رواية وريث آل نصران الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم فاطمة عبدالمنعم

 رواية وريث آل نصران الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم فاطمة عبدالمنعم

رواية وريث آل نصران الجزء الثاني والعشرون

رواية وريث آل نصران البارت الثاني والعشرون 

رواية وريث آل نصران الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم فاطمة عبدالمنعم


رواية وريث آل نصران الحلقة 22


لم ننس بعد، وكيف ننسى ما جعل الألم في القلب أضعافا؟
ربما نسينا المواقف، نسينا الأشخاص ذاتها... ولكن الشعور القاتل لحظتها لم ننسه أبدا، ولن ننساه لأن الجرح لا دواء له.

إنه أمام منزل "مهدي" الآن، لقد ترك "ملك" ووالدتها في المحل بعد ذلك الموقف ولم يعط أي ردة فعل... فقط أتى إلى هنا.
دق على البوابة الخارجية عدة مرات حتى فتحت الخادمة، والتي قالت بمجرد أن رأته:
والله الحاج ما موجود، والمرة اللي فاتت لما دخلت وهو مش هنا كان هيقطع عيشي.

لم تكمل حديثها بسبب خروج "كوثر" التي قالت وهي تشير للداخل:
اتفضل ادخل.

تطلع إلى الخادمة بنظرة جانبية و ابتسامة منتصرة ثم خطا نحو الداخل، جلس على الأريكة وقبل أن يقول أي شيء بدأت "كوثر" الحديث بقولها:
من قبل ما أعرف أنت جاي ليه، "شاكر" مش هنا وصدقني يا بني لو أنا أعرف إن "شاكر" عمل عملة زي دي هسلمهولك بإيدي.

رفع حاجبية وهو يسألها بتصنع الدهشة:
فعلا؟

تابعت حديثها دون أن تخلخل نبرته الغير مصدقة توازنها حيث قالت:
ابني أنا مربياه كويس، عارف الصح من الغلط لكن هادية وبناتها دول عالم ظلمة منهم لله، عمالة تحاول من زمان تجوز "شاكر" لبنتها "ملك" وأنا اللي كنت برفض، ولما لقوا إن خلاص مفيش فايدة عايزين يلبسوه تهمة وينسوا ان احنا اللي لميناهم بعد موت أبوهم بدل ما يترموا في الشارع.

_وإيه كمان؟
سألها، فطعمت حديثها بالدموع وكانت بارعة حقا في الكذب:
طيب هقولك على حاجة قبل حادثة أخوك دي بأيام "شهد" كانت كاسرة ازازة على راس "شاكر" ، اتخانقت هي و "علا" و شاكر حاول يفض بينهم راحت ضارباه بالإزازة، مش ابني ده لو واحد وحش كان مسكها علمها الأدب؟، لكن هو معملش كده، لو "شاكر" هو اللي قاتل أخوك كان ساب "هادية" وبناتها يجوا عندكم ويتحاموا فيكم؟

ترك مقعده واستقام واقفا، هبت واقفة هي الاخرى، منتظرة أي حديث يرضي فؤادها ولكنها سمعت منه ما جعل أمالها تهوى أرضا حيث قال:
اسمعي... الدم قصاده دم، ده العدل وحق ربنا إلا لو احنا سامحنا، واحنا مبنسامحش.... ابنك اللي عملها، وأنا جاي هنا مخصوص علشان أعرف أبوه اللي كان بيقول على "ملك" واختها كدابين، إن اخر فرصة وبعرضها عليه للمرة التانية قدامه، لو عايز يبين عكس كلامهم "شاكر" يظهر، لكن طول ما هو هربان كده يبقى هو اللي عملها، ومحدش هيندم غيركم لما ألاقيه.

مسحت دموعها بعنف، وقد ظهر الغل في عينيها وهي تقول:
طب طالما هي كده بقى، يبقى ابقى قابلني لو لاقيته يا بن "نصران".

تبع حديثها نبرته المحذرة وهو يشير بسبابته:
اسمه الحاج " نصران" كبير قرية "نصران"، واللي علشان هو راجل محترم عارف الأصول، مجاش هدها على دماغكم هنا.... وطالما أنتِ واثقة أوي كده إني مش هلاقي ابنك، يبقى الأيام بيننا بس لما ألاقيه هتعيشي طول عمرك تفتكري " عيسى نصران" كويس أوي.
تراجعت أمام حديثه الواثق، ذلك الحديث الذي ضاعف الذعر والقلق على ابنها في قلبها، بينما توجه هو نحو الخارج ثم استدار قائلا:
متنسيش تبلغيه اللي قولتهولك.

خرج من المنزل وقد أدى غرضه من هذه الزيارة، هذا المكان قاتل بالنسبة له، كل زاوية في هذه القرية تذكره بمقتل شقيقه، تردد على ذهنه ما حكته "ملك" يوم وفاة "فريد"، كان سيذهب، ولكنه وجد سيارة قد توقفت جواره، إحداهن تخرج منها مناديه بصوت مميز:
" عيسى" .

لم يستدر، بل توقف... وكانت حالتها هي لا تقل سوء أبدا، هل هو هنا حقا بعد هذه الأعوام، وكأن أحدهم سلب روحها منها وأعادها لها في اللحظة التي رأته فيها، إنه لم يتغير، شيء واحد فقط حدث... ازدادت جاذبيته، هذا الشخص الذي سلبها منها رغم عنها.... انتظرت دقيقة حتى استدار، بريق عينيه حاوطها، "ندى" يصفها العمر لا الكلمات، مازالت كما هي بخصلاتها البنية المموجة، وعيناها وقد امتزجا بلون خصلاتها، احتشدت مشاهد كثيرة في رأسه وهي تقول بعدم تصديق:
انا مش مصدقة إني شوفتك.

تعلم أنه من الاسكندرية، ولكنها عهدته بعيدا عن هذه المدينة، لم يحك لها قط عن مسكن عائلته سوى أنه في إحدى قرى الاسكندرية، أما هو فمنذ أن افترقا ولم يعد يسأل تماما، اخر ما عرفه عنها هو معلومة زواجها وقد أخبره "بشير" أنها تزوجت أحدهم من الاسكندرية.
فقد اسمك معناه يا ندى، ألم يكفي احتراقي من قبل لتأتي الآن مجددا!
تنحنح قبل أن يقول:
اللقا والبعد دول أصلهم بإيد ربنا.
يتذكر جيدا من قال هذه الجملة له، إنها "ملك" حين قالتها له أمام قبر "فريد"... لم يجد أنسب من جملتها للرد على " ندى" .

لم تتركه عيناها، بل أحاطت به ولم تفلته حين عرضت برجاء:
أنت رايح فين؟... ممكن أخدك معايا طالما مش معاك العربية.

خرجت للتجوال بعد شجار نشب بينها وبين زوجها، كانت مقررة الذهاب إلى أحد المقاهي الشبابية خارج هذه القرية ولكنها وجدته.... انتظرت إجابته على أحر من الجمر حتى نطق:
أنا راجع بيتنا، مش رايح حتة.

سألت بعينين كانت الدموع ستبدأ بالتجمع فيهما ولكنها حاربت جاهدة كي لا يظهروا :
لسه متجوزتش ليه؟

تتابع أخباره إذا، علمها بأمر مثل هذا يعني أنها تعرف عنه الكثير، انتظرت مبرر يرضي شيء داخلها ولكنه حطمها بقوله:
قرار زي ده المفروض الواحد يتأنى فيه، وأنا زي ما أنتِ عارفة بحب أخد وقتي في كل حاجة بعملها.

حديثه صحيح، هي لم تحسن الاختيار أبدا، ولكن شيء ما دفعها للقول:
والسنين اللي عدت دي مش وقت كفاية علشان تختار؟

ابتسم قبل أن يردف بثقة:
لا ما انا اختارت خلاص،
و هتسمعي عني أخبار حلوه أوي عني قريب.

قال اخر كلماته، وتحرك ليغادر ولكنه سمعها تقول من الخلف، واستطاع تمييز النبرة الحزينة وهي تنادي:
عيسى
انتظر بقية قولها حتى سمعها تقول وهي تجاهد كي لا تبكي:
مبسوطة إني شوفتك.

استدار لها يخبرها بهدوء مزقها:
كنت زمان بسمع جملة تانية خالص... استطاع الآن سماع جملتها تتكرر في أذنه:
أنا بقيت أخاف لما بشوفك.

أدرك أنها عرفت مقصده، و استدار راحلا فقالت برجاء:
عيسى ممكن....

_روحي يا "ندى"
صدمها قوله، وقد كست الدهشة تعابيرها خاصة وهو يقول اخر كلماته:
روحي بيتك.

رحل ولم يعطها فرصة لقول أي شيء إضافي، أما عنه فكانت خطواته أسرع مما توقع، خطوات تساوي في سرعتها سرعة مرور أعمارنا...يتذكر كيف تركها بعد أن أخبرته بمدى المعاناة التي تعانيها معه، يتذكر بعدها كيف أخبره "بشير" أنها وافقت على ابن أحد معارف والدها، فعلت ذلك لتجعله يشعر بخطأه في تركها، لم تتزوج من "باسم" فلقد رفض والدها أن تتزوج ابنته من "باسم" الذي رفضته كثيرا في السابق، لأنه يعلم أن فعلتها هذه ستكون لعبة من أجل إثارة غيظ حبيبها السابق، لذا قرر بدء صفحة جديدة في حياتها.
يستطيع "عيسى" الآن رؤية ذلك المشهد القديم حين جلسا معا داخل سيارته وهي تقول:
لا يا عيسى please متروحنيش دلوقتي، نخرج شوية كمان.

حدثها برفض لرغبتها:
لا، الوقت اتأخر... وأنا متفق معاهم في البيت عندك هترجعي بدري.

انكمشت تقاسيمها بانزعاج، وقد بدا الحزن على وجهها فأخرج هو علبة مخملية وُضِع داخلها قلادة وتدلى من اخرها عصفور صغير... وهو يقول بابتسامة واسعة:
فكي التكشيرة دي بقى بدل ما أرجعها.

شهقت بفرحة وهي تجذبها منه متأملة تفاصيلها الرقيقة ثم قالت:
دي حلوه أوي، أنا بحبك يا "عيسى"، متبعدش عني أبدا.

عاد إلى الواقع، فتابع سيره متناسيا ذكريات لا تفعل شيء سوى ضخ الألم أما هي فكانت في سيارتها تتابع القيادة وهي تجري اتصال بابنة عمها التي بمجرد أن أجابت، قالت لها " ندى" بنبرة باكية:
"بيريهان أنا شوفت " عيسى" .
انتظرت منها مواساة ولكنها سمعت حديث معنف:
في ايه يا "ندى" مال صوتك؟... ندى فوقي يا حبيبتي أنتِ واحدة متجوزة، وجوزك مش أي حد، مش
"جابر منصور" ده أنتِ اللي وافقتي عليه ومحدش غصبك.

انفعلت وثارت ثورتها وهي تقول:
هو أنتوا كل ما اشتكي تفكروني إنه اختياري وكأني مليش حق الشكوى، أيوه أنا اللي مختارة "جابر" زفت يا "بيريهان"... " جابر" اللي لولا مصالح أبويا وأبوه كان زماني مطلقة منه من تاني سنة جواز.

_هو أنتِ عايزاني أقولك إيه مش فاهمة؟ ، روحي حبي "عيسى" عادي ورجعي الود القديم وأنتِ متجوزة؟
قالت ابنة عمها هكذا فبدأت "ندى" في النحيب مما جعل "بيريهان" تتابع:
طب اهدي خلاص.
أضافت مازحة في محاولة لتقليل حدة الأجواء:
هو صحيح الواد "عيسى" ده كان قمر وشخصية كده، بس "جابر" قمر برضو يا "ندى".

صاحت " ندى" معترضة:
قمر ايه وزفت ايه، انتِ بتقارني مين بمين...
قاطعتها "بيريهان" بقولها:
"ندى" انتِ بتحبي "عيسى"، يعني حتى لو " جابر" ده عم الناس كلها وفيه كل الحاجات الحلوة، هتشوفي "عيسى" أحلى برضو.
محدش جبرك على حاجة يا "ندى"، و افتكري إن
" عيسى" هو اللي سابك... أنا مضطرة أقفل دلوقتي روقي بقى وانسي، واعتبري إن المقابلة دي محصلتش.

أغلقت "ندى" الهاتف وألقته بإهمال، وهي تزيل دموعها ، متابعة الطريق أمامها، ومحاولة الانغماس في مشاهد مضت وانتهت من حياتها.

★***★***★***★***★***★***★***★

الذهاب للجامعة كان هباء، فلقد علمت فور وصولها أن محاضراتها قد تم إلغائها، ولكن لذة وجود "طاهر" هي أجمل ما نالته اليوم، تذكرت ما حدث بابتسامة واسعة ارتسمت على وجهها، هما الآن في طريقهما إلى العودة، حيث نطق وهو يقود سيارته:
لو كنت مشيت، كنتِ هترجعي المشوار لوحدك.

اعترضت متذمرة:
جيت على الفاضي، وفي الاخر طلعوا اتلغوا.
عوضت تذمرها بقولها المازح:
بس مش مهم، في واحد صاحبنا كان زعلان وصالحته خلاص.

ضحك "طاهر"، وحين مرا جوار محل الزهور علا صوت ضحكاته، أدركت هي السبب فقالت مبتسمة:
الورد اللي خدته.

أيد حديثها بقوله:
أنتِ كان عندك إصرار رهيب إنك مش هتطلعي بيتكم من غيره.

ابتسمت، و استدارت له تخبره بصدق:
تعرف إن طول عمري كان نفسي حد يجبلي ورد،
ان شالله وردة في عيد الأم حتى قالتها ضاحكة وتابعت:
وسبحان الله أول مرة يجيلي يطلع بتاع واحدة وخدته منها، نفسي كمان أحضر حفلة أو فرح في مكان بيطل على البحر، بس شيلت التفكير ده من دماغي المرة اللي فاتت خدت ورد مش بتاعي، المرة دي بقى العريس والعروسة ينطوا في البحر.

ارتفعت ضحكاتهما معا على اخر حديثها... عادت إلى الواقع ولكن تبدلت الابتسامة إلى نظرة حزينة حين تذكرت أنه سيغيب فترة بسبب ظروف عمله،
دخلت " مريم" الغرفة فقطعت شرودها هذا، حين جلست على الفراش وقد عادت من درسها تقول بتعب:
اه تعبت، خلاص مش قادرة.

نبهتها "شهد" ناطقة بغيظ:
لا يا ماما مش عليا، قومي علشان نعمل الحاجة مع أمك.

قالت "مريم" باهتمام وقد انخفضت نبرتها:
هي امك مالها صحيح؟... أنا حساها شايطة.

ضيقت "شهد" عينيها وهي تسأل باستغراب:
ليه في ايه؟

قطع حديثهما دخول "ملك" إلى الغرفة فسألت "شهد":
مالها ماما يا "ملك"؟

لم تعطي إجابة، ومن تعابيرها استطاعت " مريم" القول:
"ملك" بقى شايطة أكتر من ماما.

جلست كل واحدة منهما جوار الاخرى على الفراش، فقالت "شهد" :
لا ما هو القعدة دي مش نافعة، قولي يا "ملك" في ايه؟

تنهدت بعمق ثم قصت لهن ذلك الموقف حين تقدم أحدهم لطلب الزواج أمام "عيسى"، فقالت "مريم":
يا ستي عادي واحد جه ومشي، وبعدين معلش يعني اللي اسمه " عيسى" ده ماله يتدخل ليه؟

عبرت عن الشعور الذي اجتاحها أثناء ذلك الموقف وهي تقول:
بصلي بصة وحشة، بصة خلتني أخاف.

_تخافي ليه أصلا، وبعدين كلام "مريم" صح هو ملهوش دعوة ... محدش ليه عندنا حاجة.
قالتها "شهد" وتبع ذلك دخول والدتهن التي قالت بانزعاج:
طبعا ولا على بالكم.

احتضنتها "مريم" من الخلف وهي تسأل بمزاح:
مالك بس يا ماما، طب ده ريحة صينية المكرونة بالبشاميل مجنناني من الشارع... في حد بيعمل مكرونة حلوة كده ويبقى زعلان؟

تناولت "ملك" كف والدتها قائلة بمزاح:
هو أحرج الولد فعلا، وسابنا ومشي من غير ولا كلمة بس متزعليش، كبري دماغك.

ابتسمت "هادية" وهي تجلس في وسطهن:
أنا مش زعلانة... المهم انتوا بخير دايما.

قالت "شهد" ضاحكة:
أيوه بقى فكي كده، قوليلي بقى يا ماما أنتِ محوشة كام؟

_ولا مليم.
قالتها "هادية" بغيظ، فاقتربت "شهد" تجلس أمامها متحدثة:
بقى مش معاكِ ولا مليم، بتضحكي عليا...قوليلي الحقيقة محوشة كام.
دفعتها "هادية" وهي تكرر بإصرار:
لا مش محوشة، اتلمي بقى ده أنا فلوسي كلها خلصانه عليكِ.

_يا ماما أنا عايزة تليفون.
قالتها "شهد" بغيظ ليقطع حديثهن، دقات متواصلة على الباب ولكنها عنيفة، انقبض فؤاد "هادية" وهي تجذب حجابها متمتمه:
يا ستار يا رب... في إيه؟

هرولن خلف والدتهن بسرعة، والتي بمجرد أن فتحت الباب وجدت من تدفعها بعنف وهي تصيح بشراسة:
قرابة الغم والهم.

كانت "كوثر"، اصطفن جوار والدتهن التي استقامت واقفة وهي تقول:
عايزة إيه يا " كوثر" وداخلة بيوت الناس بالطريقة دي ليه؟

ضحكت مستنكرة وهي تكمل حديثها المتبجح:
بيوت؟... بقى عندكوا بيوت يا ولاد "حسن" بعد ما أبوكو مات وهو متداين لطوب الأرض.

صاحت "شهد" هي الاخرى بنفس طريقة زوجة عمها وهي تقول بشراسة:
لا ارفعيلي صوتك كمان شوية كده، أحسن لسه مسمعناش، لو على الصوت العالي يا عيوني الناس كلها بتعرف تعلي صوتها، ولو بقى على دين أبويا فجوزك كان السبب فيه بسبب الشغل الخسران اللي كان بيخلي أبويا يدخل فيه، ده غير إن بعد موته لهف حتة الأرض ورثنا قصاد الدين ده.

حاولت "كوثر" الاقتراب من "شهد" ولكن "هادية" منعتها وهي تسمعها تقول:
حتة أرض ايه يابت، الأرض دي متسدش ربع الدين اللي كان على أبوكِ.... كانت غلطة علشان الأشكال اللي زيكم مكانهم الشارع.

تنهدت "هادية" بانزعاج وهي تخبرها:
والله يا "كوثر" لو هنتكلم عن الناس اللي في الشارع، فهما أكيد أخلاقهم أحسن منك.

_هو أنتِ عايزة ايه تاني؟... مش احنا سيبنالك البيت ومشينا؟
قالتها "مريم" بغضب، وتبع ذلك القول اقتراب "كوثر" من "ملك" التي لم تقل أي شيء منذ دخولها فقط تطالعها بجمود، اقتربت منها وهي تقول:
جاية للي دايرة على حل شعرها، وعايزة في الاخر ابني هو اللي يشيلها.

كانت "هادية" ستمنع تتابع اقتراب "كوثر" من "ملك" ولكن نبرة "ملك" كانت ثابتة وهي تقول:
سيبيها يا ماما.

_مبتخافيش أوي يا بت، وأنتِ بقى على حرقتك دي كلها على الواد ده كنتِ متجوزاه عرفي، ولا حامل منه... ولا أنتِ بقى كنتِ مقضياها معاه في الحرام من غير جواز خالص؟
قالت "كوثر" كلماتها ولكن الرد لم يكن كلمات مثلها، بل كانت صفعة قوية من "ملك" لها، رفعت "كوثر" رأسها تطالعها بغير تصديق بينما تابعت "ملك" بشراسة:
كنت بحبه، متقلقيش أنا مليش في الحرام وأنتِ عارفة... الحرام ده يعرفه ابنك واللي زيه، ابنك اللي استخسرتي فيه التربية ومخدش منها حتى ريحتها... وطلقتيه على خلق الله يدوس عليهم بفجره وقلة تربيته... أنا مبقتش باقية على حاجة خلاص، ابنك اللي جاية تتخانقي علشانه ده قتل روح قدام عينيا الاتنين من غير ما يرمش، ابنك ده فاكرني لعبة ولا حاجة من اللي أول ما بيعوزها أمه بتجبهاله فقتل علشان ياخدها.... ربتيه على القرف وطلعتيه فاكر الناس عبيد عنده، حتى القتل أبشع حاجة في الكون كان سهل عنده.

وكأنها لم تقل شيء، لم تتأثر "كوثر" أمامهن بل رفعت كفها لترد الصفعة ولكن منعتها يد "هادية" وهي تحذرها:
أظن مفيش كلام أحسن من اللي "ملك" قالته يتقالك... امشي يا "كوثر" من هنا وكفاية لحد كده.

سحبت "كوثر" يدها من يد "هادية" بعنف وهي تقول:
اسمعي منك ليها، أنا مش فارق معايا أي حد غير ابني،
أنتوا أربع ستات من غير راجل، فلو ابني حد مس شعرة واحده منه، مش هيكفيني فيكوا بلد بحالها، ومحدش ساعتها هيقفلكم، علشان راجلكم أنتوا خليتوا ابنه قاتل وعايزينه يموت كمان، ده الواحد لما بيرمي لقمة لكلب بيفضل فاكرهاله العمر كله، إنما أنتوا محصلتوش الكلاب حتى.

اقتربت "شهد" منها ودفعتها نحو الخارج وهي تقول بعنف:
اطلعي يا ولية أنتِ برا... بدل ما والله العظيم أخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكِ.

صاحت "كوثر" متابعة:
خروج ابني من المصيبة دي لو محلتهوش أنتوا... محدش هيرحمكم من اللي هعمله، وابقوا وروني مين هيقفلكم.

أبعدت "هادية" ابنتها، وأخرجت هي "كوثر" بضجر و"مريم" تقول من الخلف:
قولتي اللي عندك يلا مع السلامة بقى.

_متجيش هنا تاني يا عيوني، علشان لو جيتي تاني مش هتلحقي تورينا حاجة.
صاحت بها "شهد" بنبرة هازئة بينما أغلقت والدتهن الباب بعنف، وهن يسمعن توعد "كوثر" من الخارج وقد علا صوتها بكل التحذيرات مهددة.... حتى سكن الصوت تماما فتأكدن من رحيلها، وكل منهن بداخلها الكثير... الكثير من الغضب والغيظ، والانزعاج .

★***★***★***★***★***★***★***★

الهواء هنا لا يماثل نسمات مدينتها، ولكنه منعش الآن و"رفيدة" تجلس في أحد المناطق المطلة على نهر النيل تتناول الطعام مع صديقتها "جيهان" و قريبها "سعد"... نطقت " رفيدة" بإعجاب:
المكان هنا حلو أوي يا "سعد"
أخبرها بعد ابتسامته الراضية:
ما هو أكيد مش بعد كل المحاولات دي علشان توافقي تخرجي معانا هوديكي مكان أي كلام.

لم تكن "جيهان" تنطق بشيء، و قطع شرودها قول "رفيدة" التي استأذنت:
ثواني وراجعة.

اتجهت ناحية المرحاض، وبمجرد اختفائها كليا، نطق "سعد" بانزعاج:
مالك يا بت أنتِ عاملة كده ليه؟

نطقت برجاء نبع من عينيها قبل كلماتها:
"سعد" بلاش علشان خاطري نكمل في الحكاية دي صدقني أنا قلقانة ومش متطمنة.

_قلقانة، ومش متطمنة ايه بس هو أنا عملتلها حاجة؟
قالها ببراءة فطلبت منه:
طب قولي أنت ناوي على إيه معاها؟... بعد ده كله ايه، هي مش اطمنتلك، واديها اهي وافقت وخرجت معانا، اخرك تخليها تحبك علشان لو طلبت منها فلوس... غير كده لا يا "سعد".

سألها بتصنع الضيق:
وأنا هعمل إيه غير كده يا " جيهان"... متشكيش فيا أوي كده أنا مش وحش.

_مش متطمنة والله.
قالتها "جيهان" بقلق حقيقي، مما جعله ينطق بغضب:
يوه بقى.
أشارت له كي يصمت، حين لاحظت عودة "رفيدة"، بدل هو الغضب بضحكة واسعة حملت في طياتها الكثير من المكر، والغدر، والخيانة.

★***★***★***★***★***★***★***★

دخل " طاهر" للتو إلى المنزل، أتى ليستريح بعد أنهى مشاويره، وقبل رحلته التي سوف يغادر من أجلها.... بمجرد دخوله هرول "يزيد" ناحيته محتضننا إياه وتبعه "حسن" الذي عاد قبل قليل ... مال "طاهر" على صغيره يحمله ولكن قول "حسن" قطع ذلك حيث طلب:
يزيد يا حبيبي ادخل جوا هتكلم مع بابا كلمتين، وتيجي تاني.

هز "يزيد" رأسه موافقا، وامتثل لأمر "حسن"، وبمجرد دخوله قال " حسن" ل "طاهر" الذي ظهر القلق جليا على وجهه:
"فريدة" كانت عند أبوك.

_ايه؟
قالها "طاهر" بدهشة غير مصدق، ولكن "حسن" تابع القول:
ودخلت بتعيط، وخرجت بتعيط.... شكلها كده فيها خناقة للصبح.

تأفف "طاهر" بانزعاج، وسرعان ما قطع حديثهما صوت والده الذي خرج من المكتب قائلا:
تعالى يا "طاهر" عايزك شوية.

نطق "حسن" اخر كلماته قبل أن يغادر:
أنا هاخد "يزيد" معايا المرسم.

غادر "حسن"، ودخل " طاهر" مع والده إلى غرفة المكتب ... جلسة احتلها الصمت أكثر من دقيقة حتى قال "نصران" بهدوء:
فريدة جاتلي.

هز "طاهر" رأسه وهو يقول:
عارف "حسن" قالي.

_رجعها يا "طاهر".
حلت الصدمة على " طاهر" فلم يكن يتوقع طلب كهذا من والده بل وتابع "نصران":
هي غلطت وعرفت غلطها، هي باقية عليك رجعها ... مش أنت بتحبها.

تحدث " طاهر" بانفعال شديد:
وأنا مكنتش باقي عليها في كل المرات اللي كنت بسمع من الكل إنها بتعامل "يزيد" أسوء معاملة؟... مكنتش باقي لما صبرت عليها وهي بتقولي ارمي ابنك لجدته، ونعيش لوحدنا انا وانت وبنتي؟.... أنا مبقتش طايق أشوف وشها وبالذات بعد ما سمعت ابني وهو بيحكيلي كانت عاملة فيه ايه.... عارف يعني ايه طفل يبقى أكبر فرحة في حياته إنها خرجت منها؟

سأله "نصران" وعيناه تحاوطه:
يعني دي كلها أسبابك بس يا "طاهر".... مفيش سبب تاني؟

أدرك " طاهر" ما يرمي إليه "نصران" فقال بهدوء طالبا الإنصات له:
اسمعني يابابا... أنا مش صغير لسه علشان أكدب عليك ولا أزين الكلام، أنا عارف اللي أنت تقصده وأنت أول واحد هقوله ده، أنا مش حاسس ناحية "شهد" بحاجة من الوهم اللي "فريدة" فاكراه... فيه حاجة فعلا جوايا ل "شهد" لكن مش حب بس هو حاجة غريبة مبحسهاش غير وأنا جنبها.... أنا لما قابلت " فريدة" اتفقنا على الجواز وهي قدمت اللي عندها علشان شايفاني أب لبنتها وزوج مناسب، وأنا قدمت اللي عندي علشان عايز أم ل "يزيد"... ظهر في عينيه بريق دعم كلماته:
لكن مع " شهد" مش بقدم حاجة علشان اخد قصادها حاجة، أنا بعمل اللي بعمله علشانها هي وانا مش مستني منها أي حاجة، وهي بتتعامل معايا بنفس الأسلوب مبتحاولش تجمل نفسها، اللي جواها هو اللي ظاهر ليا، أنا لو قابلتها كام دقيقة بس يومي كله بيتعدل علشان فيها ميزة مشوفتهاش في حد غيرها، ميزتها إنها هي.

تنهد "نصران" بتعب وترك مقعده ليقف جوار مقعد "طاهر" وينطق ناصحا وهو يربت على كتفه:
"شهد" عيلة صغيرة، اللي في قلبها مش دايم وهيتقلب معاها كل ما تكبر... طالما بتقول إنه مش حب، يبقى متغوطش أكتر من كده علشان أنا خايف عليك.... حاول تقعد مع "فريدة" وتسمع اعتذارها تاني... "فريدة" ندمانه، ولو على "يزيد" هي راضته قصادي وهتبقى قدام عنينا لو عملت أي حاجة تاني.

رفع "طاهر" عينيه لوالده تحمل اعتراض واضح ولكن رفضه قول "نصران":
أنا عايز الصالح ليك يا " طاهر" ... فكر زي ما عودتني دايما، وأي قرار هتاخده مهما كان ايه أنا معاك فيه.
ختم "نصران" حديثه بجملة مطمئنة جعلت "طاهر" يبتسم قبل أن يقول:
ربنا يخليك لينا... أنا هقوم أنام شوية علشان همشي قبل الفجر .

سمع من والده أخر شيء يريد سماعه الآن:
لا محدش هينام، عندنا مشوار.

ساعات مرت لتصبح العاشرة مساءا الآن، ويصبح "نصران" و "طاهر" و "عيسى" و "سهام"
في منزل "هادية" كل منهم على مقعده المخصص له، خرجت "هادية" بأكواب المياه الغازية وقد أثار ريبتها سبب هذه الزيارة المفاجأة التي أرسل "نصران" قبلها بساعة يستأذن الحضور، تقدمت بالحامل المعدني وهي تقول مرحبة:
نورتونا.

رد الجميع عدا "سهام" التي كانت تتأفف بانزعاج كلما غفل عنها الجميع، لا يعلم أحد سبب هذه الزيارة سوى اثنين... صمت الجميع حتى قطع "نصران" الصمت:
اندهيلنا "ملك" لو سمحتي يا "هادية".

اضطرب كل شيء، الحضور، و " هادية" التي شعرت بشيء غريب في الأمر ولكنها نادت لابنتها... جلست "ملك" منتظرة سماع سبب حضورها إلى هنا... حتى قال "عيسى":
" ملك" .

انتبهت له وقد التحمت عيناه بخاصتها وهو يسألها أمام الحضور:
أنا جاي أعرض عليكِ إني أتقدم رسمي... محدش هيغصبك على حاجة أنتِ حره سواء قبلتي أو رفضتي.

_أنا قولت مره لا.
قالتها "هادية" باعتراض عنيف، جعل "سهام" التي كانت ستنفجر بعد ما قيل تعود الابتسامة إلى وجهها، طالع "عيسى"، " ملك" يحثها على إجابة، كانت في عالم اخر جمل كثيرة تتردد في ذهنها، شاكر الآن يخبرها أنه سيتزوجها بالإجبار، بعدها صوت والدته المتوعدة وهي تخبرها أن لا حماية لهم...تخبط كان نهايته جملة قالتها بقهر وأدت ابتسامة "سهام":
أنا موافقة يا ماما.

انتقلت الابتسامة إلى وجه " عيسى" الذي استدار ل "سهام" الجالسة على المقعد المجاور له ناطقا بظفر:
قوليلي مبروك.

نظراتها قاتلة، لا شيء يصفها مهما كانت بلاغته... إنها فقط نظرات خاصة بها... خاصة بزوجة أبيه.

أيا سـاكنين القلب والروح والحشى

فحاشاكـم ان تقطعون حشاكـم

حلفت يميناً لست أسـلو هواكـم

وقلبـي حزيـن مغـرم بهواكـم

ويا ليت قاضي العشـق يحكم بيننا

وداعي الهوى لمـا دعاني دعاكـم

فأن تطردوني كنت عبداً لعبدكـم

وإن تصلوني كان قصدي رضاكـم

(قصيدة: متى يا كرام الحي)
(بهاء الدين الجيوشي)

يُتبع 💙

google-playkhamsatmostaqltradent