روايات

رواية يناديها عائش الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم نرمينا راضي

رواية يناديها عائش الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم نرمينا راضي

رواية يناديها عائش البارت الرابع والثلاثون

رواية يناديها عائش الجزء الرابع والثلاثون

يناديها عائش

رواية يناديها عائش الحلقة الرابعة والثلاثون

رغُم إزدحَام هذا الكُوكب، وضَياعك بِين الحشُود، إلا ان الله جَل جَلاله يعْرفك، ويسمَعك، ويعلم مافي نفسك جيدًا.
***

أن تشعر بأن قدميك مُقيدة بسلاسل يُصعب كسرها مهما حاولت، شعور ربما يعادل شعورك برؤيتك لكابوس بشع جعلك تستيقظ تصرخ بهلعٍ في منتصف الليل ويظل يداهم عقليتك طيلة العُمر.
تلك المشاعر لا تساوي شيء أمام إصابة قدميك بالشلل، أتعرف تلك الدقيقة التي تمرّ عليك حين تُصاب بتنميل في أطرافك فتحاول تحريك قدميك ولكن تشعر بأنها ليست موجودة من الأساس !
هذا الشعور أيضـًا لا يعادل شعورك بالشلل النصفي.1
لا أحد سيفهم أبدًا تلك اللحظات القاسية والتعيسة التي يمرون بها مُصابون الشلل، دموعهم التي تنحدر من أعينهم المهمومة ليست مجرد دموع تكونت لأجل تعاستهم أو شعورهم بالألم، هُم يبكون لحياتهم التي لم تعد لها معنى، وكيف لهم أن يشعروا بملذات الدُنى وهم لا يستطيعون حتى تغيير ملابسهم وحدهم !
كان سيف الإسلام يجلس على كُرسيه المتحرك ويتجول به في ردهة المنزل الواسعة بجانب الأشجار، راسمـًا على شفتيه ابتسامة تبدو جذابة وفرِحة لمن يراها أول مرة ولكن من يدقق النظر فيها يعلم أن تلك الإبتسامة وراءها قلب منكسرًا ضعيفـًا مهزوز الثقة بعد ما فقد نصف جسده.1
“سيــــف.. فينك يا عم دورت عليك ؟”
كان هذا صوت قُصي الذي جاء مُقبلًا عليه وهو يبتسم كالأبلة وبحوزته زجاجتين من الصودا وكيسين من البسكويت، بادله سيف الإبتسامة مُتساءلًا
— أنت اللي كنت فين.. أنا لقيتك اختفيت مرة واحدة.. فقلت أتمشى شوية
أعطاه قُصيّ كيس من البسكويت وزجاجة صودا وهو يقول

— طيب خُد كُل دول.. تصبيرة كده لحد ما نتغدا.. المغرب هيأذن أهو.. شكلهم نسيونا ومفيش أكل ولا بتاع في ليليتنا دي
ضحك سيف وهو يتناول قطعة من البسكوت
— طول عمرك همك على بطنك.. صحيح هتكمل كليتك هنا ولا هتسافروا تاني ؟

–همتحن السنة دي في السفارة وأكمل بقى هنا.. بيني وبينك أنا حبيت الجو هنا و اتخنقت من العيشة في بلاد برا.
–اشمعنا ؟
–يا أخي بلدك هتفضل بلدك طول عمرك لكن الغُربة وحشة وبتحس إنك غريب وسط ولاد البلد كده.. مهما كنت متريش وبتبقض برا بالملايين وعايش أحسن عيشة مش هتحس براحة برضو غير وأنت وسط أهلك وولاد بلدك.1
ضحك سيف وتعجب من تفكير قصي العقلاني ليردف

–كلامك منطقي بس مش لايق عليك النُضج.. أنت شخصية تافهه يا قُصي.. وده لايق عليك1

–شالله تتستر.. متاكل أنت مبتاكلش ليه
قضم سيف قطعة البسكوت وهو يبتسم بخفة من حديث ابن عمه المرح، روح الدعابة التي يمتلكها قُصي خففت من هموم سيف قليلًا، بل جعلته يشعر بأنه لن يعود وحيدًا بلا صديق يفهمه، برغم حُب بدر واهتمامه به إلا أنه يجد قُصي يشبه في عدة أشياء، وأيضًا شخصيته المرحة قريبة منه لحدٍ ما.
عاود سيف سؤاله

–في حاجة أنا بحاول استوعبها.. أنت ازاي بتكلم مصري زينا ولا أكنك مسافرتش برا أصلًا ولا اتربيت برا ؟
أجاب قُصيّ وهو يقف وراء سيف ويدفع بكرسيه ليتمشوا سويـًا في أرجاء المنزل.
–أنا معايا كذا لغة.. وحريف في الإيطالي لأننا عشنا فيها حوالي سبع سنين بعد ما انتقلنا من بريطانيا.. هناك بقى في إيطاليا كان في منطقة مليانة عرب ونصها مصريين.. إحنا خدنا بيت هناك وعشنا السبع سنين وسطهم وعشان أنا اجتماعي اختلطت بيهم وصاحبتهم كلهم في خلال سنة فكانت لغتنا هي اللغة الأولى عندي في الكلام.. وأنت بقى مشوفتش المصريين في الغربة.. خفة دم تلاقي.. جدعنة تلاقي.. أصول تلاقي.. صُحبة تلاقي.. مفيش أحسن منهم بصراحة.1

–ماشي ياعم.. مصر نورت.1
— منا عارف.. أنا أي مكان بروحه بنوره.1
توقف قُصي حين رنّ هاتفه، فقال وهو يرفع الهاتف لأذنه.
“ايوه يا نجلاء يا حبيبة قلبي”1
–نجلاء !!
قالها سيف بتعجب وهو يُتابع قصي بنظراته حتى خرج من المنزل.
سار سيف بكُرسيه للأمام، فمرّ من عند أعمامه وأقاربهم الرجال وبعض الغُرباء وهم يتسامرون وكان من بينهم المأذون الذي زوج شقيقته من ابن عمه، استدعى مُصطفى سيف وهو يشير إليه مبتسمـًا

— دكتور العيلة.. سيف ابن اخويا محمد الله يرحمه
ترحم الجميع على مُحمد الخياط ثم وجهوا أبصارهم صوب سيف مبتسمين فبادلهم سيف الإبتسامة قائلًا

— منورين والله..
رد رجل من الجالسين

— بنورك يا ابن الغالي.. صحيح يا سيف الحادثة دي حصلتلك ازاي ؟
امتعض وجه سيف وتلاشت بسمته.. فأجاب عمه نيابة عنه سريعـًا

— حادثة عربية زي أي حادثة.. الحمدلله إنها جات على قد كده.
في بادئ الأمر تعجب سيف من تزوير عمه مصطفى للحقيقة، ثم ابتسم بخفوت عندما أيقن أن زياد هو من أنقذ الأمر وأخبر الجميع بأنها حادثة سيارة وليست فتاة هي السبب في ذلك.1
تدخل المأذون وقد كان شيخـًا كبيرًا في الستون من عمره يبدو عليه وقار الشيب.
قال بهدوء وهو ينهض ويأخذ سيف في جولة صغيرة

–حفظك الله يا ولدي.. أرى أن وجهك الجميل منطفئ.. لماذا ؟1
تنهد سيف بحزن وقال
–هيكون ليه يعني يا شيخنا.. حضرتك مش شايف اللي أنا فيه !
ابتسم المأذون بعفوية وربت على شعر سيف ثم جلس على صخرة بجانب شجرة كبيرة في المنزل وتوقف سيف أمامه بكُرسيه مُستمعـًا لحديث الشيخ.
–هل سألت نفسك يومـًا ما حكمت الله في ذلك؟ أعتقد أن كُل ما يحدُث في حياتنا لهُ مغزى…
وكُل شيء يحدث بقدر معلوم كما قال المولى عز وجل.. وكُل تجرُبة مهما كانت قاسية فهي تحمِل رسالة..ولكن لا يمكننا قراءتها إلا إذا كُنا مُستعدين للمواجهة.
تنفس سيف بعمق وغمغم

— الحمدلله على كل شيء.. بس أنا بقيت عاجز خلاص يا شيخنا.. في أحلام كتير أوي نفسي أحققها.. لكن دلوقت مش هقدر أعمل حاجة1
“‏من الأحمق الذي أخبرك بذلك !
العجز ليس أن تكون بلا قدم وساق، العجز أن تكون بلا غاية ولا هدف، العجز أن تظل في اكتئاب دائم وحزن لا مفر منه.. وأنت تمتلك كل الطرق التي تؤدي للنجاح والسعادة ومع ذلك تقف مكبل الأيدي…أعطاك الله عقل و ميزك به عن باقي الكائنات لتُفكر به جيدًا وتعرف ما الذي يتوجب عليك فعله للمُضي قدمًا في حياتك.. فلماذا الحزن إذًا ؟؟”
قال المأذون ذلك، ثم نهض وربت على شعر سيف ثانية وهو يقول قبل أن يذهب

— ما كلَّفَ اللهُ نَفسًا فَوقَ طَاقتِهَا، الله وضعك في اختبار عليك الصبر لتجتازه.1
بإيمائة وابتسامة عفوية رد سيف
— وأنا هصبر ومتأكد إن ربنا هيقف جنبي.1
بادله الشيخ الابتسامة ثم ذهب، كان حديث ذلك الشيخ الوقور مطمئن لذات سيف ومريح لباله، فأخذ يفكر في كلامه مرارًا حتى وقعت عيناه على قدوم قصي يقفز كالصغار بمرح ويهتف
— سيــف.. سيــــف.. الصنارة غمــزت.. و هيصه1
قطب سيف حاجبية باستغراب وهمّ بسؤاله ولكن قصي أردف بلهفة

— كُنت بكلم واحدة لسه معلقها امبارح بالليل.. قالتلي بحبك و ظبط معاها ميعاد أقابلها انهارده.1
ضرب سيف كفًا على كف و زفر بضيق معترضًا

–يادي النيلة..يا بني انت مبترحمش ؟؟ أنت مش لسه قايلي زياد قافشك امبارح بتعاكس واحدة وأخوك قفشك كذا مرة وأبوك جاب اخره منك؟؟
تنهد قُصي بنظرات حالمة لزُرقة السماء التي تشبه زرقة عينيه وقال وهو يعبث في أزرار قميصه بطريقة مضحكة1

–الحاجة الوحيدة اللي متقدرش تسيطر على نفسك قدامها.. هي النسوان.. وأنا بصراحة بدوب من نظره ما بالك بقى بصورة.. بعتتلي صورتها وهي بالإسدال .. من ساعتها بتخيل نفسي وأنا الإمام بتاعها في الصلاة.. ياه يا سيف ياه.. شعور حلو أوي ربنا ما يكتبه عليا تاني عشان أنا عيني فارغة وهبص لغيرها كمان يومين.2
وفجأة إذا بفتاة أقل ما يُقال عنها إنها أيقونة من الجمال، مرّت من أمام منزلهم فسقط هاتف قصي من يده وبدأ لعابه يسيل من فكه وهو يتبعها بنظراته.
“زلزال ضرب قلبي”1
قالها وهو يهمّ بالركض وراءها كالمهووس؛ فجذبه سيف من جيب بنطاله الخلفي حتى بدأت عجلات كرسيه تسير.. فكان المشهد كالآتي
“قصي يمشي بدون وعي وعينيه تخرج منها قلوب، ويسحب سيف وراءه الذي لم يستطيع تمالك نفسه وأخذ يضحك بشدة على أفعال ابن عمه المجنونة والمتهورة”.
قال سيف من بين ضحكاته المسترسلة

–طب ونجلاء ؟
” نجلاء مين أنا معرفش حد بالاسم ده “1

*******
لا أذكُر أني أحببتُ شيئًا في هذا العالم المُرتبك
بقدر ما أحببتُ شعور الطمأنينة الذي تُهديني إياهُ عيناك .. ” لقائلها “

____________♡

تلك الأصابع الحانية التي التفت واحتضنت أنامل هاجر، جعلتها مطمئنة قليلًا عما كانت عليه منذ دخول نورا فجأة عليهم، ولكن الخجل ما زال يعتري ملامحها الصغيرة، فنظرت لزياد بارتباك ليبادلها النظرات بابتسامة صافية جعلتها تهدئ خاصةً نظرات عينيه الحنونة التي ملأت قلبها أمنـًا وأمانًا، في تلك اللحظة أيقنت أنها أحسنت الاختيار، ولم يكن ذلك اختيار قلبها وعقلها فقط، بل اختيار الرب أيضًا.. وما أجمل اختيارات الله !
همس زياد وهو يضغط على يد هاجر برقة

–خليكِ هنا دقيقة
أومأت باسمة، بينما زياد سحب شقيقته من يدها بغضب حاول إخفائه؛ حتى لا يحرجها أمام زوجته.1
في غرفة مجاورة أخذ زياد “نورا” وأغلق الباب ليقول بصوت خافض ولكنه غاضب

— أنتِ مبتتكسفيش من عمايلك دي ؟
هتفت باندفاع
–أنكسف من ايه ؟؟ واخده واحد الأوضه وواقفه بتمايع معاه زي ما حضرتك بتعمل ؟!
جحظت عين زياد من قول نورا وطريقتها الجريئة والسيئة في الحديث..
أغمض زياد عينيه يتنفس بعمق في محاولة منه لكبح غضبه، ليقول بنبرة مستاءة تصحبها نظرات الاستحقار نحوها

–لاحظي اللي أنتِ بتتكلمي عنها دي تبقى مراتي.. وشايلة أسمي مش واحدة جايبها من الشارع.. احترمي نفسك و لمي الدور كده عشان أنا على أخري منك.1
“هتعمل ايه يعني ؟؟”
قالتها بتحدي.. فنهض ومرّ بجانبها دون أن يعيرها اهتمام قائلًا

–اتقِ الله يا نورا.. أنا لحد الآن ساتر عليكِ.. رغم البلوة اللي عملتيها لكنِ سترت عليكِ وانكتمت.. فياريت بدل ما أنتِ شاطره تتمسخري على اللي رايح واللي جاي.. روحي راجعي غلطاتك واطلبي من ربنا السماح.. ومن الناس اللي أذتيها.1
خرج وتركها تستشيط غضبًا وغيرة، تود أن تُفجر بركان غضبها في أي شخص أمامها، فخرجت لحديقة المنزل ووزعت نظراتها بغلٍ وحقدٍ للجميع، وكان من بين الجالسون بدر وعائشة، الثنائي الذي لفت انتباه الجميع بأناقتهم البسيطة، لاسيما نظرات بدر العاشقة لعائشة كأنها كنزُ لا يقدر بثمن.1
دلف زياد للغرفة التي بها هاجر فوجدها تجلس على المقعد وتفرك يديها بتوتر، ومن شدة ارتباكها لم تنتبه لدخوله الغرفة منذ دقيقة ليقف بالقُرب منها يتأملها، في تلك اللحظة التي وقعت عيناه عليها، أدرك أنه لم يكن هُناكَ حَظ جيد من نصيبه في هَذهِ الدُّنيا؛ إلا حِين أصبحت حبيبته و ملكته.
شعرت هاجر بأنفاسه المتلاحقة قريبة منها، فالتفتت التفاته سريعة نحوه وما إن وقعت عينيها عليه اطمئن قلبها وظلت عيناها مُعلقة عليه للحظات تشعر كما لو أنها امتلكت كل حنان و لُطف العالم.1
جلس زياد على ركبتيه أمامها، واحتوى بكفيه يديها ثم قبْلهما برفقٍ و حنو ليرفع بصره إليها قائلًا بنبرة مرحة

–تعرفي إنك وحشتيني في الكام دقيقة دول ؟
بضحكة رقيقة أجابت هاجر

— بجد !.. اممم.. طيب ولما تروح شغلك ونغيب عن بعض بالسعات هتعمل إيه ؟
“مش عارف.. حقيقي مش عارف.. أنا عامل زي الغريق اللي متعلق بخيط نجاة.. أنا غريق بس في حُبك.. و ضحكتك دي هي حبل النجاة بالنسبالي”1
قالها وهو يهيم بعينيها عشقًا وولهًا.
من فرط خجلها غيرت مجرى الحديث متسائلة
— هي نورا كان مالها مضايقة ليه ؟
أجاب بإنطفاء

–مش عارف مالها.. بقالها كام يوم مش كويسه1
–طب محاولتش تكلم معاها وتعرف منها إيه اللي مضايقها ؟
تنهد زياد بملل ليقول

–بصراحة يا هاجر.. أنا بيني وبينها تاتش كده.. بس متقلقيش زعل اخوات بسيط و هيروح لحاله

أومأت بتفهم، فداعب بأنامله يديها مردفًا

— عاوزك تنامي بدري انهارده عشان من بُكره إن شاء الله عندنا مشاوير كتير
–مشاوير ؟ مشاوير إيه؟
هتف بحماس وهو ينهض ويجلس بجانبها محاوطًا إياها من أكتافها برّقة
–أنا حجزتلك عند دكتور في الأسكندرية بيقولو شاطر أوي.. هتعملي عنده فحص طبي وهنطلع نتفرج على الأثاث اللي هنجيبه لشقتنا بإذن الله.. وبعدين أوريكِ القاعة اللي حجزتها لفرحنا.2
ارتسمت عليها أمارات الحُزن وقالت

–زياد.. أنا كنت عاوزه أقولك حاجة بخصوص تعبي.
–أنا عارف كل حاجة.. بدر قالي.. هاجر عشان خاطري متفكريش في حاجة.. سيبي كل حاجة على ربنا وأنا واثق أنه هيشفيكِ.
أخفضت رأسها بيأس وتنهدت مردفة

–بس يا زياد الدكاترة قالوا إني خلاص في المراحل الآخيرة.. مفيش علاج نافع
مدّ زياد أنامله ليرفع لها ذقنها برفق وقال وهو يغوص في عينيها مباشرةً

–سيبك من كل الكلام ده.. بتثقي في قدرة ربنا ولا لأ..؟
“أكيد.. بس خايفه”
–ممكن متخافيش وأنا جنبك.. آه علفكرة.. وشك منور انهارده.. ده من الحُب ولا إيه ؟
تبدلت معالم الحزن لسعادة وضحكت هاتفة
— لا مش الحُب اللي نورلي وشي.. ده ماسك زبادي بالخيار إيه.. تُحفـة.
ضحك زياد بشدة وضمها إليه بسعادة تمنى لو أنها دامت دون أن يتخللها ألم وتعاسة، ولكن هذه هي الحياة لا تخلو من التقلبات.. أحيانًا يعمّ الحزن وأحيانًا تأتي السعادة.. والإنسان يعاني المشقة في أمور الدنيا، كما قال الله تعالى في سورة البلد.
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]

*********

ﻳُﻮﺟﺪ ﻓَﺮﻕ ﺑَﻴﻦَ ﺃَﻥ تُحِبّها لأنّها جميلة ..ﻭَأﻥ ﺗَﺮاﻫَﺎ ﺟَﻤِﻴﻠَﻪ لأنّك تُحِبُّها.
______________♡

جلست عائشة على الأرجوحة الموضوعة بين شجرتين في الحديقة الخلفية للمنزل وعيناها تراقب سعادة الجميع بتلك الزيجة، شعرت بالغيرة ولكنها كتمت ذلك بقلبها وأبدت سعادتها مثلهم، أحست عائشة أنها لا تعني شيء لأحد في العائلة حتى بدر الذي يحبها حبًا عظيمًا والجميع يعلم ذلك ، لم تشعر وأنه مهتم بإسعادها مثلما فعل زياد مع شقيقته، منذ طفولتها وهي موضوعة على الهامش، الجميع ينظر لها كما لو أنها الخطيئة التي جاءت لتدمر العالم، هل هي الوحيدة مثلًا التي تخطئ ؟
لم يكن لها أم تراعيها وتغمرها حنانا كباقي فتيات العائلة، ووالدها لم يبدي اهتمامه بها إلا عندما كَبُرَ وأصابه المرض، نعم هي لا تنكر أن بدر عوضها عن فقدانها لتلك المشاعر، ولكن مشاعر الحب من الوالدين شيء مختلف لن يستطيع أحدًا في العالم تعويضه، حتى أصغر التفاصيل التي يعيشها الأطفال مع أبائهن لم تعيشها هيّ.
لماذا إذًا يلومها الجميع إذا ارتكبت مجرد خطأ صغير ؟
أين العدل في ذلك ؟ الجميع يعلم أنها يتيمة الأبوين منذ الصغر حتى وإن كان والدها على قيد الحياة لحين بلغت سن الرشد، لم تشعر أيضًا بالأمان معه.
ألا يستطيعون الرأفة بحالها قليلًا ؟
ألا يستطيعون أن يعلموها الصواب من الخطأ برفق ولين كما أمرنا رسول الله ؟
تمنت بداخلها لو أنها مثل هاجر لكانت نالت حُب الجميع أو حتى مثل باقي فتيات العائلة، لكانوا نظروا لها برضًا وليس بنفور مثلما يفعلوا.
تمنت لو أن يقام لها كتب كتاب أو حفل زفاف بسيط كهذا، ولكن حتى الابتسامة والمباركة حين كُتب كتابها على بدر كانت مزيفة من أفراد العائلة ولم يحضره جميع الأقارب والأصدقاء مثلما يجتمعوا الآن من أجل الوليمة التي ستقام بعد قليل احتفالًا بصاحبة الشعر الأحمر الوردة الجميلة هاجر و الأنيق صاحب الوجه البشوش زياد.
“عائـش”
كان ذلك صوت بدر الذي جاء توًا وجلس بجانبها ليقول مبتسمًا

— جوعتي صح ؟ الأكل خلاص جاهز.
أومأت دون أن تبدي أي ردة فعل، وأخذت تعبث في فستانها بملل..لاحظ بدر تغيرها فاقترب منها وأحاط يدها قائلًا بحُب وكأنه سكن قلبها فعلم كل ما يدور به.
–والله العظيم لأعملك فرح أخلي المنصورة تحكي عنه.. بس اصبري.. اصبري عشان خاطري وأنا هعملك كل اللي أنتِ عاوزاه.
نظرت له وابتسمت بقلة حيلة، وتجمعت الدموع في عينيها لتهمس

— أنا مش عاوزه حاجة يا بدر.. كفايا إنك سترت عليا من المصيبة اللي عملتها واتجوزتني.. ده جميل عمري مهنسهولك.1
زفر بدر بضيق وضغط على كفها بحنان مردفًا

— ممكن متجبيش السيرة دي تاني ؟
–أنت عمرك مهتنسى يا بدر.. عمرك مهتنسى.. وده هيفضل نقطة سودة في حياتنا.. قولي هتكمل معايا ازاي وأنت عارف كل البلاوي اللي عملتها ؟؟
” المُحب بيستر يا عائش.. بيسامح.. بيغفر.. كلنا بنغلط.. حتى ربنا بيغفر للعبد لو أخطأ ألف مرة.. طول ما باب التوبة مفتوح بيفضل يغفرله.. مين إحنا عشان منسامحش بعض.. يا عائش أنا عديت مراحل الحُب معاكِ.. كفايا نظرة عينيكِ اللي بتربك قلبي.. في غرام عيونّكَ أنا وقلبي انهزمنا.. والله انهزمنا “1

قالها بدر وهو على شفا حفرة من فقدان السيطرة على نفسه ومعانقتها أو تقبيلها أمام الجميع.. سحبت عائشة يدها منه برفق وساد الصمت بينهما للحظات.. أخرجهما من هذا الصمت صوت قصي وسيف مقبلان عليهما..1
قال قصي بتوسل

— جايين ناخد إذن معاليك و نستسمحك تسيبنا نخرج نتمشى شوية.
وجه بدر بصره صوب سيف في تساؤل
— تروحوا فين ؟
تلجلج سيف وقال

–نتمشى.. بصراحة زهقنا من القعدة وكده1
هتف قصي بإلحاح كالشحاذين

— الكل هنا يا إما خاطب يا متجوز.. مفيش غيرنا سناجل بائسين.. سيبنا نشوف أكل عيشنا الهي تنستر وميرميك في ضيقة وتخلف بنت وتسميها نجلاء.1
ضحك سيف وشاركته عائشة الضحك من شكل قصي المضحك وهو يتحدث، تبسم بدر ضاحكًا وقال

–طيب ماشي.. بس متتأخروش.. وسيف تحطوا في عينك يا قصي.. أنت فاهم.
أدى قصي التحية العسكرية هاتفًا

— تمام يا فندم.1
ثم اصطحب سيف في مهمة قصيرة أمره بها بعد أن قصّ له كل شيء وحكي له عن علاقته بـ روان.1
حان موعد تناول الغداء.. اجتمعن النساء على طاولات والرجال في الجهة المقابلة تفصل بينهم ستارة حاجبة للأجساد.
ربت بدر على ظهر عائشة ليصطحبها للداخل.
— يلا يا حبيبتي عشان تتغدي.
” مش جعانه “1

قالتها بشيء من الحزن.. صمت بدر للحظات وتنهد قبل أن يقول

–تحبي ناكل أنا وأنتِ لوحدنا ؟
— مش جعانه يا بـدر1
هتف بمرح يحاول أن يخرجها من حزنها.
” لا بقولك إيه.. أنا بصراحة جعان.. ولو مكلتش دلوقت هتغدى بيكِ.. ها.. قُلتِ إيه ؟؟ “

وافقت أخيرًا ولكن بشرط أن يأكلا سويًا وحدهما.
دلف بدر للداخل و اصطحبها في يده، ثم أدخلها في إحدى الغرف وطلب من زوجة عمه أن تعد لهم صينية طعام وحدهم.
في الدقيقة التي تواجدت عائشة وحدها في الغرفة.. دلفت نورا اليها وقالت بغيرة أعمت قلبها1

— بقى بدر اللي كلمته كانت تمشي عالكل.. تيجي واحدة زيك وتمشي كلمتها عليه ؟؟ أما عجايب والله.
كادت عائشة أن ترد ولكنها سكتت على الفور حينما رأت بدر يقف وراء نورا ويشير لها بأن تصمت، فيبدو أنه سمع ما قالته ابنة عمه.
“لا مش عجايب ولا حاجة.. أنا آه طبعي صعب بالنسبة للكل.. بس باجي عندها و بلين.. دي مش مجرد واحده اتجوزتها.. دي البنت اللي ربتها على ايدي وخدت قلبي من يوم ما جات للدنيا.. فمش عجيب ولا حاجة إن ألبي لها كل رغابتها ”
ابتسمت عائشة بخفوت، بينما نورا جزت على أسنانها بحقد هاتفة بمراوغة تود اشعال الحرب بينهما.1
— ولما أنت بتحبها أوي كده معملتلهاش فرح زي البني آدمين ليه ؟؟.. عارف ليه.. عشان متستاهلش وأنا وأنت والعيلة كلها عارفين ليه.
أظلمت عين بدر وتلاحقت أنفاسه بغضب أعمى بصيرته وقلبه وكاد أن يفتك بها، ففي الآونة الآخيرة لم يعد يضع الاعتبار لأحد وأصبح عصبيًا للغاية، فأي شيء يصدر منه متوقع.1
لحقت عائشة به وسحبته للداخل ثم أغلقت الباب في وجه نورا، والتفتت لتقول بخوف من نظراته التي ما زالت مُعلقة على الباب بقسوة.
— بدر.. اهدى عشان خاطري.. متبوظش فرحة زياد وهاجر.. متحطهاش في دماغك.. نورا بتغير مني وأنا عارفة كده ومستكتراك عليا.. بس خلي انهارده يعدي على خير.. عشان خاطر هاجر حتى.
تعجب بدر بشدة من عقلانية عائشة التي لأول مرة يلاحظها عليه، وبدأت أوداجه تهدئ و انفاسه تصير منتظمة بفضل كلماتها المسكنة لعصبيته.1
تابعت وهي تقترب منه بحذر

–مش أنت قولتلي العصبية من الشيطان ولما نتعصب بنفضل نستغفر ربنا لحد ما نهدى ؟
استغفر ربنا عشان خاطري…
ثم نزلت الدموع من عينيها رغمًا عنها لتهمس

–أنا بخاف منك لما تتعصب.. أرجوك بلاش تعمل فيا كده.. أنت الوحيد اللي بطمن وأنا معاه..1
حملها بدر وأجلسها على فخذه ثم مسح لها دموعها قائلًا

— دموعك بتخليني كده
أشار بيده كأنه يرسم شيءٍ في الهواء وأكمل

— زي الورقة سهل جدًا تتقطع.. متعيطيش ومتخافيش مني.. أنا أأذي العالم ولا أأذيكِ.2
بعد أن هدئ كلاهما، شرعا في تناول الطعام الذي أحضره بدر من زوجة عمه مصطفى ولم يدع عائشة تأكل بيدها، كانت يده هي الملعقة لها، بل أحن على فمها منها.
مرّت نصف ساعة انتهى الجميع من تناول الطعام واحتساء المشروبات الباردة، واجتمعوا ثانية في الحديقة يصفقون ويمرحون في جو يسوده البهجة والفرحة.
*****

وصل سيف وقصي لبيت روان وعند مرورهم من أمام بيتها، توقفت حواس سيف و تصلبت على هذا الشاب الوسيم الذي ينزل برفقة سيدة خمسينية من بيت روان.1
أحس سيف وكأن العالم يدور به، اعتقد أن هذا الشاب والذي يدعى “مالك” قد جاء لطلب يديها من والدها والزواج بها.1
استدار سيف بكُرسيه وهو يبتسم بعدم تصديق أمامه.. ليقول بأنفاسٍ مضطربة

— روان.. روان.. روان راحت مني يا قُصي3

لم يدرِ قصي ما الذي يفعله لتهدئة سيف، فأخذه ليعودان للمنزل وهو يقول له بين الحين والآخر.
–يا بني أكيد أنت فاهم غلط.. وبعدين.. حتى لو هتتخطب.. مطلعها من دماغك بقى.. أنت ألف واحدة تتمناك.1
صاح سيف بجنون

— ده كلام كلكم بتقولوه عشان تصبروني بيه.. أنا عاجز يا قصي.. عاجز.. مشلول.. مين اللي هترضى بيا.. ده أنا مبعرفش أدخل الحمام لوحدي.. مبعرفش ألبس.. مبعرفش.. مبعرفش..1
لم يستطيع التحدث وانفجر باكيًا، وصل به الأمر أنه لم يعد باستطاعته التعبير عما يشعر به ويوصف ما بداخله من فجوات وحروب داهمت قلبه وكسرت بخاطره، ‏كان الأمر أشبه بمحاولة إطلاق عصفور للسماء بعد أن فقد جناحيه ..1

همس وكأنه يتجرع كأس من الخيبات
— طيب.. طيب حتى كانت ودعتني برسالة !!
ليـــه يـارب.. ليــــه !!
طلب سيف من قصي أن يصله لبيته ولكن قصي رفض في بادئ الأمر خوفًا عليه، وتحت إلحاح سيف المستمر و بكاءه المرير، وافق قصي و ذهب به للبيت..
ظل قصي جالسًا معه في غرفته لحين استطاع سيف تمالك نفسه وتظاهر بالنعاس حتى يرحل قصي.. وذهب قصي بعد أن تأكد بأن ابن عمه نام بالفعل.. ذهب بعد أن وعده بألا يخبر أحدًا بما حدث.
******

ظلت الوساوس تحوم عقل نورا، وقررت بألا تدع ذلك اليوم السعيد للجميع يمرّ بسلام.2
هتفت بصوت عالٍ؛ لتلفت انتباههم

–الكل يبص هنا ويركز معايا.. أنا عاملة مفاجئة لأحسن أخ في العالم وبنت عمي اللي بعتبرها أختي..1
ابتسم الجميع وداهمهم الفضول ليعرفوا ماذا أعدت نورا، إلا زياد هو الوحيد الذي خفق قلبه وتعرق جبينه داعيًا الله في جوفه ألا تفعل نورا شيء تسيء به لسمعة العائلة.
اوصلت نورا هاتفها بشاشة التلفاز وهي تبتسم بخبث في خفوت، كانت تنوي أن تجعل الجميع يشاهد صور والدة عائشة وهي ترقص في احدى الحانات وبجانبها عمها محمود.. ودت أن تكشف حقيقة والدة عائشة لجميع من بالحارة.. الحقيقة التي بالكاد يعرفها أفراد العائلة فقط، حتى عائشة تغفل عنها، ولكن ما حدث جعلهم يفتحون فاههم بصدمة لم تكن في الحُسبان.
أخذ هاتف نورا يعمل ببطء وبدون وعي منها أضاءت بيانات الهاتف، فصدرت أصوات الاشعارات متتالية، ارتبكت بشدة وحاولت أن تقفل البيانات فضغطت رغمًا عنها على رسالة صوتية اخترقت آذان الجميع وجعلتهم في صدمة مما يسمعون، وكانت الرسالة لشاب يقول بسخرية وهو يضحك

” يا بنت اللاعيبة.. ده أنتِ ابليس يقولك يا أستاذة.. بقى تصوري فديو لابن عمك اللي الكل بيتحاكى بأخلاقه وبنت عمك اليتيمة وتشيريه على جروب الحارة بأكونت فيك وتروحي تركبي صور عريانة لبنت عمك وكل ده ومحدش عرف إنك ورا المصيبة دي.. ده أنتِ ملكيش حل والله “1

كان الجميع في ذهولٍ تام مما يسمعون، وصدمة والدها وبدر وعائشة كانت أكبر من صدمة الجميع.. نظرت عائشة بخجل للجميع ثم تركت يد بدر وفرّت باكية لبيتها، بينما بدر تصلب مكانه من هول الصدمة وأخذ ينظر أمامه بشرود يحاول استيعاب الأمر.. أما عمهم مصطفى انكمشت حواسه من نظرات الجميع له، فنهض يجر خطى الخيبة مما فعلته ابنته وبصفعة قوية نزل بها على خد نورا ألجمتها على الفور وجعلتها تخرّ بخوف وهلع على الأرض.. أصبحت نورا محطّ سخرية واستهزاء من نظرات الكل التي أحاطت بها وفُضح أمرها وانكشف رداء الستر الذي أحاطها من الله.2
(عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته، حتى يفضحه بها في بيته) رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
لم يتردد بدر لحظة وهرع وراء عائشة خوفًا عليها، وجدها قد أغلقت على نفسها الغرفة وصوت بكائها يخترق الباب ليحطم قلبه..
طرق بدر على الباب هاتفًا بترجي

— افتحي يا عائشة.. هي اللي طلعت وحشة قدام الناس كلها.. زي ما فضحتنا اتفضحت.. ربنا كشف اللي عمل كده.. متعيطيش ربنا جابلك حقك.. افتحي عشان خاطري.1
صاحت عائشة ببكاء من الداخل

— امشي يا بدر.. امشي وسيبني في حالي.. اللي معرفش عرف.. اتفضحت في البلد كلها يا بدر..مش بعيد اسمنا ينزل في الجرايد.. في صفحة الفضايح.. امشي يا بدر بالله عليك.1
” مش همشي.. مش هسيبك أصلًا.. افتحي وخلينا نتكلم بهدوء “

صدر صوت ارتطام عالي من خلف الباب جعل بدر يفقد صوابه وأخذ يطرق على الباب بقوة كالمجنون، حتى أنه من شدة قلقه وخوفه عليها نسي أمر المفتاح الذي يمكنه أن يفتح به الباب كما فعل عندما انقطعت الكهرباء.
جاءه صوتها من الداخل تصرخ بانفعال

— أنا مش هعيش في الحارة دي لحظة واحدة تاني.. أنا مش هكمل معاك يا بدر.. والله العظيم لو ما مشتش لأموت نفسي.. امشـي بقولك.1
كادت أن تنساب دموع بدر وهو يسند رأسه على الباب ويقول بتوسل1

— بالله عليكِ ما تعملي فيا كده.. أنا مستحيل استغنى عنك.. مستحيل أسيبك يا عائش1
فتحت عائشة الباب وهي تمسك زجاجة كوب قد كسرته للتو وتوجها نحو رقبتها؛ لتصيح بتهديد

— أنا عايزه ابقى لوحدي.. والله والله لو ما مشيت حالًا لانتحر.. هنتحر يا بدر.. أنا خلاص مش باقية على أي حاجة.. نار الأخرة مش هتبقى أسوأ من اللي عشته.4
أشار بدر بيديه بأن تكف عن ذلك وسيذهب حالما تهدئ، تعلقت عيناه على الزجاجة المتوجهة نحو رقبتها وقال وهو ينزل على ركبتيه بتوسل بعد أن فقد السيطرة على أعصابه

–همشي.. همشي.. بس ابعدي الإزازة دي عنك.. والله العظيم همشي دلوقت بس ابوس أيدك متاذيش نفسك.. أنتِ كده بتقتليني.. أهون عليكِ

قال آخر جملته باستعطاف في محاولة بائسة منه لاكتسابها.. فهزت رأسها بنفي وهي تبكي بهيستيرية
— لأ.. لأ.. مش هبعدها.. امشي الأول.. يــــــــلا1
نهض بدر وخرج ببطء وعينيه ما زالت متعلقة بالزجاجة وهو يأومئ برأسه مرددًا

— حاضر.. حاضر.. همشي.. خلاص همشي.. بس اوعديني متعمليش في نفسك حاجة.. اوعديني يا عائش.. اوعديني.
ألقت عائشة الزجاجة من يدها وهي تغمض عينيها ببكاء وألم، ثم دلفت للغرفة وأغلقت الباب في وجهه.
نزل بدر بصعوبة وقبل أن يخرج من باب المنزل السُفلي.. جاءت وصرخت به

— علفكرة.. أنت هتطلقني.. أنا مش هعيش هنا تاني3

أغضبته تلك الكلمة بشدة، فالتفت قائلًا باصرار وغضب

— الكلمة دي مسمعهاش منك تاني
–هطلقني يا بدر1
–ده في أحلامك يا عائشة.
قالها بعد أن تملك منه الغضب وتحولت مشاعر الخوف لديه عليها للوجوم منها والإستشاطة مما تفوهت به.
ذهب بدر لبيته وجلس على المقعد الخاص بـطاولة الطعـام في الـصالة وبدا كأن كل هموم العالم سقطت على عاتقه، تنهد بتعب ماسحـًا بكفيه على وجهه مُترجيـًا في نفسه أن يساعده الله وينفك كرب العائلة.. دفن وجهه بين كفيه مُستندًا بكوعه على الطاولة كأنه مُستغرق في التفكـير بأُمور لا حصـر لهـا، مرت ما يقارب الساعة وهو على تلك الحالة البائسة، كانت عائشة قد هدأت تمامًا وأدركت أن بدر ليس له ذنب فيما حدث فهو مظلوم مثلها..نهضت وتحممت بمياه باردة كأنها تغسل رأسها من كل الأفكار السوداوية التي اخترقتها وقت الغضب، ثم ارتدت عباءه سوداء و وشاح أسود أبرز بشرتها البيضاء، وخرجت لتعتذر عما بدا منها منذ ساعة..1
كان بدر ما زال جالسًا، ولم ينتبـه لوجود تلك العيون البُنية تراقبه من بعـيد في شفقة وحـزن.
تقدمت ببطء بضع خطوات منه وجلست بجانبه بهدوء ثم مدت يدها تمسح على شعره برّقة وحنو؛ فظن أنها والدته.. تلك المسحة الحانية تُشبه تمامـًا رقة أصابع والدته على رأسه؛ فتـرك لدموعه العنان.. ظل بدر مغمض العينين ومن جسده تخرج اهتزازت خفيفة دلالة على البـُكاء.. تفاجئت ببُكاءه الشديد؛ فلأول مرة يبكي أمامهـا.1
تنهدت بشفقة وهمست

— ششش.. هتتـعدل
توقف عن البُكاء فجأة ورمقها بدهشة هاتفـًا

–إنتِ بتعملي إيه هنا ؟.. روحي نامي
“لأ يا بـدر.. مش هنام وإنت في الحالة دي ”
قالتها وهي تُبعد يدها بخجل عنه.
زفر بضيق مُردفـًا

–لو سمحتِ يا عائشة سيبيني لوحدي
صمتت لوهلة وتساءلت

— هو أنت.. أنت محروج عشان عيطت قدامي ؟
لم يُجيـبها واكتفـى بالصمت؛ فتابعـت مبتسمة برقة

–فاكر أول يوم ليا في المدرسة..؟ القلم الرصاص اللي راسه على شكل عروسة كُنت إنت جبتهولي لما شاورت عليه وقولتلك نفسي يبقى عندي واحد زيه.. في نفس اليوم رجعت من المدرسة وكنت زعلانه أوي عشان ضاع مني.. إنت شيلتني على رجلك وقولتلي ولايهمك هجبلك منه كتير.. بس أنا كنت كاتمه في نفسي ومكسوفه أعيط قدامك عشان متضحكش عليا.. بابا الله يرحمه كان قالي أوعي تبيني ضعفك وتعيطي قدام حد.. إنت وقتها كنت حاسس بيا وقولتلي متكتميش في نفسك عيطي ومحدش هيعرف.. وأنا سمعت كلامك وزي ما أكون صدقت وإنفجرت في العياط وإنت خبتني في حضنك عشان محدش يشوفني.. وبقيت كل إما أعوز أعيط أجري عليك وأحضنك وأعيط براحتي.. لحد ما كبرت ومبقاش ينفع.
صمتت لوهلة تتأمله باسمة وأردفت
–أنا دلوقت مراتك.. تيجي نبدل الأدوار وتعيط إنت في حُضني.. ؟
لم يتردد ثانية واحدة وجذبها برفق ليضمها لصدره، مُتماديـًا في عناقه كأنه وجد مستقره أخيرًا من عناء الحياة، فتناسـى جسدها اللين بين ذراعيه وزاد من ضمها له؛ حتى أغمضت عينيها بألم وأخذت تمسد على ظهره في محاولة يائسة منها للحد من قوة عناقه.. شعر بذلك وإنتـقل برأسه دافنـًا إياه في صدرها مُستسلـمـًا لحالة الضعف والإنهيار التي انتابته وأخذ يبكي كالطفل الذي وقع فجأة أثنـاء اللعب.3
لم تدرِ مالذي تفعله لتجعله يهدأ قليلـًا، سرعان ما تذكرت ما كان يفعله معها حتى يجعلها تهدئ، فأخذت تتلو بعض من السور القصيرة من القرآن الكريم وهي تُمسد على شعره وظهره صعودًا ونزولًا.. ابتعد بدر عنها بعد دقائق، فمدت عائشة أناملها تمسح دموعه التي تعلقت بين أهدابه برفق ولين.. صدرت منها ضحكة رقيقة لتُردف وهي تتـأمل وجهه
—عايزه أعترفلك بحاجة..

بإيماءة وابتسامة بسيطة يحثها على البوح، فقالت

–بحب ملامحك أوي.. مُغرمة بشعرك الأسود الطويل ، ولون بشرتك البرونزية وعينيك العسلي..اللي بتشبه لون عيون القطط في الشمس.. وعُقدة حاجبك.. اللي بتظهر أكتر لما بتكون زعلان أو متعصب.. وضحكتك القمريّة.. مُغرمة جدًا .1

ظل يتأملها للحظات دون إجـابة ثم قال مازحـًا

— مع إنك دايمـًا تشوفيني وحش..وكمان عاوزه تسيبيني.. غيرتي رأيك فجأة ليه.. ؟
ابتسمت عائشة بخجل وقالت

–عُمري ما شوفتك وحش.. أنا اللي كُنت عامية.. كنت وحشة معاك… مكنتش شايفه الحقيقة فين.. تعرف يا بدر.. أنا بطمن لما بشوفك..أحيـانـًا ببقى حزينة وتيجي على بالي فببتسم رغم حُزني..1
“بحبـك يا عائـش”
قالها بـدر وهو يحدق في عينيها بعشق وولـه.. أتعرف تلكَ اللحظة التي يحدّقُ فيها شخص إلى عينيكَ وتشعر بأنه يحدّقُ إلى قلبك، فيتوقف العالم في لحظة؟
منذ أن وقع بدر في غرامهـا؛ أدرك أن قلبه يمكنه أن ينبض بعيدًا عن جسده، ينبضُ في جسدها هيّ.
برغم أنها لم تبادله الكلمة، إلا أنه كان في قمة سعادته وشعر بأن قلبه يريد أن يرفرف في السماء؛ لوجودها معه قريبة منه.. يشتم أنفاسها ويسمع دقات قلبها التي تقرع كالطبول كُلما حدق بحُب في بريق عينيها.
” بتشبهي المعجزة اللي بيتمناها كُل الناس.. ﻭأنا الوحيد اللي نُلتـها”1

قالـها وهو يُهم ليُلثم قُبلتهم الأولـى.. ولكن هذا الصوت الذي صُدر من غُرفة سـيف جعلهم يستعيدون وعيهم الذي فقدوه للتو وكأنهم ثمـالة.2
قالت عائشة بدهشة وهي تشير لغرفة سيف

— الصوت ده جاي من أوضـة سيف
هَمَسَ بدر بلهجة آمرة

–أدخلي إنتِ الأوضة وأنا هشوف في إيه
انصاعت لأوامره ودلفت للغرفة، بينما بدر اقترب من غرفة شقيقه بهدوء وهو يسمع صوت همهمات.. حاول أن يسترق السمع خوفـًا من أن يكون حدث شيء لأخيـه.. وبعد لحظات من وضوح الصوت، اتسعت عين بـدر بذهول…؟؟؟

يُتبع ..

اترك رد