رواية امرأة العقاب الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم ندى محمود توفيق

 رواية امرأة العقاب الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم ندى محمود توفيق

رواية امرأة العقاب البارت الثامن والثلاثون 

رواية امرأة العقاب الجزء الثامن والثلاثون 

رواية امرأة العقاب الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم ندى محمود توفيق


رواية امرأة العقاب الحلقة الثامنة والثلاثون

(( امرأة العُقاب ))
_ الفصل الثامن والثلاثون _ 
تطلعت بعيناه المغرمة حقًا ونظراته الراجية حتى بندقيته القاسية لم تعد تراها كالسابق أبدًا .. اليوم مختلفة كثيرًا تجعل عيناه أكثر جمالًا وبأسًا وقوة .. خرج صوتها أخيرًا بعد دقيقة كاملة من الصمت القاتل بينهم تجيبه : 
_ لو قلت لسا مصممة ومصفيتش ليك هتعمل إيه ؟! 
ابتسم لها وانحنى قليلًا عليها يجيب في نظرات ثابتة يعطيها الإجابة المنتظرة :
_ مش هتخلى عنك وهفضل أحاول لغاية ما تصفيلي 
تطلعت في عيناه بعمق دون أن تبتعد هذه المرة من اقترابه وخانتها ابتسامتها الخجلة لترتفع فوق ثغرها .. ثم همست في رقة تذيب الحجر : 
_ موافقة .. هديك فرصة ! 
رأت شفتيه تنفرج بابتسامة عريضة وعيناه تلمع بسعادة ونصر .. كمن كان يخوض حربًا قاسية ويحتفل الآن بتحقيق أولى نقاط نصره .
مال عليها بوجهه أكثر وغمز في مداعبة يجيبها بعبث : 
_ بس !! .. مفيش سامحتك يعني ! 
طالت النظر إليه وهي تبتسم بذكاء انثوي .. تتلاقى عينه المتلهفة بعينها الماكرة قبل أن تهمس بنعومة تليق بأنوثتها الطاغية : 
_ يلا بينا عشان الناس برا وعيب نفضل هنا كتير 
رأته يميل بوجهه للجانب يضحك في عدم حيلة ..  أدرك أنها قد تكون بالفعل سامحته لكنها ستتبع أسلوب التشويق والدلال .. ستتلذذ بذوبانه ولا بأس بالنسبة له في ذلك ! .
التقط كفها ورفعه بلطف لشفتيه يلثم ظاهره بقلبتين متتاليتين ثم يتمتم في حب : 
_ يلا يارمانة 
سارت معه لخارج الحديقة وبينما كانوا في طريقهم للعودة إلى الحفلة .. وجدته يقترب منها أكثر ويلف ذراعه حول خصرها من الخلف يسير بجوارها وبيده يضمها إليه في تملك وحب كأنه يثبت حبه لها أمام الجميع .. لم تزعجها فعلته بل اكتفت بابتسامتها وهي تهز رأسها بيأس وسارت معه حتى وصلا وبدأو الاحتفال .. كانت تتلقى التهنئات بمناسبة يوم ميلادها من الجميع وسط الهدايا الكثيرة التي حصلت عليها .. وما كان يسعدها أكثر هو وقوفه بجوارها طوال الوقت لم يتركها للحظة ويداه لا زالت تحاوطها بتملك ! .. يعلم أنها لن تتمكن من النفور كالعادة ولم تكن لتفعل أساسًا ! .
امسكت هنا بفستان والدتها تجذبها منه برقة حتى تتنبه لها هاتفة : 
_ مامي ! 
اخفضت جلنار نظرها لصغيرتها وانحنت عليها شبه جالسة  تهتف في حنو : 
_ نعم ياحياتي 
تعلقت برقبة والدتها تعانقها وتهتف في رقة طفولية جميلة وحب صافي : 
_ كل سنة وإنتي طيبة 
ضمتها جلنار لحضنها أكثر لاثمة شعرها وكل ما تطوله شفتيها من قطعة قلبها .. وقد أدمعت عيناها متأثرة بفطرة الأم تهمس في نبرة يغلب عليها البكاء : 
_ حبيبتي ربنا يخليكي ليا ياقلب ماما وميحرمنيش منك .. أنا كفاية عليا كل سنة وإنتي طيبة اللي من بنتي حبيبتي دي 
ابتعدت الصغيرة عن أمها وحدجتها مبتسمة ثم انحنت عليها تهمس في عفوية اضحكتها :
_ متعيطيش يامامي كدا الناس هيشفوكي 
رفعت جلنار أناملها لعيناها تجفف دموعها بحذر  حتى لا تفسد زينتها وحملت صغيرتها فوق ذراعيها وهي تلثمها بحب أمومي صادق .. كان عدنان يتابعهم بدفء فمال على صغيرته يقبّل وجنتها بحنان ثم يرتفع بشفتيه لزوجته يلثم شعرها بقبلة دافئة .. قبل أن يجذب انتباهه وجود أحد رجال الأعمال المقريبن منه جدًا يبتسم له ببشاشة ويشير له بالقدوم .. فبادله هو الابتسامة العذبة وانسحب بهدوء من جانب عائلته الصغيرة ليذهب لذلك الرجل ويتحدث معه .
 انتبهت جلنار لوالدها الذي يقترب منهم وفوق ثغره ابتسامة محبة وصافية .. لم تظهر أي ردة فعل فقط أنزلت صغيرتها من فوق ذراعيها وانتظرت حتى وصل إليها ووقف أمامها يهتف : 
_ كل سنة وإنتي طيبة ياحبيبتي 
مالت شفتي جلنار للجانب بابتسامة بسيطة تجيبه في خفوت وأدب : 
_ وحضرتك طيب يابابا 
رأته يخرج عبلة مستطيلة حمراء اللون ويمدها لها في ابتسامة دافئة .. فالتفطتها من يده وفتحتها لترى نوع الهدية لتجده عقد ملوكي فاخر لونه فضي و مرصع بالألماس .. يبدو أن الجميع يحاول ارضائها اليوم ! .. اتسعت ابتسامتها بتلقائية ورفعت نظرها لأبيها تهتف في ود : 
_ ميرسى يابابا جميل أوي 
قذفت الأمل في نفسه وهي تناديه بأبي من جديد .. لم يكن يحتاج لشيء آخر سوى أن يسمع أبي مرة أخرى منها وهاهو يسمعها .. لم يتمكن من حجب نفسه المتششوقة لابنته حيث اقترب وعانقها بحب مغمغمًا وهو يلثم شعرها بحنان أبوي :
_ ربنا يخليكي ليا يابنتي .. كفاية إني سمعت بابا منك تاني 
ابتعد عنها بعد لحظات قصيرة ورآها تبتسم له بصفاء .. لم تتحدث ولكن ابتسامتها كانت تكفيه ! ...
                                   ***
بعد ساعات طويلة نسبيًا وانتهاء الحفل وانصراف الجميع .. لم يتبقى سواهم حتى أن الصغيرة غطت في سبات عميق فحملها أبيها ووضعها بإحدى غرف المنزل الصغيرة بالأعلى .
عندما عاد لها وجدها تجلس فوق مقعد عالي قليلًا بدون ظهر وترفع رأسها للسماء تتأمل النجوم بشرود وابتسامة ساحرة تزين ثغرها الجميل .. فتحرك نحوها بتريث وجلس على المقعد المجاور لها دون أن يتحدث ليسمعها تقول بتساءل :
_ إنت طلعت " هنا " فوق ليه .. مش المفروض نرجع البيت خلاص ! 
لحظات معدودة وشعرت بملس أنامله فوق بشرة وجهها وكذلك شعرها وهو يهمس بخفوت جميل : 
_ لا ما أنا حابب ناخد يومين هنا ونسترجع الذكريات 
التفتت برأسها له وتمتمت بريبة : 
_ ذكريات !! .. احنا مقعدناش هنا غير سنة واحدة ياعدنان ! 
أمسك بكفها وتطلع في عيناها بعمق هامسًا في غرام : 
_ بنسبالي كانت أفضل سنة في علاقتنا .. كانت أول سنة لينا مع بعض وفترة حملك في " هنا " كانت كلها هنا .. بعد السنة دي علاقتنا بدأت تسوء بالتدريج .. يمكن مكنتش بداية حياتنا صح ولا جميلة بس كانت هادية .. ودلوقتي بما إننا هنبدأ من أول وجديد تاني حابب تكون هنا .. المرة دي هنبدأها صح .. بحبنا لبعض ! 
استمرت في التحديق به بعدم استيعاب لا تصدق تحوله الجذري وكلماته الحانية والمغرمة .. مما دفعها للابتسام بشكل لا إرداي تجيبه في شيء من الخبث : 
_ بس أنا مقولتش إني بحبك !! 
اعتدل في جلسته والتف فوق المقعد حتى يكون مواجهًا لها مباشرة ورد عليها غامزًا بعبث وهو يثبت نظره على عيناها : 
_ بس عيونك بتقول كدا 
ارتبكت من نظراته فاشاحت بوجهها سريعًا عنه تقول في توتر ملحوظ : 
_ بيتهيألك ! 
ضحك عليها في عدم حيلة من محاولات إنكارها البائسة لحبها له ، ثم استقام واقفًا ليجذبها من ذراعها هاتفًا بجدية : 
_ طيب تعالي يلا عشان اوريكي هدية عيد ميلادك 
غضنت حاجبيها باستغراب واستقامت معه تهتف مدهوشة وبثغر متسع : 
_ هو لسا في هدية بعد كل ده !!! 
غمز ورد عليها باسمًا : 
_ اللي عملته حاجة وهدية عيد ميلادك حاجة تاني 
اتسع ثغرها حتى أظهر عن أسنانها الناصعة وسارت بجواره لخارج المنزل بأكمله .. وبداخلها تتعجب السبب الذي يجعله يأخذها للخارج  ، فأي هدية تلك التي تنتظرهم بالخارج !! .
عندما خرجا وقع نظرها على سيارة حمراء فاخرة .. لفتت انتباهها فبقت تحدق بها بإعجاب ، تتفحصها بفم مبتسم ببساطة .. وكانت الصدمة التي لم تتوقعها عندما وجدته يرفع مفتاح السيارة أمامها ويقول بحنان جارف : 
_ تعيشي واجبلك يارمانتي 
نقلت نظرها بين المفتاح والسيارة بدهشة ، ثم تطلعت إليه اخيرًا  وهتفت : 
_ العربية دي ليا !!!! 
هز حاجبيه بإماءة بسيطة تؤكد سؤالها المتعجب .. فعادت هي بوجهها تحدق بالسيارة في صدمة لكل ما يفعله اليوم لأجلها ثم هتفت برقة ضاحكة : 
_ كتير أوي النهارده !! 
مال عليها يقبّل جانب ثغرها قبلة مطولة ثم يبتعد ويتمتم بصوته الذي ينسدل كالحرير ناعمًا : 
_ دي أقل حاجة اعملهالك ياحبيبتي 
اتسعت عيناها بتلقائية بعد آخر كلمة تفوه بها لتقول مبتسمة باستغراب : 
_ حبيبتك !! 
هزت رأسها بتفهم بعد أن قابلت الرد منه بالابتسام فقط في عينان عاشقة .. وضحكت بخفة في استحياء بسيط ثم اقتربت منه ولأول مرة تعانقه بكامل رغبتها .. كان عناق لطيف ورقيق مثلها تمامًا امتزج بهمسها الدافيء : 
_ متشكرة ياعدنان 
عناقها ترك أثرًا رائعًا في نفسه فلف هو الآخر ذراعيه حولها ليحول ذلك العناق من الرقة إلى القوة وهو يضمها إليه بتملك وشوق .. بعد دقيقة كاملة ابعدت رأسها عن كتفه ببطء لتتلاقى أنفاسهم ونظراتهم في لحظات كانت أشبه بسنوات .. كالعادة سقطت أسيرة حبها له فتجمد جسدها بين يديه وعيناها التصقت بخاصته بينما شفتيها فكانت تتنفس بعنف نتيجة عن زيادة نبضات قلبها المتلهف .
لم يكن حاله افضل منها .. صابه الوهن والشوق وأرسلت عينيها تعوذيتها السحرية فجعلته مغيبًا عن الواقع .. وعندما سقط نظره فوق شفتيها رفع الراية فلم يتمكن من الصمود أمامها أكثر من ذلك .. ارهقته لليالي وهو يحاول الحصول عليها لمرة واحدة وبكل مرة يزوره حظه السيء .. لكن الليلة سيحصل على ما ارهق لياليه البائسة ! .. مال عليها ببطء يستشعر وجود أي رفض أو نفور منها لكنها كانت مغيبة مثله .. مما دفعه للتقدم في خطوته بإطمئنان وثقة أكثر .. ويحالفه الحظ لأول مرة ويتمكن أخيرًا من الحصول على قبلته ! . 
لحظات معدودة كانت بمثابة ساعات لهم .. حتي استفاقت هي على غفلة وابتعدت فورًا عنه .. لم تتطلعه بغضب ككل مرة يحاول فيها الاقتراب منها لكن كانت نظراتها مدهوشة وخجلة بنفس ذات اللحظة وثانية بالضبط ووجدها تندفع للداخل مسرعة .
تعجب خجلها منه كأنهم مازالوا في أيام زواجهم الأولى .. لكنه اسعده وجعل الابتسامة ترتفع لشفتيه وهو يتنهد براحة وحب ماسحًا على شعره بكف يده وبالكف الآخر الذي يمسك به مفتاح السيارة اغلق عليه ووضعه بجيبه ثم سار للداخل يلحق بها في خطوات واسعة !  .
                                      ***
كان جالسًا فوق الأريكة عاريًا الصدر ويمسك بكفه كأس الڤوديكا خاصته يرفعه لفمه يرتشفه كله دفعة ثم يعود ويملأه من جديد .. وأيدي ناعمة كانت تملس على صدره برقة وغنج .. تجلس بجواره مرتدية ثوب نوم فاضح لا يخفي سوى القليل من جسدها .
أتاه صوتها المتذمر وهو تهتف : 
_ وبعدين يارائد في اللي اسمها زينة دي !! 
رد عليها في عدم مبالاة : 
_ مالها ؟
ردت الأخرى بعصبية وغيرة : 
_ نهارك أسود لو كنت حبيتها بجد ! 
انتصب في جلستها وهتف لها بحدة : 
_ في إيه يابت ما تظبطي .. بعدين حبيتها إيه وكلام فارغ إيه .. أنا مستنيها تثق فيا كويس وبعدين هخليها تمضي على الورق واسيبها تغور في داهية بعد كدا 
_ وهتخليها تمضي إزاي بقى ؟! 
رائد بحزم :
_ مش شغلتك ! 
رمقته بطرف عيناها في غيظ لتعقد ذراعيها أسفل صدره وتشيح بوجهها للجهة الأخرى عنه زامة شفتيها بتهكم !! ...
                                    ***
بصباح اليوم التالي داخل المستشفى ......
_ ليه خبيتي عليا يامهرة !!! 
كان سؤالًا حزينًا يحمل بعض الخزي من فوزية الممدة فوق فراشها توجهه إلى حفيدتها الجالسة بجوارها .
تنهدت مهرة وقالت بعبوس وندم :
_ كنت هقولك ياتيتا طبعًا والله بس كنت خايفة من ردة فعلك وإنك تتعبي وده فعلًا اللي حصل لما عرفتي كنتي هتروحي مني 
فوزية ببعض الغضب والمعاتبة :
_ لما اسمع منك غير لما اسمع من الغريب ويقولي بنت ابنك سمعتها بقت في الأرض والمنطقة كلها تبقى عارفة معادا أنا .. ده اللي قهرني يامهرة ! 
تلألأت عيني مهرة بالدموع ثم مدت يدها تملس فوق كف جدتها متمتمة في رجاء : 
_ أنا آسفة سامحيني ياتيتا .. عارفة إني غلطانة وكان لازم اقولك بنفسي بس كنت خايفة عليكي والله 
فوزية بجدية : 
_ هو فينه اللي ميتسمى ريشا ده دلوقتي ! 
مهرة بتلقائية وعفوية : 
_ معرفش هرب والبوليس لسا ممسكهوش .. أنا لولا آدم وسهيلة الله اعلم كان ممكن يعمل فيا إيه 
تتفست فوزية الصعداء براحة وقالت بلهجة شاكرة ومطمئنة : 
_ الحمدلله يابنتي .. بس ورحمة أبوكي ما أنا سايبة الولية العايبة أمه دي .. نرجع بس المنطقة وشوفي هعمل فيها إيه 
هدرت مهرة مسرعة تردع جدتها عن أفكارها العدائية في الثأر لها : 
_ لا يازوزا بالله عليكي متدخليش في حاجة خالص إنتي لسا تعبانة وأنا ما صدقت مش هستحمل لو تعبتي تاني .. وبعدين آدم قالي إنه متابع الموضوع وأول ما يمسكوه هيقولي 
رفعت فوزية حاجبها باستغراب وأعين تحمل الشك واللؤم .. لتجيب على حفيدتها : 
_ هو  إيه حكاية اللي اسمه آدم ده .. في كل كلمة تلزقي اسمه كدا !!
تجمدت معالم وجهها بدهشة من رد جدتها .. وسرعان ما اعتلت معالمها التوتر البسيط والخجل تجيبها مسرعة محاولة تفادي الأمر وإنقاذ نفسها : 
_ أنا !!!! ..لا أبدًا وهجيب اسمه دايمًا ليه يعني .. ده على سبيل كلامنا بقولك اللي حصل  يعني .. هههه أما إنتي عجيبة بصحيح يازوزا ! 
رمقتها بنصف عين وردت بمكر :
_ أنا برضوا اللي عجيبة !!! 
لجأت للعبث والمزاح حتى تتهرب من محاصرة جدتها وهتفت ضاحكة تتصنع القرف منه : 
_ يازوزا إنتي مش فاهمة حاجة .. هو صحيح جدع ووقف جمبي يشكر يعني .. بس تعرفي كئيب يعني بيشلني أساسًا .. ولا عليه برود ياختاااي تلاجة .. وكله كوم ورأسه الناشفة كوم تاني ترميها في الحيطة ترجعلك تاني و....
قاطعتها فوزية متنهدة بأسى وهدرت :
_ مهرة .. أنا اللي مربياكي ياهبلة يعني لو عرفتي تلفي وتدوري على الكل عندي أنا متعرفيش .. عنيكي فضحاكي وبتقول كل حاجة
اشاحت بنظراتها عن جدتها في عفوية واضطراب .. تحاول إخفاء أمر مفروغ منه .. فكما أخبرتها عيناها باتت تتحدث بالنيابة عنها .. أدركت أن لا مفر من ذلك النقاش سوى المغادرة فاستقامت واقفة تقول مبتسمة بارتباك :
_ أنا هروح الحمام 
التفتت وهمت بالانصراف لكن فوزية قبضت على رسغها تمنعها من التقدم هاتفة بصوت هاديء وجاد : 
_ بلاش يابنتي .. ده مش مننا .. الفرق بينكم زي السما والأرض .. مش هتجني حاجة غير وجع القلب .. عيشتهم متنفعش معانا ومش هيرحموكي 
صوبت فوزية كلماتها بالصميم تمامًا وتسمرت مهرة على أثر ما سمعته بدهشة ويأس .. لكنها التفتت برأسها وتمتمت في ثقة وعينان تائهة : 
_ بس آدم مش كدا ياتيتا !!
هزت فوزية رأسها بيأس فهمها حاولت الشرح لن تفهم .. واكتفت بجملتها المشفقة والحزينة : 
_ ده الواقع واللي بيحصل يابنتي .. اسمعي وخدي نصيحتي بلاش تدخلي قلبك في حرب ممكن تخرجي منها مهزومة 
تجمعت العبارات في عيناها ببؤس .. هل تريد منها التخلي بعدما عثرت أخيرًا على طوق نجاتها .. ليتها لم تقابله .. ليتها لم تسقط أسيرة حبه !!! .
                                     ***
كانت تحتسي شرابها الصباحي بحديقة المنزل .. عندما رأت فاطمة تتجه نحوها بخطوات هادئة حتى وصلت إليها وجلست بجوارها تهتف في ود : 
_ صباح الخير يا نادين 
وضعت كوب اللبن أمامها والتفتت تجيب على فاطمة بابتسامة واسعة : 
_ صباح النور 
ابتسمت فاطمة وسكنت للحظات طويلة نسبيًا حتى تمتمت يترقب : 
_ هااا فكرتي ولا ولسا ياحبيبتي ؟ 
توردت وجنتيها بخجل .. وهيمن عليها السكون لبرهة من الوقت حتى ردت بخفوت ورقة دون أن تنظر لها : 
_ فكرت وموافقة 
تهللت أسارير فاطمة التي عانقتها بقوة من فرط سعادتها .. وعلى الجانب الآخر كان حاتم في طريقه للخروج من المنزل ولكن قبل أن يخرج التقطت أذاناه جملتها الأخيرة لتنفرج شفتيه على أخرهم في سعادة لا تقل عن خالته بشيء ! .
بقى مكانه واقفًا حتى شعر بخطوات نادين تقترب من باب المنزل .. فتخفى خلف الباب وبمجرد دخولها التقطها بذراعه وجذبها إليه مبتسمًا باتساع ويغمغم غامزًا :
_ اظن كدا ملكيش حجة لو اتصلت بالمأذون عشان يجي الليلة 
شهقت بصدمة وأجابته : 
_ شو الليلة !! .. لا بكير كتير الليلة يعني انطر يومين أو هيك شيء 
احتدمت نظراته ليجيبها في غيظ وحدة : 
_ هو إيه ده اللي انطر يومين .. ده أنا اللي هنطرك برا  والله .. المأذون الليلة هيجي وهنكتب الكتاب .. مش كفاية الفرح هنستنى لما يرجع خالك من السفر 
زمت شفتيها للأمام تقول بعبوس : 
_ أي بس كنت حابة خالي يكون معنا بيوم كتب الكتاب 
حاتم بلطف : 
_ وأنا والله كنت حابب كدا يانادين بس خالك لسا مش هيرجع دلوقتي وأنا مش قادر اصبر الصراحة .. وبعدين أنا كلمته والراجل مكنش عنده مشكلة نكتب كتب الكتاب لغاية ما يرجع ونعمل الفرح 
_وافق مشان بيحبك وبيثق فيك بس مش اكتر 
ضحك ورد عليها بتعجب : 
_ وهي دي حاجة وحشة يعني !! 
رفعت حاجبها اليسار وقالت بتحذير جميل ونظرات شرسة : 
_ أي يعني بقصد ما تحاول تستفرد بيا بعد الزواج 
أشار بسبابته إلى نفسه يتصنع الدهشة والبراءة ويجيب : 
_ أنا استفرد بيكي !!!! .. إنتي تعرفي عني كدا يانادين ! .. ده أنا ملاك 
كتمت ابتسامتها وابتعدت عنه ببطء تهتف في خبث مماثل له : 
_ قناع الملاك هاد بتلبسوا قدام حدا غيري هااا 
انحنى قليلًا للأمام يمد يديه لخصرها يدغدغها بمداعبة وهو يضحك : 
_ ياواد ياشقى يافاهمني إنت 
انتفضت مبتعدة عنه في خجل وحدجته شزرًا تتوعد له قبل أن تستدير وتنصرف وهي تبتسم بعدم حيلة ! .
                                     ***
عيناها عالقة على وعاء تسخين اللبن الموضوع فوق النيران .. تتابعه بعيناها في تركيز لكي تطفأ مفتاح النار باللحظة المناسبة .. لكن قذفت بذهنها فجأة قبلته لها بالأمس .. شردت وهي تبتسم وإذا بها تتشنج ملامحها وتهتف معنفة نفسها بغيظ : 
_ غبية مكنش ينفع تضعفي قدامه .. حتى لو بداتي تسامحيه مكنش لازم تسمحيله يقرب منك بسهولة .. دلوقتي اكيد هيفهم إني سامحته .. وهيفهم إنك بتحبيه عشان كدا ضعفتي !! .. 
سكتت لوهلة وارتخت عضلات وجهها لتكمل بلين بسيط : 
_ ماشي أنا فعلًا بحبه للأسف .. بس برضوا ......
انطلقت منها شهقة مرتفعة عندما شعرت بجسده الضخم والصلب يلتصق بظهرها ويمد ذراعه لمفتاح النار حتى يغلقه هامسًا بعبث ماكر : 
_ اللبن فار ! 
لم تكن تمتلك اللحظة لتفكر هل سمع كلماتها أم لا حتى باغتها هو بقبلته فوق وجنتها من الخلف متمتمًا في غرام ولؤم : 
_ وأنا كمان بحبه أوي 
اتسعت عيناها ونزل فكها لأسفل في صدمة ، لكن سرعان ما تداركت الموقف لتلتفت له وتهتف مسرعة : 
_ اللبن ! 
أجابها مبتسمًا بحاجب مرفوع : 
_ماله ! 
ازدردت ريقها بتوتر وتابعت تصحح ما سمعه ولكن هيهات فقد فات الآوان : 
_ بحبه يعني  .. كان قصدي عليه على فكرة ! 
مال بوجهه للجانب الآخر يبتسم بتلذذ ويرفع أنامله يحك لحيته ثم يعتدل برأسه ويقترب منها بتريث .. أخذت تتراجع للخلف لا إراديًا حتى اصطدمت بالمطبخ وتوقفت فمالت برأسها للخلف وهو يميل عليها مبتسمًا ويجيب بلؤم مدروس : 
_ طيب ما أنا كمان كان قصدي عليه .. إنتي فهمتي إيه !!!
تجمدت معالم وجهها وأصبحت أكثر حدة حيث رفعت حاجبها مستنكرة رده المتعمد .. لتضع ذراعيها فوق صدره وتدفعه برفق للخلف هاتفة في جدية : 
_ على فكرة أنا مقولتش إني سامحتك .. قولت هديك فرصة بس .. يعني متتعودش إنك تتقرب مني كتير 
رأت الابتسامة تختفي من فوق ثغره تدريجيًا ويحلل محلها الانزعاج والحنق .. فابتعد عنها تمامًا وهتف : 
_ مفيش فايدة ياجلنار صح ! 
أصدر زفيرًا حارًا قبل أن يستدير ويهم بالانصراف لكنها هتفت مسرعة في ضيق من نفسها : 
_ رايح فين ؟ 
عدنان بخشونة : 
_ رايح المكتب لو عوزتوا حاجة اتصلي بيا 
بمجرد رحيله من المطبخ تأففت هي بغضب وضربت كف يدها فوق الرخام في غيظ .. ثم اندفعت للخارج تلحق به هاتفة : 
_ عــدنـان 
توقف أمام باب المنزل والتفت لها بسكون حتى وجدها تقف أمامه وتقول بعبوس ورقة : 
_ متزعلش مكنش قصدي كدا ! 
رغم خنقه وضيقه إلا أن اهتمامها بانزعاجه من عدمه أسعده بعض الشيء .. فابتسم لها بلطف ورفع كفه يضعه فوق وجنتيها ويملس بإبهامه في حنو متمتمًا : 
_ مش زعلان .. ارجعي يلا كملي تحضير الفطار عشان تفطري إنتي وهنا 
_ وإنت !! .. مش هتفطر معانا ؟! 
أجابها بصوت طبيعي : 
_ لا مستعجل 
اكتفت بإماءتها العابسة بينما هو فالتفت وفتح الباب ثم انصرف وتركها تقف تلوم نفسها على ما قالته .. لم يكن ينبغي عليها أن تقول هكذا .. هي تعلم جيدًا أنه ينزعج كثيرًا حين تبدي نفورها من اقترابه أو لمساته حتى لو كان نفور مزيف نابع عن تدللها !! .
                                   ***
داخل مكتب عدنان بمقر الشركة كان يجلس آدم بانتظاره على الأريكة .. وبين أنامله يمسك بعقدها الفضي يمعن النظر به في شرود .. لا يعرف ما سبب احتفاظه بالعقد حتى الآن معه لكنه كلما يراه يتذكرها بشكل تلقائي .. تقذف صورتها في ذهنه وهي تضحك وتمزح كعادتها .. فيبتسم لا إردايًا .. لكن تلاشت ابتسامته ولمعت عيناه بوميض غريب حين تذكر الأيام الأخيرة بالمستشفى معها .. رأى جانب مختلف وجديد لم يكن يتوقعه أبدًا .. نظراتها التائهة والواهنة وتعلقها به كأنه الضوء الوحيد وسط ظلامها .. لا يزال أثر عناقها له في كل مرة ترتمي فيها عليه وتتعلق برقبته موجودًا .. يثير في نفسه مشاعر مضطربة ومختلفة ! .
انتشله من شروده دخول أخيه الغرفة .. فأسرع فورًا وأخفى العقد في جيبه بينما عدنان فرمقه باستغراب وغمغم : 
_ انت قاعد هنا ليه !!! 
تنهد آدم بقوة وهتف : 
_مستنيك 
سار عدنان باتجاه مقعده الخاص وجلس فوقه يجيب على أخيه : 
_ خير ؟!
انتصب آدم في جلسته وهدر بجدية : 
_ عملت إيه في نادر ؟! 
تجاهل سؤال أخيه كأنه لم يسمعه مما أزعج آدم الذي وقف واقترب منه يهتف في حزم : 
_ عدنان اللي إنت بتعمله ده مينفعش .. صدقني ممكن تتهور وتعمل فيه حاجة .. إنت معاك بنتك ومراتك محتاجينك .. كلم أحمد وهو هيتصرف معاه وهياخد جزائه كامل في السجن 
عدنان بانفعال بسيط : 
_ آدم أنا لسا ناري مهديتش ومش هتهدي بس على الأقل هخليها ترتاح شوية وأنا شايفه بيتعذب قدامي وبيتمنى الموت 
آدم في عصبية : 
_ غلط إنت كدا بتزيد النار مش بتطفيها .. طول ما هو قدامك هيفكرك باللي عملته فريدة والجروح اللي بدأت تلتئم هترجع تنزف من تاني 
حدجه عدنان مطولًا في نظرات مميتة قبل أن يقول بصوت خالي من المشاعر كأنه لا يملك قلب :
_ الكلام ده لما يكون قلبي اللي مجروح لكن أنا جروحي مختلفة مبتنزفش ولا بتلتئم .. هتفضل مفتوحة دايمًا 
هدأت ملامح آدم الغاضبة وحل محلها الألم والحزن لأخيه  .. ثم أصدر تنهيدة حارة وقال في غلظة : 
_ أنا آسف بس مش هقدر اشوفك بتضيع نفسك واقف اتفرج 
 القى بجملته الحادة واستدار بعدها فورًا ليبتعد ويرحل تاركًا الغرفة بأكملها .. بينما عدنان فتأفف بصوت مرتفع وغضب هادر دافنًا رأسه بين كفيه في نفاذ صبر .. يشعر وكأنه كل شيء من حوله يتسابق في كسره وتعكير مزاجه وأذيته ! .
                                   ***
أجابت أسمهان على الهاتف في حدة : 
_ هااا ياليلى مفيش أخبار ؟
قالت ليلى بخفوت حتى لا يصل صوتها لأحد :
_ من وقت تعب جدتها ومش بتيجي الشركة واللي عرفته إن جدتها طلعت من المستشفى امبارح بس هي مجاتش النهارده برضوا 
هزت أسمهان رأسها بتفهم وبعينان نارية متوعدة غمغمت : 
_ هتعرفيلي كل حاجة عن البنت دي يا ليلى .. اسمها وبيتها ومين أهلها .. عايزة اعرف كل حاجة عنها 
ليلى بإيجاب : 
_ حاضر يومين بالظبط وهجبلك كل التفاصيل عنها 
انزلت أسمهان الهاتف من فوق أذنها بعد جملة ليلى وأغلقت الاتصال لتقول بوعيد ونظرات شيطانية : 
_ لا يمكن اسمح بالمهزلة اللي بتحصل دي ..واسبب ابني لواحدة بيئة وحقيرة زي دي ! 
                                    ***
بتمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل.......
فتح باب المنزل بهدوء ودخل .. كان السكون يهيمن على المنزل بأكمله كعادة كل ليلة .. فقاد خطواته القوية تجاه الدرج ليصعد إلى الطابق الثاني .. كان وجهه جامدًا خاليًا من المشاعر وقد توقع أنه سيجدها نائمة لكن عند وصوله أمام الباب سمع صوتها تتحدث بالهاتف مع الخالة انتصار .. وحديثها جذب انتباهه فجعله يقف بالخارج يستمع لما تقوله بصدمة !! .
_ لا لسا ميعرفش حاجة يادادا ! 
هتفت انتصار في حزم وجدية : 
_ لازم تقوليلوا ياجلنار .. مينفعش تخبي عليه أكتر من كدا كفاية إنك مخبية عنه ليكي سنة ! 
تنهدت جلنار بأسى وهتفت في ألم : 
_ هقوله يادادا .. بس مش عارفة ردة فعله هتكون إزاي لما يعرف إني كنت حامل وكنت هنزل الولد 
 .......... نهاية الفصل ..........


لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا
لقراءة باقي حلقات الرواية اضغط على (رواية امرأة العقاب
google-playkhamsatmostaqltradent