزأين بي مثلًا؟ أنتِ قبل زواجك كنتِ تنتمين لواحدة من عصابات المافيــا العتيدة، وبعد ذلك أصبحتِ كِنة عائلة “سانتوس” الخطيرة، فمن تخدعين أيتها الماكرة؟
سعلتُ حينما أطبقت بغتة على عنقي بيدها القاسية لتخنقني، حاولت إزاحة يدها بقبضتي وأنا أصرخ بصوتي الحبيس:
-اتركيني.
رفعت يدها الأخرى نحو بشرتي، مررت أظافرها على صدغي تريد خمشه قائلة في حرقةٍ:
-أتعلمين، ربما أقدم لكِ خدمة صغيرة بوضع علامة في وجهك تمنع “فيجو” عنكِ، فهو لا يقبل بالمشوهات.
أبعدت يدها بقبضتي المضمومة على الإبرة وأنا أصيح بها:
-أنتِ غير طبيعية.
ضحكت ضحكات مخيفة أجفلتني، فانتهزت فرصة التهائها عني لأقوم بحقنها؛ لكن قبل أن أتمكن من غرز الإبرة في جلد ذراعها انتبهت لما أفعل، سرعان ما اتخذت حذرها، وضربت يدي بقسوةٍ مما جعل الإبرة تسقط من إصبعي، لم أكن قد استفقت بعد من نتائج محاولة فشلي في اغتيالها حتى وجدتها ترفع ركبتها لتركلني بعنفٍ في معدتي وهي تلعنني:
-أيتها الوضيعة!
يبدو أن الأسوأ في انتظاري، تكومت على نفسي متأوهة من الألم المبرح، وانحنيتُ للأمام صارخة بوجعٍ حقيقي، شعرت أيضًا بصفعة أعنف على جانب وجهي جعلتني أترنح من قوتها للجانبين قبل أن تدفعني بهياجٍ بقبضتيها وتطرحني أرضًا. لم يكن هناك أدنى مجال للرد عليها بعد أن تحولت لامرأة شرسة في أوج عدائيتها، قاومت ألمي وتزحفت بمرفقي بعيدًا عن بطشها الأهوج، رفعت بصري المشوش ناحيتها، فوجدتها قد وقفت تطل علي من عُلياها وهي تخبرني بازدراء مستحقر:
-هل حقًا أرسلوكِ للقيام بعمل المحترفين وقتلي؟
ركلتني في قدمي فسحبتها بعيدًا عنها، ونظرت إليها في رعبٍ وهي تصيح بغضبٍ عارم:
-أوصلوا لتلك الدرجة من السذاجة والحمق؟
كل الأفكار السيئة اجتاحت رأسي في هذه اللحظة، وجدتها تخرج من حقيبتها مسدسًا صغيرًا، كفة الميزان كانت راجحة لها، تابعت الزحف البطيء للخلف حتى التصق ظهري بالجدار، فقفز قلبي رعبًا، لم يعد لدي مهرب منها، نظرت إليها بعينين متسعتين وهي تكلمني:
-أكانوا يتوقعون مني أن أصدق أن عاهرة مثلك ستنجح في الإيقاع بي بوجهها البريء ونظراتها المستضعفة؟
لم أجد ما أدافع به عن نفسي، كان يجب أن أرفض خوض هذه التجربة تحت أي ظرف، رأيت “سيلفيا” تنحني لتلتقط الإبرة وهي تتوعدني بتهديدٍ سافر:
-لنرى كيف سيجمعون أشلاء مخك بعد أن أفجره.
صرخت مستغيثة:
-النجدة، أغيثوني.
تلفت حولي باحثة عما يساعدني من أشياء قد استخدمها لإعاقتها، لم أجد سوى سلة القمامة الصغيرة، اتجهت زاحفة إليها، وألقيتها تجاهها بكل قوة، فضحكت هازئة من تصرفي الأخرق، خاصة أنها نجحت في تفاديها. تابعت “سيلفيا” تقدمها ناحيتي وهي تشهر سلاحها في وجهي، حاولت الركل بقدمي لإبعادها؛ لكن من أواجه، إنها تفوقني قدرة وبراعة، وأنا التي كنت أظن نفسي قادرة على التعامل بخشونة نسبية مع النساء.
في لحظةٍ كانت تقف فوق رأسي، تلصق فوهة السلاح بجبيني، وانقضت علي كما ينقض الذئب على فريسته، فأمسكت بكومة شعري تجذبني منه، صرخت من الألم، ومددت يدي تجاهها محاولة تخليص خصلاتي من بين أصابعها؛ لكنها لكمتني أسفل فكي، ليتبع ذلك شعوري بوخزة مباغتة في ذراعي، فنظرت حيث موضع الألم الصارخ، رأيتها تدب الإبرة في ذراعي، وما هي إلا لحظة وكانت قد ضغطت على الزر العلوي، لتفرغ في عروفي -ودفعة واحدة- ما احتوت عليه من مادة مسممة
الفصل الثلاثون (الجزء الثاني)
لماذا يكرهني الجميع لهذه الدرجة ويرجون موتي، وأنا التي لم أؤذي شخصًا في حياتي؟ بل على العكس كنتُ مسالمة للغاية، أميل لأكون فتاة مطيعة، غير متمردة، ربما لدي بعض الهفوات العابرة؛ لكنها لا تصل أبدًا لحد الضرر. كانت لحظة عصيبة اجتمعت فيها كل أحاسيس الترقب والخوف والرهبة، شعرت بسريان المادة المسممة في عروقي، وتوقعت أن تفنى حياتي خلال الثواني القادمة، أنهكتني المقاومة، ويبدو أن السم في طريقه لإهلاكي. سمعت صوت جلجلة ضحكات “سيلفيا” الشامتة وهي تخبرني:
-لنرى كيف ستنجين الآن؟
ضممت ذراعي إلى صدري، وقلت وأنا أنظر إليها:
-لا أريد النجاة، قد يكون في الموت راحتي الأبدية.
رأيتُ “سيلفيا” تشعل سيجارًا لا أعرف بالضبط متى وكيف أحضرته، نفثت الدخان في الهواء، واستطردت بتهكمٍ مهين كعادتها:
-من المؤسف أن يرسلك “فيجو” للتخلص مني، يبدو أنه لا يطيق البقاء بقربك.
من المفترض أن أبكي، ومع ذلك وجدتني –وللغرابة- على وشك الضحك، أدمعت عيناي قليلًا، ورددت بإيجازٍ:
-أظن ذلك.
بالكاد كتمت ضحكة هازئة تريد الإفلات من جوفي وأنا أخاطبها:
-أتعلمين؟ بموتي سينال فرصة جديدة للزواج بأخرى…
لفظت “سيلفيا” سحابة كثيفة من دخان سيجارتها ناحيتي، سعلت سعالًا متقطعًا من الهواء الملوث الذي اقتحم رئتي، لاحظت كيف احتقنت بشرتها بحمرة غاضبة، ومع ذلك أكملت مشيرة بيدي، كأني استفزها، قبل أن أنفجر ضاحكة بهيسترية:
-اعتقد أنه سينتقي واحدة تجيد القتل والتصويب، فأنا فاشلة كليًا.
تطلعت إلي بنظراتٍ متسائلة، وعلقت في تحيرٍ واضح:
-غريب، لماذا لا يسري مفعول السم في دمائك؟
من بين ضحكاتي المتتالية أجبتها ساخرة:
-هل لأنه أدرك أني فاشلة؟
صاحت بي في انفعالٍ:
-توقفي عن ذلك.
وضعت يدي على صدري الناهج من كثرة الضحك، فرت الدموع من عيني تأثرًا لهذه الحالة العجيبة التي أخوضها الآن، جاهدت قدر استطاعتي لأتماسك، وقلت بصعوبة:
-لا أعلم ما الذي أصابني؛ لكني أريد الضحك بكثرة.
انفجرت مرة ثانية ضاحكة بجنونٍ ومرح، فراحت “سيلفيا” تقول في قلقٍ وهي تطفئ سيجارها في السطح الرخامي:
-هناك خطأ ما.
لمحتها وهي تنزع زر الأمان عن مسدسها، فمسحت بظهر كفي الدموع المنسابة على وجنتي، وطلبت منها بابتسامة عريضة وإصبعي يشير إلى نقطة بعينها بين حاجبي المعقودين:
-من فضلك اجعلي هدفك هنا، لا أريد إفساد شكل وجهي.
صوبت فوهته في النقطة المشار إليها، وقالت بترحابٍ مستمتع:
-لكِ ما تشائين.
…………………………………………………
أغمضت عيني استعدادًا لاستقبال الطلقة النارية، وحررت كتلة من الهواء الثقيل حبيس صدري، انتظرت اختراق رصاصتها عظام رأسي؛ لكنها لم تضغط على الزناد إلى الآن، مما استرعي فضولي، فتحت جفناي لأتطلع إليها في استهجانٍ، وقبل أن أبادر بسؤالها اقتحم الحمام فجــأة عدد من الأشخاص المدججين بالسلاح، واحتلوا كل ركنٍ فيه.
افترت شفتاي عن اندهاشة مصدومة، ومن موضع جلوسي صحت فيهم كنوعٍ من التوبيخ لفظاظتهم:
-إنه خاص بالسيدات…
تحسست جبيني، كأنما أحاول تذكر شيءٍ ما، ثم تابعت ضاحكة وبترددٍ:
-الرجــال في الطرف الآخر… أظن ذلك.
وجدت هؤلاء الرجال الغرباء يقبضون على “سيلفيا”، ويقيدون حركتها، وهي تصرخ بهم بجنونٍ متعصب:
-من أنتم؟ اتركوني يا أوغاد.
تطلعت إليهم في غرابة، ثم فركت مقدمة رأسي، وسألتهم في تعجب:
-ماذا تفعلون بها؟
لم يجبني أحد، فهتفت في صوتٍ شبه ضاحك:
-اتركوها، لديها مهمة لإتمامها، لا أريدها أن تصبح فاشلة مثلي.
سرعــان ما وجدت “فيجو” يتجاوزهم ليصير في المقدمة، وصوت هديره الآمر الناهي يرج الأرجاء:
-خذوها بعيدًا.
رأيت “سيلفيا” وهي تبصق في وجهه وتلعنه بألفاظٍ بذيئة، فمنحها صفعة عنيفة جعلتها تزداد هياجًا، ليسحبها الرجــال إلى الخارج، تحولت أنظاري عن طيف أثرها لأمعن النظر في وجهه حين جثا على ركبته أمامي متسائلًا:
-“ريانا”، هل أنتِ بخير؟
أشرتُ إلى موضع وخزة الإبرة، وأخبرته بانتشاءٍ:
-انظر، لقد نالت مني…
ثم تصنعت العبوس وتابعت:
-للأسف، لم أستطع قتلها، فشلت كالعادة.
شعرت بيده تمسح على موضع الوخزة، فنظرت لحركة أصابعه بعينين زائغتين لبعض الوقت، ثم رفعت بصري لأحملق فيه عن قربٍ وهو يخبرني:
-اهدأي، لن يحدث لكِ شيء.
هززت كتفي في عدم مبالاة، كأني لم أعد أخشى الموت، فواصل الكلام مؤكدًا:
-إنه مجرد عقار هلوسة، ليس بسمٍ قاتل.
سألته مستفهمة وأنا أريح ظهري للخلف:
-أتقصد نوعًا من المخدر؟
استطرد مزيدًا في الإيضاح:
-بضعة ساعات وستكونين بخير.
نظرت له بصمتٍ، فأضاف على ما قال:
-ما مررت به كان اختبارًا لإثبات ولاءك للعائلة.
كلماته الأخيرة جعلت مداركي تتيقظ نسبيًا، هل كل ما عايشته من توتر وخوف مجرد خدعة واهية؟ أي عائلة تلك؟ انتصبت في جلستي، ورمقته بهذه النظرة اللائمة، ثم رفعت سبابتي، وضربت بها على طرف ذقنه كعتابٍ، لأخبره بعدها بوجومٍ:
-قلتُ لك سابقًا أنا لست بخائنة.
راح يحرك كفيه على طول ذراعي برفقٍ وهو يكلمني:
-أنا متأكد من ذلك.
لكزته في ذراعه، وتفوهت بعبوسٍ منزعج:
-ابتعد عني، أنا لن أتحدث إليك.
تجاهل ما قلت، وأمرني في صرامةٍ:
-هيا.
رفضت الانصياع إليه، فخفض من كفيه ليحتضن راحتي، حاول جذبي منهما في رفقٍ ليجبرني على النهوض من جلستي وهو يأمرني:
-تعالي معي.
سألته وأنا أشعر بهذا الثقل في رأسي، كأني قد أصبحت ثملة:
-أين سنذهب؟
أجابني باختصارٍ:
-إلى البيت.
سألته بنوعٍ من الغباء:
-وماذا عن “سيلفيا”؟ هل سأعود لأقتلها؟
لمحت شبح ابتسامة يتجلي على فمه وهو يخبرني:
-لاحقًا.
………………………………………….
رائحة عطره المثيرة زكمت أنفي بقوةٍ، عندما ألقيت برأسي على كتفه، بعد أن أجبر قدماي على الاستجابة لأمره والوقوف. من زاويتي دققت النظر في عينه، يمكن القول أني حلقت في البريق السائد فيها بنظراتٍ هائمة، تعبر عن اهتمامي الواضح به، كان بهيمنته الطاغية قد استولى على كامل انتباهي، وأثار بداخلي هذه النزعات المليئة بالتوق للاقتراب الشديد، يبدو أن ذلك العقار قد أزاح الغيوم والحواجز الوهمية التي أضعها لحجب مشاعري المتناقضة تجاهه، فبدا كل شيء مباحًا أمامي. تركته يقودني إلى الخارج، فمضيت متثاقلة الخطوات، دون أن أحيد بنظراتي المتأملة عن وجهه، سار بي إلى حيث توجد صالة الملهى، وخاطبني وهو يلتفت ناظرًا إلي:
-لنجمع أشيائنا ونذهب.
اعترضت عليه بتذمرٍ طفولي:
-من فضلك، لنبقى قليلًا.
رفض بشدةٍ:
-لا.
كنت مشوشة الأفكار، والرؤية، ورغم هذا استطعت تمييز الفتيات الراقصات في منتصف الصالة، وعند جوانبها، تأملتهن في انبهارٍ وهن يتمايلن في مرونة وإتقان، أشرت بيدي نحوهن هاتفة في حماس عجيب:
-انظر هناك، إنهن يشبهن الأفاعي في رقصهن المائع.
أحسست به منزعجًا من تصرفاتي المتجاوزة، وشدد قبضته المحيطة بخصري قائلًا:
-تعالي.
قاومت إمساكه بصبرٍ نافد، ونجحت في الإفلات من تحت ذراعه المحاوط بي، لأقول في اعتراضٍ صريح وأنا أحاول استباقه بخطواتي:
-لا أريد الذهاب…
ثم دُرت حول نفسي كفراشة طليقة رافعة كلتا يدي فوق رأسي، وصحت عاليًا:
-دعنا نرقص، الموسيقى رائعة.
أمسك بي من ذراعي لإيقافي عن الدوران والتصرف بحماقة، أبصرته وهو يرمقني بهذه النظرة المحذرة، قبل أن يتكلم:
-لا أظن ذلك.
مجددًا نفضت قبضته عني، وهتفت بإصرارٍ معاند، كأني طفلة ترفض ترك الملاهي الشيقة بعد أن أمضت نهارها بين ألعابها الممتعة:
-لا تكن سخيفًا، أنا أريد الاستمتاع بوقتي.
انطلقت مبتعدة عنه وأنا أتغنج بجسدي في دلالٍ، تمايلت على النغمات الصاخبة، قبل أن أقفز في الهواء لأصرخ بصوتٍ مبتهج:
-أوه، الأجواء حماسية.
تبعني في ضيقٍ واضح وهو لا يزال يأمرني:
-“ريانا” تعالي معي.
نفخت قائلة في سأمٍ، قبل أن انتزع عني الحذاء لأصبح أكثر خفة:
-أنت مزعج بحق.
وثبت عدة مراتٍ في مرحٍ خلال سيري المتعجل، ثم توقفت عن الهرولة لأشير بإصبعي في انبهار نحو إحداهن، كانت ترقص بطريقة احترافية وهي تلتصق بواحدٍ من الأعمدة المعدنية الرفيعة، كأن جسدها مقاومًا للجاذبية، صفقت لها وصحت في انفعال فرح بشكل لفت الأنظار إلي:
-انظر إلى هذه الفتاة اللعوب، إنها رائعة.
استدرت لأواجه “فيجو” بنظراتٍ غير مبالية، كنت في قمة نشوتي وسروري، تعلقت بعنقه، ورحت أتمايل بجسدي بإغراءٍ وأنا أخبره بدلالٍ:
-أريد أن أرقص على العارضة مثلها…
اشرأبيتُ بعنقي لأصل إلى أذنه، وهمست له:
-أعلم أنك تحب مثيلاتهن أكثر مني؛ لكن لا ضرر من التجربة معي، ربما أكون جيدة بما يكفي لإرضائك.
التعبير غير المقروء على وجهه سبب لي الحيرة، ومع هذا واصلت غنجي وتدللي، فسدد لي نظرة حادة لم أفهمها، شعرت بنفوره المحسوس مني؛ لكني لم أستاء، كنت في أوج هيماني، لذا أرجعت رأسي للخلف ضاحكة في استهزاءٍ قبل أن استل يدي من على كتفيه، دُرت مرة أخرى حول نفسي، ونظرت إليه مكملة باقي جملتي بغمزة عابثة:
-ولا تقلق، لن أنزع ثيابي هنا، فأنا متعبة لأفعل ذلك.
……………………………………………………..
من قال أن الرجل لا يغار؟ ما حدث بعد ذلك كان سريعًا، بالكاد حاولت مجاراته، حيث وجدته يندفع في إثري، ثم قبض على رسغي، شدني إليه في خشونةٍ طفيفة، ليشعرني بأنه المتحكم في زمام أمري، وقبل أن أعترض على حدته معي، وجدت الأرض تختفي من تحت قدمي، كأنما ألقى عليها تعويذة فلم أعد أرها. بعد لحظةٍ، تفقه ذهني لما حدث، فقد قام برفعي من خصري، ليحملني عنوة حين وجد مني احتجاجًا ومقاومة. لم يكترث “فيجو” لحملي أمام الأعين المحدقة بنا، رماني على كتفه كلعبةٍ لا وزن لها، ثم انطلق سائرًا من حيث جئنا. ركلت بساقي في الهواء مبدية تذمري:
-لماذا نرحل ونترك هذه الأجواء الممتعة؟
لم ينطق بشيء مما أغاظني، حاولت رفع جسدي للأعلى، لكون الدوار قد بدأ في احتلال رأسي، صحت به في نفس اللهجة المعترضة:
-ألست من أتى بي إلى هنا؟ دعني أمرح قليلًا.
زادت موجات الدوار برأسي وهو يتحرك مسرعًا، كأنما يحاول الفكاك بي من هذه الأجواء غير المناسبة، عاتبته وأنا ألكز ظهره بقبضتي:
-حقًا، أنت هادمٌ للسعادة.
شعرت بالغثيان يجتاحني، فطلبت منه:
-من فضلك دعني، لا أشعر أني بخير.
استجاب لمطلبي عندما بلغنا الممر المؤدي للمخرج الخلفي، ما إن أنزلني لأقف على قدمي، حتى ترنحت قليلًا، أحاط بي لئلا أفقد اتزاني، فنظرت إليه عن قربٍ سائلة إياه مباشرة وبلا مراوغة:
-“فيجو” هل تحبني؟
شعرت به يتظاهر بأنه لم يسمع سؤالي، ويتحايل عليه، خاصة وهو يردف:
-أنتِ غير واعية، هيا قبل أن تتصرفي بحماقة.
كنت يائسة للدرجة التي دفعتني للاعتراف بنزق:
-وسط كل ما مررت به معك، يبدو أني أحببتك، ووقعت في غرامك، فهل أنت تبادلني أي مشاعر؟
بدا متفاجئًا باعترافي الصادم، فالتزم الصمت، حز ذلك في قلبي، فسألته بإحباطٍ، وبحزنٍ ارتسمت أماراته على ملامحي:
-ألا تراني مناسبة كعشيقاتك؟
طالعني عن قربٍ خطير، دون أن يمنحني الرد، فسألته بإلحاحٍ معاتب:
-ألست كافية لك؟
ظل على صمته المؤلم، فزاد ذلك من شعوري بالهزيمة والهوان، انتفض بي الغضب لنكرانه مشاعري الإنسانية، فدفعته من صدره لابتعد عنه وأنا أهتف في حنقٍ:
-أم هن فقط من يستطعن إغواءك؟
لاذ بسكوته القاتل، فرمقته بنظرة منكسرة قبل أن أعطي الرد الواقعي الشامل لما طرحته من أسئلة رفض الإجابة عنها:
-يبدو ذلك واضحًا.
أوليته ظهري، وهممت بالرحيل عنه؛ لكنه أسرع بجذبي من خصري إليه، ارتميت في أحضانه، وأنا أطلق تأويهة مزعوجة، صحت به في يأسٍ:
-ابتعد عني، اتركني أذهب.
وجدته يرفع يده ليمسك بمؤخرة عنقي، قربه إليه ليلصقه بوجهه، حيث التقم شفتي بخاصته ليمنحني هذه القبلة القوية التي بددت بداخلي أي شكوك، ظل يبث لي هذه المشاعر المتأججة إلى أن شعرت بالذوبان، تراجع عني مسافة محدودة للغاية، فقط لالتقط أنفاسي، فسألته بلهاثٍ متقطع:
-ماذا تفعل؟
دنا مني مرة ثانية ليؤجج الأشواق بداخلي وهو يأمرني:
-اصمتي.
في مكان وزمان لا يوحيان بوجود أي بشر حولنا، راح يفعل الكثير ليجعلني أتلوى بين يديه طالبة للمزيد من هذه المشاعر الحسية العميقة، تركت الظنون والأوهام جانبًا، واستسلمت للتيارات المتدفقة من العواطف الحميمية؛ لكن قبل الوصول للحظة الفارقة، تركني على حافة الانهيار مبتعدًا عني في جفاء صادم. نظرت إليه مدهوشة، وفكي يتدلى للأسفل، فقال لي بجمود:
-لنرحل عن هنا.
شعرت بدلو ماء بارد يسكب فوق رأسي جعلني استفيق من مخامرة لهفة الحب معه، بالكاد استجمعت نفسي المحطمة، وسألته بقلبٍ شبه ممزق:
-أأنت تعاقبني أم ماذا؟
أمسك بي من رسغي ليجبرني على اللحاق بخطاه التي راحت تتزايد وهو يتكلم بنبرة جليدية:
-السيارة في انتظارنا.
لوهلة كنت أحدق فيه بذهولٍ متعاظم، لا أعي ما يحدث معي، ففي لحظة جعلني أعانق السماء، وأسبح في فضاءاتها الفسيحة، وفي اللحظة التالية أعادني لقساوة الواقع، وتركني واقفة في الظل، ككتلة مهملة، لا قيمة لي. ابتلعت مرارة الإهانة الذليلة في استجدائي لمشاعره، وقلت في ألمٍ مبدية ندمي على اعترافي الأرعن:
-فهمت، ما يصلح لغيري، لا يصلح معي ……………………………….. !!

يتبع

اترك رد