رواية امرأة العقاب الفصل الثالث عشر 13 بقلم ندى محمود توفيق

 رواية امرأة العقاب الفصل الثالث عشر 13 بقلم ندى محمود توفيق

رواية امرأة العقاب البارت الثالث عشر

رواية امرأة العقاب الجزء الثالث عشر

رواية امرأة العقاب الفصل الثالث عشر 13 بقلم ندى محمود توفيق


رواية امرأة العقاب الحلقة الثالثة عشر


_ ماما هو احنا ليه مشينا ؟!
كان سؤال متذمر من " هنا " التي تجلس بجوار أمها في السيارة منذ وقت طويل وهي تقود بهم .
ردت عليها جلنار دون أن تحيد بنظرها عن السيارة التي تلحق بها أمامها :
_ هنرجع تاني ياحبيبتي متقلقيش
كانت فريدة قد استقلت بسيارتها الخاصة بها وانطلقت بسرعة ، فاستقلت جلنار أيضًا بسيارتها هي وابنتها ولحقت بها دون أن تلاحظ مراقبتها لها خلال الطريق .
بعد وقت طويل من القيادة .. توقفت سيارة فريدة أخيرًا أمام إحدى البنايات الجميلة بأحد المناطق الراقية وترجلت من سيارتها ، قادت خطواتها إلى بوابة البناية وكان الحارس يجلس على مقعده الخاص أمام البناية وبمجرد رؤيته لها توقف والقى عليها التحية في وجه سمح ، مما أكد لجلنار أنها ليست المرة الأولى التي تزور بها هذه البناية ويبدو أن تتردد كثيرًا لهنا .

انتظرت حتى دخلت واستقلت بالمصعد الكهربائي واختفت عن انظارها ، فالتقطت شالًا من نفس لون فستانها ووضعته على أكتافها ثم انحنت على ابنتها وغمغمت بحنو :
_ خليكي هنا يا ماما أنا هروح عند عمو اللي واقف هناك ده وهرجعلك علطول .. متتحركيش من العربية
هزت هنا رأسها بالموافقة وتمتمت :
_ حاضر

فتحت جلنار باب السيارة ونزلت ثم عبرت الطريق متجهة إلى البناية ، وعند وصولها وقفت أمام الحارس الذي طالعها بنظرة متفحصة بسبب فستانها وهيئتها التي توحي بأنها قادمة من إحدى الحفلات الصباحية .

_ اؤمري ياست هانم .. اقدر اساعدك في إيه !
هتفت جلنار بنظرة دقيقة :
_ هي اللي طلعت دلوقتي دي طالعة لمين ؟
_ قصدك فريدة هانم
_ أيوة
نزل بنظره إليها وبنظرته الخبيرة فهم أنها من الطبقة المخملية ، فقال بنظرة لئيمة رافضًا :
_ آسف ياست هانم بس مقدرش افيدك بحاجة
اطالت جلنار التحديق به حتى توقعت ما يرمي إليه بنظراته اللئيمة ، فمدت يدها في حقيبة يدها وأخرجت نقود .. ثم وضعتها في يده بنظرة مشتعلة .. تفحص النقود وتحقق من عددها بعين لامعة ثم رفع نظره لها وقال مبتسمًا :
_ طلعت لواحد اسمه نادر المصري
ظهر الذهول على محياها فور سماعها لاسم نادر ، وبقت للحظات تحدق بالرجل في عدم فهم ثم سألت بترقب لإجابته :
_ طيب متعرفش طلعت عنده ليه ؟
رمقها بنظرة جانبية تشبه السابقة وقال :
_ معرفش
تأففت جلنار بغيظ ووضعت يدها في حقيبتها مرة أخرى وأخرجت مبلغ أكثر من السابق وقالت بحدة وهي تضعه بيده :
_امسك .. اتكلم يلا !
ابتسم الرجل بسعادة من النقود وقال بنظرة ماكرة :
_ هو أنا مش متأكد بس تقريبا في حاجة مش ولابد بينهم ، عشان دايمًا كل ما تطلع عنده ، الأستاذ نادر بيرن عليا ويقولي لو جه أي حد وسأل عليه اقوله إنه مش موجود في شقته وإني مطلعش اخبط عليه لأي سبب كان

اتسعت عيني جلنار بصدمة مما سمعته للتو ، هل يعقل إن يكون ما يدور بذهنها الآن حقيقي ، وأنها تخون عدنان ! .
طرحت السؤال الثالث في ملامح وجه واضح عليها عدم الاستيعاب :
_ طيب هي بتيجي كل قد إيه أو كام مرة جات قبل كدا

_ مفيش وقت محدد يعني ممكن في أي وقت تيجي .. أما بتيجي من إمتي فده من ساعة ما انتقل الاستاذ نادر لهنا يعني من حوالي سنة واكتر وهي بتيجي عنده ، الله اعلم بقى لما كان في شقته القديمة كانت بتروحله ولا لا
ردت جلنار بصدمة أكثر :
_ من سنة !!!
هتف الرجل في فضول ونظرة ضيقة :
_ هو حضرتك تعرفي نادر بيه وفريدة هانم ولا إيه ياست الكل ؟
شردت جلنار لثواني وهي تحاول استيعاب ما عرفته ، لكنها استفاقت من شرودها على أثر صوته وردت عليه بنظرة تائهة :
_ هااا .. لا كانوا معرفة قديمة
همت بالاستدارة والمغادرة لكنها توقفت وأخرجت من حقيبتها نقودًا أخرى واعطتها له هاتفة بنظرة قوية :
_ متجبش سيرة إن في حد جه وسأل عليهم .. اعتبرني مجيتش أساسًا
ثم استدارت مجددًا وعادت إلى سيارتها ، ثم استقلت بمقعدها ونزعت الشال عنها فهتفت " هنا " بتساءل بعدما وجدت أمها بدأت بالقيادة مرة أخرى :
_ هنرجع لبابي وعمو آدم ياماما
جلنار بتنهيدة حارة :
_ هنرجع ياحبيبتي .. هنرجع لبابي

***
ارتفع صوت رنين هاتفه في جيب بنطاله .. فأخرجه وابتعد عن الحشد قليلًا ليجيب بصوت أجشَّ :
_ أيوة ياصابر
رد عليه الآخر ببعض الاضطراب البسيط :
_ فريدة هانم طلعت من المعرض من حوالي نص ساعة وأنا كنت وراها زي ما حضرتك أمرت .. بس جلنار هانم كمان طلعت وراها فورًا وكانت بتراقبها تقريبًا
التفت عدنان برأسه في أرجاء المكان ينقل عيناه بين الجميع فلاحظ عدم وجود جلنار وابنته بالفعل ، أجاب على الهاتف بصوت غليظ :
_ طيب ووصلوا لفين ؟
هنا ظهر الخوف في نبرة صابر الذي هتف معتذرًا :
_ للأسف ياباشا .. الطريق كانت زحمة أوي وفجأة ملقيتش لا عربية فريدة هانم ولا جلنار هانم ، ومعرفتش ارقبهم لآخر الطريق
أغلق عدنان عيناه في محاولة منه لتمالك أعصابه حتى لا يفقدها على ذلك الأحمق ، وقال بصوت محتقن وبه لمسة مخيفة :
_ إنت غبي ، أمال أنا حاطك تراقبها ليه .. عشاني تيجي وتقولي الكلمتين دول !!
التزم الآخر الصمت خشية من الرد فيجد ما لن يعجبه منه ، هتف عدنان بآخر الأمر في غيظ وغضب عارم :
_ اقفل دلوقتي وحسابك معايا بعدين

انزل الهاتف من على أذنه وقام بإجراء اتصال آخر لكن هذه المرة كان بفريدة ، واستمر الهاتف في الرنين دون إجابة ! .

***
داخل منزل نادر .....

فتحت حقيبتها وبحثت بها لثواني بسيطة حتى مدت يدها وأخرجت فلاش صغيرة واعطتها لنادر هاتفة بإيجاز :
_ دي الفلاشة اللي عليها بيانات الشركات المنافسة في الصفقة وعليها بيانات كتير تاني هتفيدك

التقطها نادر من يدها وقلب الفلاش بين قبضته في نظرات لئيمة ثم رفع نظره عليها وحدجها بأعين جريئة وانحنى عليها يخطف قبلة سريعة منها هامسًا :
_ ربنا يخليكي ليا ياحبيبتي .. قريب أوي هنخلص من عدنان ده على الآخر ووقتها مش هتكون في حاجة تمنعنا إننا نكون مع بعض

ابتسمت له بحب ثم قالت بعجلة :
_ انا همشي لأن مش هينفع اخليه يحس بغيابي .. خصوصًا إني بدأت أحس أنه شك فيا أو هو بالفعل شك ، وصحيح الفترة الجاية مش هينفع نتقابل أبدًا وياريت كمان مترنش عليا خالص يانادر فاهم ، لغاية ما اشوف هتصرف إزاي مع عدنان واشيل الشك ده من ناحيته تجاههي
ظهرت الدهشة على محياه التي سرعان ما تحولت إلى الزعر وهو يجيب عليها باضطراب حاول إخفائه أمامها :
_ شك إزاي !! .. عرف حاجة عني طيب ؟!
حدقته بأعين مستنكرة .. تستعجب خوفه على نفسه وعدم اهتمامه بوضعها حتى ، لتقول بنظرة قوية ونبرة جادة :
_ عرف إيه يا نادر ! .. بقولك شك فيا وإنت تقولي عرف عني حاجة !!
نادر محاولًا تصحيح ما قاله :
_ مقصدش ياروحي ، على العموم متقلقيش اللي خلاه ميشكش فيكي طول السنين دي هيشك دلوقتي

_ عشان أنا مكنتش بديله الفرصة ولا المساحة إنه يشك فيا أساسًا ، لكن دلوقتي أنا شكلي بوظت كل حاجة وكنت بتصرف بتهور ومخدتش بالي من تحركاتي وتصرفاتي فشك فيا ، وأنا عارفة عدنان شكاك وطالما شك فيا يبقى مش هيهدى ولا يرتاح غير لما يعرف كل حاجة ويريح شكه
تنهد الصعداء وأجابها بحنو وهو يمد ذراعيه ويضمها لصدره :
_ متخافيش أنا معاكي وحتى لو عرف حاجة مش هسمحله يأذيكي

أغمضت عيناها بارتياح من دفء أحضانه وبعد لحظات معدودة ابتعدت عنه وقالت مسرعة وهي تتجه لباب المنزل :
_ كفاية بقى .. أنا همشي .. سلام ، وزي ما اتفقنا ياحبيبي هااا
_ تمام اطمني
تابعها بنظراته وهي تتجه لباب المنزل وتفتحه ثم انصرفت واغلقته خلفها ، فنزل بنظراته إلى الفلاش التي بيده ولاحت ابتسامة شيطانية على شفتيه التي سرعان ما أصبحت أكثر سخرية عندما تذكر حديثه معها وهتف بازدراء منها :
_ مش هسمحله يأذيكي !! .. ده إنتي أول حد هخلص منه بعديه ، بس كنت لازم الأول ابدأ برأس الأفعى الأول طبعا .. واصفي حساباتي القديمة مع عدنان الشافعي

***
توقفت بسيارتها أمام المعرض من جديد ، فتحت الباب ونزلت بعد أن فتحت الباب الآخر لابنتها لتنزل هي أولًا ،
ركضت هنا إلى الداخل ولحقت بها جلنار التي رأت عدنان كان يقف على البوابة الرئيسية ويمسك بهاتفه في يده وعيناه تطلق شرارات نارية بفعل الغضب .
انحنى على ابنته عندما وصلت إليه وحملها على ذراعيها لاثمًا وجنتها وهامسًا بترقب :
_ كنتوا فين يابابا
رفعت هنا كتفيها لأعلى بجهل وقالت زامة شفتيها :
_ معرفش .. ماما اخدتني ....
بترت جلنار جملة ابنتها حين وصلت لهم وقالت تستكملها على طريقتها :
_ اتخنقت شوية من جو المعرض ، واخدتها وطلعت بالعربية لفينا شوية ورجعنا
استقرت في عيني عدنان نظرة نارية لكن جعلها كلها حب حين نظر لابنته وهتف بحنو وهو ينزلها من فوق ذراعيه :
_ روحي ياحبيبتي لنينا أسمهان كانت بتدور عليكي جوا

اماءت لأبيها بالموافقة وهرولت راكضة للداخل حيث تجلس جدتها ، بينما هو فاندفع نحو جلنار وهمس أمام وجهها تمامًا في لهيب حار يخرج من بين شفتيه يوضح مدى اشتعاله الداخلي :
_ روحتي تعملي إيه ورا فريدة !

فريدة ! .. هل يعرف مكان تواجدها أو ماذا ؟! .. وجدت نفسها تطرح عليه سؤال في حيرة دون أن تدرسه مقدمًا قبل أن تسأل :
_ إنت عارف هي راحت فين !
ظهرت لمعة مختلفة في عيناه وقال بصوت متحشرج وأعين مظلمة لا تبشر بالخير مطلقًا :
_ راحت فين ؟

لا يعرف إذا ! .. بالتأكيد لا يعرف فلو كان يعرف لكانوا الآن يتلقون أخبار موتها ، تنهدت الصعداء لعدم معرفته بالأمر وقالت مخترعة كذبة سخيفة :
_ معرفش أنا شوفتها طالعة من المعرض واستغربت وبعدها طلعت لما حسيت نفسي اتخنقت ، بس معرفش راحت فين
لم تنطلي عليه كلمة واحدة من التي تفوهت به ، استمر فقط في الاستماع إليها وهو يطالعها بنظراته الجامدة التي تثير الرهبة في النفوس من فرط هدوءها ، ثم وجدته يتقدم أكثر نحوها وينحنى على أذنها ويهمس بصوت يقارب لصوت فحيح الأفعى :
_ إنتي آخر واحدة تعرف تكذب .. وبالذات عليا أنا لأن عنيكي بتفضحك ، خليكي بعيدة عن فريدة وملكيش دعوة بيها نهائي ياجلنار مفهوووم

فسرت تحذيره بشكل معاكس ، مما جعلها تشتعل بالغيظ والاستياء ناعتة إياه بالأحمق ، أيخاف عليها ولا يطيق تحمل أي مكروه يصيبها وهي تطعنه بظهره وفي شرفه دون علمه .. لكنها لم تفهم أنه يخاف عليها هي ، بعدما تسرب الشك لنفسه من زوجته لم يعد مطمئنًا لها أو واثقًا بها حتى ! .

***

_ مالك يابت قالبة وشك من وقت ما طلعنا من المعرض كدا ليه ! .. حصل إيه فهميني
صرخت بها مهرة بانفعال :
_ اكتمي خالص يا سهيلة بدل ما أمسك في زمارة رقبتك إنتي ، أنا اللي استاهل اني وافقت آجي معاكي
_ وهو أنا قولت حاجة يابنت المجانين .. أنا بسألك حصل إيه
تأففت مهرة بخنق وقالت بامتعاض :
_ قابلته تاني
_ مين ؟!
صاحت بها مندفعة :
_ ما تركزي معايا إنتي كمان .. هيكون مين يعني !
ادركت سهيلة الأمر بسرعة وقالت ضاحكة :
_ أه الواد التركي اللي قرفاني بيه ده .. شوفتيه فين ؟
_ في المعرض
عقدت سهيلة حاجبيها باستغراب وقالت بشيء من الاستهزاء :
_ ليه هو تركي بجد ولا إيه ! .. هيعمل إيه في مكان كله ناس متريشة كدا
ضحكت مهرة على صديقتها وصمتت للحظات ثم قالت بابتسامة عريضة كلها حماس لرؤية تعابير وجهها بعد ما ستسمعه منها :
_ لا ماهو صاحب المعرض والفنان اللي راسم اللوح
لم تدرك ما قالته جيدًا فردت عليها ضاحكة ببلاهة :
_ ما تقولي يابنتي هو مين ؟
_ ما انا قولت صاحب المعرض ، هي البعيدة مبتفهمش
لوحت بيدها وهي تلوى فمها بسخرية متمتمة :
_ ياشيخة قال وأنا اللي .....
توقفت عن الكلام فجأة ، وقد استوعبت وادركت أخيرًا ما كانت تقوله " مهرة " للتو ، وإذا بها رمقتها بعين واسعة من الصدمة تكاد تكون مخيفة بعض الشيء وصاحت :
_ آدم الشافعي !!!!
_ معرفش اسمه بس تقريبًا هو طالما هو ده اسم صاحب المعرض

بظرف لحظة كانت سهيلة تمسك بهاتفها وبعد ثواني قليلة أظهرت صورة له على الهاتف ورفعتها أمام عيناها هاتفة بعدم تصديق :
_ هو ده !
هزت مهرة رأسها بإيجاب ، فألقت سهيلة الهاتف بعدم اكتراث وغارت عليها تمسكها من رقبتها تخنقها بغيظ وهي تصيح بها :
_ ومتقوليش إزاي .. بقى هو ده اللي هزقتيه ياحمارة ، هقتلك يامهرة واطفي ناري
احمر وجه الأخرى وهي تتلوى بين ذراعيها محاولة دفعها حتى نجحت بالاخير وصرخت بها وهي تلتقط أنفاسها :
_ ابعدي هتموتيني بامبعقة .. بعدين نار إيه اللي تطفيها إنتي هطلة يابت
سهيلة بعد استيعاب وكأنها دخلت في حالة هيستريا :
_ أنا هولع فيكي مش بهزر .. ده بدل ما تستغلي الفرصة هو في حد يوقع في راجل زي ده ويطفشه من إيده يابنت الهبلة ، ولا حرام اغلط في خالتي والله ملهاش ذنب
صاحت به مهرة بعصبية من توبيخها لها :
_ الله وأنا مالي هو اللي مش طايقني أصلًا من أول مرة شافني فيها .. أنا يمكن النهارده صح زودتها لما اتريقت على لوحته وهو اتعصب فطردني
سهيلة بزمجرة وصدمة :
_ عملتي إيه !
همهمت مهرة بخوف بسيط وصوت خافت خشية من ردة فعلها :
_ اتريقت على لوحته
_ آاااه .. يارب إنت شاهد عشان لما اقتلها محدش يقولي عملتي كدا ليه !
هتفت مهرة بيأس وعبوس حقيقي :
_ ما خلاص بقى ياسهيلة .. أنا صحيح كان عاجبني وأعجبت بيه وصدقت الموضوع في البداية وكنت مخداه بهزار بس بعد ما شوفت شكل المعرض النهاردة والناس اللي كانت فيه وإن المعرض بتاعه وواضح أنه من الناس العالية اللي في البلد ورجال الأعمال .. شيلت الموضوع من دماغي ماهو مش معقول واحد زي ده حواليه كله البنات دي هيبص لحد مننا ياسهيلة

سكنت سهيلة تمامًا وهدأت قسمات وجهها المستاءة لتنعكس عليها البؤس والحزن على صديقتها ، وسرعان ما رسمت ابتسامة مرحة على شفتيها ونكزت مهرة في كتفها ضاحكة بمزاح :
_ إيه هي الصنارة غمزت ولا إيه !
مهرة بضحكة خافتة لم تصل لعيناها ، ثم استقامت واقفة وقالت بهدوء :
_ أنا هروح اعملنا حاجة نشربها بدل ما احنا قاعدين كدا ، شغلي حاجة على التلفزيون نتفرجها لغاية ما آجي

***
داخل المعرض .....
كانت أسمهان تجاور شقيقتها منذ قدومها ويتبادلون الأحاديث المختلفة فيما بينهم حتى انحنت عليها أسمهان وهمست بنظرات زائغة :
_امال فين زينة ياميرفت ؟!
تنهدت ميرفت بعدم حيلة وقالت :
_ في البيت حاولت اخليها تيجي معايا بس مفيش فايدة .. مزاجها مش لطيف اليومين دول ومش حابة تخرج تروح أي مكان
أسمهان بضيق ملحوظ :
_ إزاي بس وهي مناسبة زي دي ينفع متحضرش فيها ، دي حتى كانت مع آدم في كل التجهيزات
ميرفت زامة شفتيها بيأس :
_ قولتلها كدا والله بس دماغها ناشفة إنتي عارفاها
همت أسمهان واقفة وهي تقول بابتسامة حماسية ورفض لفكرة عدم وجودها :
_ أنا هقول لآدم واخليه يروح يجبها
قبضت ميرفت على يدها وقالت برزانة عقل وخفوت :
_ لا بلاش يا أسمهان خليها على راحتها أنا حاولت معاها بس هي كانت رافضة وآدم مش هيزعل أكيد وهيتفهم الوضع
اختفت الحماسة من على وجه أسمهان التي نطقت اسم ابنها في استنكار بعد جملة شقيقتها الأخيرة :
_ آدم .. اممم أكيد طبعًا مش هيزعل

على الجانب الآخر اندفع آدم تجاه جلنار الواقفة في زاوية بمفردها تتابع الجميع بنظرات تائهة وبالأخص على زوجها ، وكأنه عيناها كانت تظهر كل ما تخفيه عن الجميع .. ودون أن يلحظه أحد انحنى على أذنها هامسًا في نبرة جدية :
_ تعالي ياجلنار عايز اقولك حاجة
تطلعت إليه بتعجب من لهجته ونظرته لكنها ألقت نظرة سريعة بتلقائية حولها ثم لحقت به ، وقفا خارج المعرض تمامًا بعيدًا عن الجميع ، وانتظرته أن يبدأ بالحديث والذي بالفعل بدأه في وجه حازم :
_ بصي هسألك سؤال وأنا عارف وواثق انك مش هتخبي عني .. انتي طلعتي ورا فريدة ليه ؟!
أصدرت تنهيدة حارة وقالت ببساطة :
_ كنت مخنوقة وطلعت اشم هوا شوية
آدم بنظرة ثاقبة :
_ جلنار إنتي مبتعرفيش تكذبي
ضحكت وقالت بغيظ :
_ عرفنا إني مبعرفش اكذب مش لازم الكل يقولي الكلمة دي
_ حلو يعني إنتي اعترفتي أهو إنك بتكذبي !
جلنار بأصرار :
_ تمام فلنفترض إني بكذب .. بس صدقني مش هقدر اقولك يا آدم

ابتسم وقال بنظرة كلها غل ونبرة مزمجرة :
_ فريدة بقت مكشوفة أوي ياجلنار .. حتى عدنان شك فيها ويعتبر كشفها ، وأنا شاكك من بدري فاللي هتقوليه دلوقتي ماهو إلا تأكيد على شكوكي مش اكتر

لم تجب فقط تطلعت إليه بدهشة من كلماته وبالإخص عندما صرح بحقيقة أن الجميع شبه متشكك بفريدة حتى عدنان ، إذًا كان يراقبها اليوم لذلك عرف أنها خرجت ورائها ! .
حصل آدم على إجابته من صمتها فقال باسمًا بغضب ملحوظ على فريدة :
_ أنا كدا شبه اتأكدت من شكوكي ، هنتكلم تاني وتحكيلي كل حاجة عشان بس لا المكان ولا الوقت مناسب .. تعالي يلا نرجع جوا

سارت معه للداخل وهي شاردة الذهن وقد بدأ الوضع يزداد تعقيدًا في عقلها ، هي نفسها تجد بعض الخيوط ناقصة .. مثلًا منذ متى وهي في هذه العلاقة المحرمة ؟ .. كيف تمكنت من خداع الجميع هكذا وفي مقدمتهم عدنان ؟! .. لماذا فعلت هذا ؟! .
كانت في طريقها لمراقبتها حتى تكتشف إحدى مكائدها وتفضحها فتنتقم منها ومن عدنان ، لكن بعد ما عرفته أصبحت مشفقة عليه ! .. وعلى مشاعره الصادقة
الذي اهدرها عبثًا بمن لا يستحق .

***
عادت أخيرًا إلى المعرض وكانت نظرات جميع العائلة معلقة عليها بعضهم حيرة والبعض الآخر غضب وسخرية ، وجدت يد تقبض على ذراعها وتجذبها للخارج في عنف ، لم تكن بحاجة للنظر حتى تتأكد أن الفاعل هو عدنان .
أوقفها بالخارج وصاح بها منفعلًا :
_ كنتي فين ؟
فريدة بنبرة مرتبكة :
_ كــنـت... طلعت اجيب حاجة كنت محتجاها ورجعت تاني ياعدنان
_ انتي هتستعبطي حاجة إيه دي اللي بتشتريها دلوقتي
هذه المرة لم تصدمها طريقته التي أصبحت أكثر قسوة بقدر ما اخافتها حيث ردت عليه بعينان دامعة :
_ في إيه ياعدنان .. إنت اتغيرت معايا جدًا !
ابتسم بنظرة مميتة لا تحمل أي من نظرات الدفء والحب التي اعتادت على رؤيتها في عيناه .. وانحنى عليها هامسًا بنبرة مرعبة :
_ أنا وإنتي عارفين كويس أوي مين اللي اتغير .. وصدقيني لو طلع اللي في دماغي صح مش هرحمك ، والمرة دي الحب اللي بينا مش هيشفعلك بأي حاجة ، بل صدقيني هدوس عليه وعلى قلبي برجلي

لم ترد والتزمت الصمت ، تتطلع إليه منذهلة من تحوله الجذري ، كيف تمكن من أن يكون قاسيًا تجاه حبه لها بكل هذه السرعة والسهولة ! .. بينما هي تقف ترمقه صامتة خرجت صيحة عنيفة منه وهو يقول :
_ صابر مستنيكي برا .. هياخدك ويوديكي البيت ورجلك لو عتبت برا عتبة البيت بس هتتكسر يافريدة

أحست هذه المرة بأن دموع صادقة تجمعت في عيناها لكنها شدت على محابسهم واستدارت بصمت متجهة للخارج تمامًا حيث ينتظرها " صابر " كما اخبرها .

***
في مساء اليوم .....
يجلس في الشرفة الخارجية بالصالون على مقعد هزاز ، ضوء القمر ينعكس على ظلام الشرفة فيضيئها والرياح الباردة تلفح صفحة وجهه وشعره الغزير ، والأشجار تتمايل يمينًا ويسارًا بفعل حدة الرياح .. كانت أجواء باردة وقاسية قليلًا تمامًا كقلبه ، لم يعد يعرف على ماذا يجب أن يثبت كامل تركيزه .. على صديقه الذي يخونه بعمله ، أم على زوجته وحبيبته التي لم يعد يشعر أنها باءت هكذا .

كلما يستعيد ذكرياتهم في الفترة السابقة ويعيد التركيز على تصرفاتها كيف كانت ، يزداد اليقين في نفسه الثائرة .. تغيرها الدائم ونفورها من لمساته أو ربما تهربها تمامًا منه ، خروجها لأسباب واهية لم يكن ينتبه لها في بادئ الأمر ويترك لها كامل حريتها لثقته العمياء بها ، محادثتها التليفونية الليلية وتوددها في الهاتف ! .. فلو علمت الآن بكم الأعصار المدمرة التي تعصف في ثناياه لخشيت على نفسها ، لكم يود أن يذهب لها الآن ويفرغ بها كامل شحنة غضبه العاتية .

يبلغ قصاري جهده في تمالك ثوراته العمياء حتى لا يؤذيها ، على أمل أن يكون مخطأ ويصبح هو الظالم .. بل يتمنى أن تكون هي على حق وهو مخطأ بحقها .

كانت جلنار تقف بالمطبخ تقوم بتحضير فنجان من القهوة له ، بعد تردد لدقائق طويلة وهي كامنة بغرفتها ، تسأل نفسها بحيرة .. أفعلها أم لا ؟! .. لن أفعلها ! .. وبالأخير هتفت حسنًا سأفعلها ! .

منذ عودتهم من الأفتتاح وهو يجلس بسكون هكذا في الشرفة حتى أن هاتفه يتركه على الوضع الصامت غير عابئًا باتصالاته الكثيرة والتي في مقدمتهم اتصالات والدته .. كلما تتذكر ما عرفته بالصباح تستاء من تلك الحقيرة وتضحك في سخرية بنفس اللحظة .
لا يمكنها أن تكون سيئة لهذه الدرجة حتى تشمت بوضع كهذا ، بل بالعكس هي أكثر من ناقمة على تلك المرأة المليئة بالقذارة ، لكن بطبيعة الأنسان الفطرية هناك جزء من داخلها يشعر بالنشوة لحكمة القدر ، وكأن القدر يأخذ حقها دون أن تبذل أقل مجهود حتى .. يبدو أنها لن تحتاج لتشعره بما شعرت به طوال السنوات السابقة ، فخيانة زوجته ستكون كافية وزائدة عن اللازم .

تنهدت الصعداء بقوة ثم سارت بفنجان القهوة للخارج متجهة نحوه .. كانت ترتدي منامة منزلية قصيرة قليلًا بحاملات عريضة بعض الشيء وتنزل بفتحة مثلثية متوسطة عند منطقة الصدر .
وقفت بجواره ومدت يدها بالقهوة له فرفع نظره إليها وبتلقائية نزل لملابسها يتفحصها في نظرة دقيقة ، فليست من عادتها أن ترتدي مثل هذه المنامات بالمنزل ، لكنه لم يعقب وتصنع التجاهل ثم مد يده والتقط الفنجان من يدها هامسًا بنبرة عادية :
_ شكرًا ياجلنار
لم ترد وجذبت أحد المقاعد المجاورة لتجلس على مقربة منه وتقول بخفوت :
_ أنا هاخد هنا ونروح نقعد يومين عند خالتو انتصار
رفع الفنجان لفمه وارتشف منه بتريث ثم رد عليها بلهجة صارمة لا تقبل النقاش :
_ لا
اغتاظت من أسلوبه فقالت بحدة وغضب :
_ أنا مش بشاورك على فكرة .. أنا بعرفك
رمقها بنظرة مميتة اربكتها قليلًا ثم رد بهدوء مريب ينهي هذا الحوار قبل أن يأخذ منحنى لن يحبذه :
_ ادخلي الجو برد .. أو روحي نامي هيكون أفضل
التهبت عيناها وبقت تحدقه بعين نارية كلها غل وغيظ ، وبداخلها تلعن نفسها التي ذهبت واشفقت عليه وقامت بعمل القهوة ، بل حتى هو يستحق ما فعلته فريدة به .. خرجت همسة مسموعة ومحتدمة منها وهي تقول :
_ تستاهل أكتر من كدا كمان
سمع همستها فالتفت برأسه نحوها وقال بعدم فهم رافعًا حاجبه :
_ استاهل إيه ؟!
ثارت واقفة وهتفت :
_ كل حاجة ياعدنان كل حاجة
ابعدت المقعد من طريقها وهمت بالانصراف لكن كل الظروف تقف ضدها حتى قدمها ! ، التي التوت ففقدت السيطرة على توازنها وارتدت للخلف ، نسى تمامًا هو فنجان القهوة الموضوع بجواره على حافة المقعد ، وفرد ذراعه يلفه حول خصرها يجذبها إليه قبل أن تسقط ، وفي تلك الأثناء التي كان يحاول أن يحميها من السقوط ، وقعت القهوة الساخنة فانسكبت كلها على ملابسه وجسده .. وغزة بسيطة صابته من شدة حرارتها وبمجرد ما عادت هي لتوازنها وأدركت ما اقترفته فشهقت بهلع وانحنت عليه تسأل سؤال سخيف لا يجب سؤاله بموقف كهذا :
_ القهوة ادلقت عليك .. اتحرقت مش كدا ؟
رد عليها شبه منفعلًا وهو يستقيم واقفًا :
_ أكيد اتحرقت القهوة لسا سخنة ، ابعدي
عبر ودخل إلى الداخل ورفع يديه لأعلى عند ياقة تيشرته ينزعه عنه من الاعلى ويلقيه بعشوائية .. بينما هي فهرولت للغرفة حتى تجلب له مضاد للحروق ، بحثت بالإدراج في تلهف حتى عثرت عليه فخرجت وعادت له فورًا شبه راكضة فوجدته جلس على الأريكة وينظر لمكان الحرق .. أسرعت وجلست بجواره تبعد يده عن منطقة الحرق التي كانت أعلى البطن بالقرب من صدره ، وهتفت بقلق :
_ ابعد إيدك هحطلك من المرهم ده عشان الالتهاب ميزدش
رفع يديه دون أن يتفوه ببنت شفة وتابعها وهي تفتح العلبة الصغيرة وتضع مرهم بحجم عقلة اصبعها ثم وضعته على جسده وهي تمرر اصبعها بحركة دائرية على المنطقة الحمراء بفعل الالتهاب ، رفعت نظرها له وسألت بعين تعتذر لما سببته :
_ بتألمك جامد ؟
_ أيوة ياجلنار إنتي بتسألي أسئلة ذكية أوي ، قهوة سخنة وادلقت عليا فكرك هتكون بتألمني ولا لا !!
زمت شفتيها بضيق من انفعاله عليها وصاحت :
_ وانتي بتكلمني كدا ليه أنا مالي .. هو أنا اللي قولتلك امسكني
رفع حاجبه مستنكرًا ردها بدلًا من أن تشكره تنكر جميله .. رد عليها بابتسامة ساخرة :
_ صح عندك حق .. انا غلطان كان المفروض اسيبك تقعي وتتكسر رقبتك
جلنار بمضض وخنق من أسلوبه :
_ خلاص أنا آسفة معلش اللي حصل بسببي

لم يعقب فقط رمقها بصمت وتابعها وهي تكمل ما بدأت به للتو ، لحظة واثنين حتى غاص متأملًا إياها .. لون شعرها المتغير الذي يميل للكستنائي ، لاحظه منذ أن رآها في أمريكا ولكنه لم يعقب وبكل مرة يقرر بأن يسألها متى غيرت اللون لا تسمح الفرصة بسبب شجارتهم الدائمة منذ عودتهم ، هذا اللون يليق بها بشكل مثير ، يجلعها تمامًا كشمس الصباح المشرقة ، حين تكون دافئة ومتوهجة بنفس اللحظة .
خرجت همسة خافتة منه وهو يبتسم بنظرة إعجاب :
_ غيرتي لون شعرك لما كنتي في أمريكا
ردت عليه باقتضاب :
_ امممم وياريت بلاش تعليق سخيف أو .....
توقفت عن استرسال الحديث حين وجدته يمد أنامله ويبعد خصلاتها المتمردة من أمام عيناها ويتمتم بنظرة لئيمة مبتسمًا :
_ Very exciting ( مثير للغاية )
ارتفع حاجبها بدهشة من رده غير المتوقع ، أليس تغزله بها شيء يدعى للذهول !! .. ابتسمت وقالت بازدراء :
_ لولا إن القهوة ادلقت على بطنك كنت قولت حاجة تاني .. إنت متأكد إنك تقصدني أنا ! أصل ....
قاطعها للمرة الثانية وهو ينحنى عليها ويمد يده خلفه ليجذب التشيرت ، لوهلة ظنته سيقبلها لكنها حمدت ربها أنه لم يفعل ، توقف أمام وجهها قبل أن يبتعد وقال بلهجة حازمة ومغتاظة منها :
_ تصبحي على خير يارمانتي
وقبل أن يستقيم واقفًا خطف قبلة من جانب ثغرها ثم توقف وسار متجهًا نحو الغرفة ، ظلت مكانها تحاول استيعاب ما قاله وما فعله حتى هتفت بعفوية ساخرة :
_ هو في إيه .. ماله ده !!!

***
توقف بسيارته أمام إحدى المقاهي ونزل منها ثم قاد خطواته إلى الداخل ودار بنظره بين الجميع بحثًا عنها حتى وجدها تجلس بالقسم الثاني من المقهي المقابل للنيل على أريكة متوسطة الحجم مقابلة للماء .. تعرف عليها من شعرها وظهرها فتنهد بارتياح ، وفي تلك اللحظة دوى صوت رنين هاتفه فأخرجه وأجاب على الهاتف وعيناه معلقة عليها :
_ أيوة ياخالتو
ميرفت بصوت مرتعد :
_ طمني يا آدم لقيتها
غمغم بصوت رجولي خافت :
_ لقيتها متقلقيش اهي قدامي
ميرفت برجاء :
_ طيب متتأخرش يا آدم لأحسن أنا مش قادرة أقف على رجلي من الخضة ، هاتها وتعالو علطول
_ حاضر مش هنتأخر متخافيش
انهى الاتصال معها ووضع الهاتف في جيب بنطاله مرة أخرى ، ثم تحرك باتجاهها في خطوات متريثة وعند وصوله إليها توقف للحظات خلفها ينظر إليها من الخلف ، كانت شاردة الذهن تتطلع للماء بعينان تائهة وبائسة .. مسح على وجهه بعبوس ، بات ناقم على نفسه المتسببة فيما وصلت إليه .
تحرك وجلس بجوارها ليخرج صوته الرزين وهو يحدق في الماء مثلها :
_ العزلة مش هتفيدك بالعكس بتأذي أكتر

صابتها نفضة بسيطة بخضة عندما سمعت صوته ورأته بجانبها .. متى جاء وكيف عرف مكان تواجدها ؟! ، سؤالان طرحتهم في وقت واحد بعقلها ! .. ابعد هو نظره عن الماء والتفت إليها برأسه مسترسلًا حديثه بنظرة ذات معنى ونبرة مهتمة :
_ هتفضلي تفكري في الحاجة اللي مضايقاكي اكتر واللي هيحصل إن الحزن هيفضل ملازمك .. ارمي الشيء اللي مضايقك يازينة ورا ضهرك ، صدقيني طالما مسبب ليكي الألم ده يبقى ميستاهلكيش ، ومفيش حاجة تستاهل إن ابتسامتك الجميلة تختفي من على وشك

لمعت عيناها وتلألأت الدموع فيهم وهي تحدق به بقلب منكسر ، يتحدث كأنه يعرف بكل شيء .. لكنه أصاب الهدف تمامًا بكلماته ، شعرت بدموعها على وشك الانهمار فالتفتت برأسها تجاه البحر مسرعة تهرب بنظراتها منه هامسة ببعض الاضطراب :
_ هو إيه ده اللي ميستاهلنيش !
_ اللي مضايقك
رمقته بنظرة طويلة .. نظرة عاجزة ومنطفئة ، وعينان دامعة تتحدث عن الآم قلبها المعذب بنار الهوى .. هذه المرة لم يبعد نظره عنه كالعادة بل ظل مثبتًا عيناه عليها يحاول إخبارها من خلالهم ( أجل أنا هو الذي اقصده .. لا استحقك ، بل تستحقين الأفضل مني ) .
اشاحت بوجهها مرة أخرى وهتفت بصوت حاولت إظهاره طبيعيًا :
_ عرفت إزاي إني هنا ؟!
آدم ببساطة :
_ تخمين
عندما لم تجب عليه استكمل هاتفًا بجدية :
_ مامتك كانت هتتجن من القلق والخوف عليكي ، كان على الاقل ردي عليها وطمنيها يازينة
_ أنا فاكرة إنها لسا في المعرض أو راحت عندكم عشان كدا عملت الفون صامت
استقام على قدميه وقال بخشونة :
_ طيب يلا قومي عشان نروح البيت وتطمن عليكي
زينة بصوت رقيق ورفض خافت دون أن تنظر له :
_ امشي أنت يا آدم وأنا هروح وحدي متقلقش عليا
لم تسمع منه أي رد فقط ظل واقفًا بصمت واضعًا قبضتيه في جيبي بنطاله ، وحين رفعت نظرها إليه ورأت نظرته الصارمة .. تنهدت بيأس وفهمت أن لا مجال للجدال معه ، فجذبت حقيبتها واستقامت واقفة ثم سارا معًا للخارج .. وعند وصولهم أمام السيارة توقفت والتفتت له بنصف جسدها هاتفة باعتذار لطيف :
_ عارفة إني مفيش عذر كافي لغيابي عن الافتتاح النهارده بس .....
قاطعها مبتسمًا في تفهم وبدفء وهو يفتح لها مقعد السيارة الأمامي المجاور لمقعده :
_ ولا يهمك أنا متفهم الوضع .. يكفي وقفتك معايا طول التجهيزات

طالعته وشفتيها مالت لليسار قليلًا في ابتسامة عابسة قبل أن تستقل بالسيارة ثم اغلق هو الباب والتفت من الجهة الأخرى وفتح باب مقعد القيادة واستقل بجوارها منطلقًا بالسيارة في طريق منزل خالته .

***
في صباح اليوم التالي ......
عدة طرقات منخفضة على الباب بفعل يدها الصغيرة ، لكن لا يوجد إجابة من والديها ! .. ظلت واقفة أمام الباب وهي تزم شفتيها بعبوس وتفكر بتردد اتفتح الباب وتدخل أم تستمر في الطرق إلى أن يستيقظوا ، لكن بفطرة الأطفال في عدم الصبر قررت أن تدخل .. وقفت على أطراف أصابع قدمها ومدت يدها لمقبض الباب وفتحته ببطء وحذر .. أدخلت رأسها فقط من خلف الباب تلقى نظرة عليهم فوجدتهم نائمين بعمق في الفراش .. والدها ينام على ظهره واضعًا كفه أسفل رأسه بوضيعة نومه المعتادة ، وأمها تنام على آخر الفراش مولية ظهرها لأبيها .. ابتسمت بخبث طفولي واندفعت نحو الفراش وصعدت عليه واستقرت في المنتصف بينهم ثم اقتربت من والدها وقالت بصوت منخفض :
_ بابي
لم يستيقظ فمدت كفيها الصغيرتين ووضعتهم فوق صدره تهزه برقة متمتمة :
_ بابي .. بابي اصحى
فتح عيناه تدريجيًا وبمجرد اتضاح صورتها كاملة أمامه ابتسم بحب واعتدل في نومته ثم انحنى عليها لاثمًا وجنتها متمتمًا بصوت مازال يحمل أثر النوم :
_ صباح الورد يا هنايا
ضحكت لأبيها بحب مماثل وقالت :
_ اتأخرت على الشغل
اتسعت ابتسامته وفغر عيناه بدهشة مصطنعة واردف :
_ بجد هي الساعة كام !
التقط هاتفه وتفقد الساعة فوجدها السابعة صباحًا عاد يجيب عليها غامزًا :
_ لسا بدري يالئيمة إنتي عايزة تمشيني ولا إيه ؟!
هزت رأسها بالنفي واقتربت منه تهمس في أذنه مبتسمة في دلال طفولي لا يقاوم :
_ خدني معاك يابابي
_ اخدك معايا الشغل !!
اماءت له بالموافقة وهي تطالعه بعينان لامعة كلها تشويق وحماس ، فرد عليها بحنو ابوي :
_ مش هينفع ياملاكي .. أنا هكون مش فاضي ومش هعرف اخد بالي منك
هتفت هنا مسرعة بتوسل وعينان تحاول اتسعطافه من خلالهم :
_ هسمع الكلام وهفضل قاعدة ساكتة جمبك
اطال النظر إليها فزمت هي شفتيها بحزن ويأس إلى أن وجدته يضحك ويقول مستسلمًا بغمزة مشاكسة :
_ بتعرفي تثبتيني إنتي ياقردة .. خلاص من غير زعل هاخدك
وثبت فوق الفراش بسعادة غامرة صائحة وهي ترتمي على أبيها عاقدة ذراعيها الصغيرة حول رقبته :
_ هييييه يعيش بابي

تعالت صوت ضحكته الرجولية وهو يلف ذراعه حولها ضامًا إياها إليه .
فتحت جلنار عيناها على أصواتهم وقبل أن تلتفت بجسدها ناحيتهم نزلت بنظرها تلقائيًا إلى الفراش النائمة فوقه ، كيف جاءت هنا هي تتذكر جيدًا أنها ليلة أمس نامت بجوار ابنتها في غرفتها حتى لا تكون معه بغرفة واحدة .. ثم رفعت جزء من الغطاء ونظرت للداخل فإذا بها تجد أن حتى ملابسها ليست التي كانت ترتديها بالأمس ! ، اشتلعت عيناها بعد جالت بعقلها عدة أفكار جعلتها تتحول لجمرة من النيران الملتهبة .. وثبت جالسة فجأة والتفتت نحوهم ، صائحة بغيظ :
_ عدنان
ابتعدت هنا عن أبيها وحدقت بأمها في استغراب بينما هو فلم يستغرق الموقف أكثر من ثانية ليدرك سبب اشتعالها ، أجابها ببرود مجاهدًا في إخفاء ابتسامته :
_ صباح الخير يارمانتي !
يتبع..
لقراءة باقي حلقات الرواية اضغط على (رواية امرأة العقاب
google-playkhamsatmostaqltradent