قصة كيف تكبر (كاملة) سلسبيل أحمد إبراهيم

 قصة كيف تكبر (كاملة) سلسبيل أحمد إبراهيم

قصة كيف تكبر (كاملة) سلسبيل أحمد إبراهيم


قصة كَيف نَكْبُر لـ سلسبيل أحمد

ناردين؛ طفلة في السابعة من عمرها يدور بينها وبين أمها صفية امرأة الثلاثين ربيع الحوار التالي في منزل                                                      متواضع في إحدى أحياء القاهرة.                             

_مرحبًا أمي لقد عدت من المدرسة توًا، اشتقت إليكِ..، أمي أين الطعام؟ أنا جائعة!.
ترد عليها الأم بنبرة حانية قائلة
_ على رسلك عزيزتي!، أولًا اشتقت لك أكثر من اشتيقاك إليّ، وثانيًا أهلا بعودتكِ، وثالثًا لا طعام قبل أن تقصّي عليّ ما حدث في يومك الدراسي.    
_ناردين: كالعادة يا أمي..
ثم أضافت بنبرة يملؤها الحماس والألفة بينما ذهبت تجلس تحت أقدام أمها الجالسة على مقعد خشبي تطالع الجريدة اليومية
  _أمي أتدرين ما حدث اليوم؟ كنا نحضر حصة ثقافية فقصّت لنا المعلمة قصّة عن فضل الوالدين على أبنائهم وحقهما وكيف أن الله قد حثّ على رعايتهما وحسن معاملتهما في كتابه الكريم وكيف أن النبي قد حثّ على رعايتهم والإحسان إليهما كذلك، ثم بعد أن أطلعتنا المعلمة على أهمية إحسان معاملة الوالدين وكيف اختصهما الله جّل علاه ورسوله بكمال الرعاية سألت المعلمة عن رأي كلٍ مِنّا في سر هذا الاختصاص والعناية الربّانية بالوالدين، فقالت إحدى زميلاتي: لما يتحملاه من مشقة لأجل أبنائهم، وقالت أخرى لأنهم يرعيان أبنائهما صغارًا فوجب على الأبناء إذا كبروا أن يقدموا لوالديهم الراعية ذاتها، وقالت إحداهن لما لهم من دور بالغ الأهمية في تكوين شخصيات أبنائهم، فلم أفهم يا أمي ما هذا الدور بالغ الأهمية الذي يقوم به الوالدان فيما يتعلق بتكوين شخصية الأبناء حتّى يختصهم الله ورسوله بهذه العناية والمكانة السامية والفضل البالغ!، يا أمي لقد قدرهما الله في كتابه حق التقدير فكيف ينالان هذا الفضل فقط لدورهما في تكوين شخصية أبنائهم؟.
أجابت الأم بنبرة حكيمة حانية قاصدة إضفاء علمها على إبنتها العزيزة حتّى تتعلم.
_ عزيزتي دعيني أقصّ عليكِ حكاية قد عايشتها بنفسي ورأيت خلالها أنموذج هام يوضح جانبًا هامًا فيما يتعلق بدور الوالدين في تكوين شخصيات أبنائهم، فهل مستعدة لتستمعي لتلك الحكاية الآن؟.
ترد عليها طفلتها بالقبول في هدوء وشوق لسماع الحكاية بالغين، ومن ثَم ملأت صدرها بالهواء وزفرته في تطلع بالغ للحكاية
_الأم: عندما كنت في مثل عمرك كنت على معرفة بصديقتين، إحداهما تكبر الأخرى بعامين، أما الصغيرة فكانت انطوائية قليلة الكلام قليلة التبسم ولم تحظى بحب الكثيرين لا ممن في ذات عمرها ولا ممن يكبرونها حتى بخمسون عام!، وأما الكبيرة فكانت مرحة كثيرة التبسم وتحب إلقاء النّكات وسريعة الاعتياد على الغرباء وجيدة في اكتساب العلاقات، وخلال إحدى مراحل حياتهن تعرضن الإثنتين للنقد والنبذ من قِبل المجتمع، فماذا حدث؟.
أردفت الطفلة بسرعة قائلة:
_ لا أدري يا أمي لكن أقلق حيال الفتاة المنطوية! أظنها أصبحت أكثر انطوائية وربما حتى تخاف من مواجهة الناس!.
ساد الصمت لحظات تتذكر خلالها الأم ما حدث للفتاتين ثم قالت:
_ دعيني أكمل لك ما حدث، أما الفتاة الكبيرة فقد تلقت الدعم من أصدقائها مرّات ومرّات، أحيانًا يفلح هذا الدعم وأحيانًا لا يفلح، تضحك تارة وتبكي بين أحضان إحدى صديقاتها تارة أُخرى، تارة تُهزم أمام الحياة وتارة تنتصر حتّى تغلّبت على أصوات النقد جميعها وانتصرت على نبذ المجتمع لها فعاد الجميع يحبونها كما قبل، وأما الصغيرة فلم يكن لها صديقة تواسيها أوتتمكن من البكاء بين أحضانها ولم تجد ولو عابرًا واحدًا يربط على كتفها ويخبرها أنها جميلة أو أنها تستحق الحب كسائر الخَلق، وتتابعت الأيام وبينما كلٍ منهما تحاول تضميد جراحها تفرّقن ولم يعودا صديقتين.
أردفت الطفلة بحزن تقول:
_ إذن قد خسرت الفتاة الأصغر صديقتها التي ليس لها أصدقاء غيرها فأصبحت وحيدة تمامًا بينما الأخرى تمضي في حياتها وتكتسب صديقة تلو الأُخرى!؟.
ثم ساد الصمت من جديد حتّى قطعته الصغيرة بسؤال تقول: 
_ بحقك يا أمي ألم يعودا صديقتين مرة أُخرى!، ألم يتقابلا حتّى!.
وحينها ردت الأم ونبرة الحزن في صوتها واضحة وضوح الشمس إذا بزغت
_ بلى، بلى يا عزيزتي تقابلا، تقابلا بعد سنوات طوال في عيادة طبيبة نفسية، كانت الصغيرة ناقدة أدبية معروفة وتزور صديقتها الطبيبة حينها، بينما الأخرى تبكي بشدة تطلب مساعدة الطبيبة لتنجو من كل شيء آلمها في طفولتها ولم تتخطّاه حتّى بعد مرور سنوات طوال..، ألا يثير الأمر عقلك؟ ألا تتعجبين منه؟.
_ناردين: بلى يا أمي!، كيف يعقل أن يحدث مثل هذا الشيء؟!!.
بدأت معالم الحسرة والألم والشفقة يرتسمان على وجه الأم بينما أخدت تجيب أبنتها
_ بل يُعقل عزيزتي، بينما كانت الصغيرة لا تجد صديقة ولا عابر يدعمها كانت تتلقى كامل العناية والدعم من والديها، تحنو عليها الأم وتمسح بيديها الحنونتين بكاء طفلتها، ويأتي الأب ليخبرها أنه معها وأنها بخير وأنها لا تحتاج للغرباء وأنها لا يجب أن تصدق أقوال الغرباء لأنهم لا يعرفونها حقّ المعرفة ويبرهن لها بالفعل أنه إلى جانبها دومًا، وعندما كانت الكبيرة تبكي بين أحضان صديقتها كانت تفتقد حنان أمها المتوفاة، وعندما كانت تتلقى الدعم من العابرين والمقربين كانت في أمسّ الحاجة لدعم والدها المنشغل عنها دائما بحجة العمل ولم تجد هذا الدعم، وبينما كانت الصغيرة تجتهد وتنضج وتحاول تغيير مفاهيم المجتمع الخاطئة وتناضل لأجل نصرة المظلومين كانت الكبيرة تسعى لتنال إعجاب الناس بكل طريقة ممكنة، فتارة تهين أناس أبرياء لتكسب ود المترفين من القوم وتارة تتخلى عن مبدائها لتكسب صداقة إحداهن وهكذا تمضي في حياتها حتّى وصلت مشتتة تبكي على أعتاب عيادة الطبيبة، فهكذا يؤثر الوالدان في حياة أبنائهم وتكوين شخصياتهم يا بُنيتي، فالصغيرة التي تناضل لنصرة المظلومين فعلت هذا لأنها آمنت بالعدالة ووجوب انتصارها كما نصرها والديها وعلّماها أن تواجه الظلم ولا تقف أمامه عاجزة، والكبيرة التي اعتادت أن تجد الرضى عن نفسها في عيون الناس اعتادت فعل هذا لأنها لم تجد والدين يعلمانها كيف تبني شخصيتها ومبادئها وفلسفتها في الحياة بنفسها وإنما وجدت أيادي غريبة تمتد لتواسيها فشعرت أنها لا شيء دون هذه الأيدي وهكذا سعت دومًا لاكتساب دعم أيادي أكثر والمحافظة عليها بكل ما تملك من حيلة!...، قد تكون الأم على قيد الحياة يا بُنيتي لكن غياب دورها في حياة أبنائها سواء أكانوا إناثًا أو ذكورًا يؤدي للنتيجة ذاتها، وقد يكون الأب متفرغ جدًا لكن لا يجد وقتًا لأولاده فنصل للنتيجة ذاتها أيضًا..،والآن يجب أن ألفت انتباهك لشيء هام يا عزيزتي الصغيرة هو أن هذا الدور الهام الذي يلعبه الآباء في حياة أبنائهم ليس السبب الوحيد وراء اختصاص الله عزّ وجلّ للوالدين ببالغ الرعاية والاهتمام وتناول القرآن الكريم للقضايا التي تخصّ الوالدان ببالغ اللطف، وإنما هو إحدى ادوارهم وأفضالهم؛ إحداها فقط وليس جميعها يا عزيزتي، فإذا غفل الآباء عن هذا الدور لم يسقط عن الأبناء حق الوالدين في الرعاية وحسن المعاملة.
أضافت الصغيرة سؤالًا آخر يشغل عقلها ويملأها حيرة فقالت
_ هلّا تخبرينني يا أمي ما حدث للفتاة الأكبر في نهاية المطاف؟، هل ستبقى هكذا للأبد؟، أقصد ألن تتغير للأفضل وتزدهر كما الأخرى!؟.
فأجابت الأم في هدوء
_كلّا عزيزتي لم تبقى هذه الفتاة على حالها وإنما قررت أن تمضي قدمًا وتغيّر حياتها للأفضل وتتخطّى ماضيها وألّا تدعه يؤثر عليها ثانية أبدًا.

  

تمّت بحمدالله

google-playkhamsatmostaqltradent