روايات

رواية ترويض الشرس (أحفاد الجارحي 5) الفصل السابع 7 بقلم آية محمد

رواية ترويض الشرس (أحفاد الجارحي 5) الفصل السابع 7 بقلم آية محمد

رواية ترويض الشرس (أحفاد الجارحي 5) البارت السابع

رواية ترويض الشرس (أحفاد الجارحي 5) الجزء السابع

رواية ترويض الشرس (أحفاد الجارحي 5) الحلقة السابعة

نظراته الثاقبة أحاطت وجوه هؤلاء الحمقى، وتعمد تصنع اللامبالاة لما يحدث حوله، حمل أكياس الطعام ومن ثم انحنى للمقعد الخلفي، فوضع ما بيده بانتظامٍ، وانتصب بوقفته ريثما يغلق باب السيارة، فكاد بالتوجه لمقعد القيادة ولكنه توقف حينما صدح هاتفه برنينه الصاخب، حرر “عدي” أزرر هاتفه ليأتيه صوت أخيه المتسرع بما يود سؤاله عنه:
_عدي أنت بالبيت ولا لسه برة؟
ضيق عينيه بدهشةٍ، فلم يعتاد أبدًا على سؤاله الغريب هذا، وبالرغم من ذلك أجابه:
_أنا لسه بره… بتسأل ليه؟
=عربيتي عطلت في الطريق وبحاول أكلم عثمان يبعتلي حد من الحرس بس مش بيرد على موبيله!
صعد لسيارته وأعتلى مقعد القيادة، فضغط على المقود وهو يردد:
_ابعتلي اللوكيشن وأنا دقايق وهكون عندك.
اسند “عدي” هاتفه لجواره ليراقب مسار الطريق الموضوع من أمامه بعد أن أرسل “عمر” بموقعه، وإن تعركل بازدحام الطريق كان ينجح باجتياز السيارات ببراعته المعتادة، ربما اعتياده القبض على المجرمين وقطع طريقهم جعله محترف بالقيادة، فما كانت سوى دقائق بسيطة حتى لاحت سيارة أخيه من أمامه، اقترب “عدي” حتى صف سيارته بمحاذاتها، وانتظر لدقيقةٍ حتى يخرج عمر من سيارته، وحينما تأخر أخفض زجاج سيارته وهو يناديه بضيقٍ:
_عايز دعوة عشان تنزل!!
ارتاب لامره، فهبط من سيارته ثم عاد ليناديه بصوتٍ مرتفع:
_عمر!
اقترب من سيارته، وانحنى تجاه زجاج نافذتها يتأملها الداخل باهتمامٍ، التاع قلبه فزعًا حينما رأى أخاه يتكئ بجسده العلوي على مقود السيارة مغلق العينين، وفي حالة استسلامٍ تام، فتح باب السيارة بقوةٍ كادت باسقاطه من أسفل قدميه وهو يصيح بتَوَجُّس:
_عمــــــــــر!
قبضته الصلبة نجحت بابعاد جسده عن المقود، ففتح عينيه بألمٍ اتبع نبرته المنخفضة:
_آآه.. في أيه صرعتني!
اجتمع غضب الكون بأكمله بمقلتيه المحتقنة، فدفعه خارج السيارة وهو يسبه بعنفٍ، والأخير يحاول فهم سبب تلك الثورة التي سيكون أول ضحاياها، فصاح بأنفاسٍ تسارع للتنفس:
_طب بس فهمني أنا عملت أيه!! .. مسكتني بفعل فاضح بالطريق العام!!
وسعل بقوةٍ وهو يحاول أن تستمد قوته باقي كلماته المتقطعة:
_ده أنا كنت مأيل شوية يا جدع!
استعاد عدي ثباته، فاكتفى بقذفه بنظراته الحادة، وبعنجهيةٍ قاتلة اتجه لمقعده ثم أشغل المحرك وعينيه تترقبان الاخير الذي وقف محله بدهشةٍ لما يحدث، فأعدل من ملابسه واتبع خطى أخيه حتى بات لجواره، فتحرك عدي بصمتٍ جعل عمر يسأله برفقٍ يصاحب مزحه:
_أنت اتخضيت علي ولا أيه يا وحش!
القاه بنظرة خاطفة من طرف عسليته، فابتسم عمر وهو يجاريه:
_المفروض انك تحس اني كويس لاننا تؤام ولا انت مبتحسش غير برحمة!
احتدت نظراته فباتت اكثر خطورة، لذا انسحب عدي من ساحة مجابهته، فتسلل لمنخاره رائحة الطعام الشهي، فالتقط نفسًا مطولًا وهو يسأله بشكٍ:
_في ريحة تجوع.
وبدهشةٍ تساءل:
_أنت شايل أكل.. معقول!!
تشبث عدي بالمقود بيده اليسرى ومن ثم انحنى للخلف فجذب أحد علب الطعام، ثم وضعها على قدم أخيه، الذي بدأ بفتحها ومن ثم تناول الطعام بجوعٍ بدى على سرعته بتناوله، فجذب أحد اللقمات ثم قربها منه وهو يمازحه بخفةٍ:
_بل ريقك بعد الخضة.
استدار برأسه تجاهه وهو يعنفه بغضبٍ:
_أنا مبحبش اسوق وحد بيرغي جنبي.. هتكتر في الكلام هرميك على الرصيف ولا هسأل فيك.
تقوس حاجبيه بضيقٍ، فتناول ما بيده وهو يهمس بحنقٍ:
_ندل وتعملها.
عاد الهدوء يخيم بجلبابه عليهما، انتهى عمر من تناول طعامه واسند رأسه على زجاج النافذة من جواره ليغوص ببحر شرود لا يليق بشخصه الطريف، لاحظ عدي صمته العجيب فتساءل بقلق يدغدغ حواسه الباردة:
_مالك؟
ابتسم وكأنه كان ينتظر سؤاله للبوح عما يخنق صدره:
_وحشني البلطو الابيض.. ومكتبي والمرضى اللي اتعودت انهم يكونوا جزء من حياتي!
التفت اليه بحزنٍ لاح بين صميم نظرته العميقة، فتحولت لشيءٍ من القسوة اتبعت حديثه:
_ياسين الجارحي مش بيبص على التفاهات دي.. ياسين الجارحي متعود يصدر الفرمان والأوامر بس.
استدار عمر إليه، ثم قال بهدوءٍ:
_عدي بابا عمره ما كان اناني.. بدليل انه سابنا نختار من البداية.
ابتسم ساخرًا على أخيه الذي يراه طيب القلب فيسهل خداعه كحال والدته:
_سابك تختار اللي انت حابه عشان في الأخر هتنفذ اللي هو عايزه!
رمش بعينيه بحيرةٍ باختيار كلمات قد توضح له نظرته تجاه أبيه، فقال:
_أنا مش عارف أنت ليه بتعارض كل قرار بياخده حتى لو كان لصالح العيلة ولصالحك!
أوقف عدي سيارته بقوةٍ جعلت اصطكاكها مزعج للغاية، وقال بشيءٍ من الهدوء على عكس المتوقع:
_أنا اتخنقت يا عمر… اتخنقت من كل شيء… اتخنقت من نظرات كل اللي حواليا.. من وأنا صغير وانا بشوف بعيون الكل نظرة اني مرتاح ومولود وفي بوقي معلقة دهب.. بشوف حقد وحسد لاني ابن ياسين الجارحي العظيم.. تعبت وانا بحاول ابرر لكل اللي حواليا اني وصلت لكل ده بمجهودي مش بوسطة ابويا… تعبت وانا بكافح في الشرطة عشان اوصل لمنصبي وكل ده بيضيع ورا نظرة شك في عيون زمايلي رغم انهم عارفين قدراتي واللي اقدر اعمله… كرهت سلطة ياسين الجارحي اللي غصب عين الكل مفروضة حتى لو هو مش بيتدخل في حياتي.
وبوجعٍ صحب صوته المهزوز استرسل:
_أنا مش عايز أبويا يكون شخص عظيم ومعروف.. انا عايز أب يحتويني وقت غضبي ويطبطب علي!
وسأله بانهزامٍ:
_طلبي كبير؟
ابتسم رغم تلك الدمعة الخائن بين مقلتيه، فهز رأسه بالنفي وقال:
_لا مش كتير.. بس فاتك تحمد ربنا على النعم الكتير اللي انت فيها يا عدي، بابا يستحق انك تكون فخور بيه.. حتى وانت شايف نظرات الغل دي جوه عيون اللي حواليك!
_اربط حزامك.
كلمات هادئة تحررت على لسانه وهو يتطلع للمرآة بنظرةٍ صلدة، فردد عمر بحيرةٍ:
_ليه!
عاد ليكرر كلماته وهو يحرك مفتاحه:
_قولتلك اربط حزامك.
انصاع اليه عمر وهو يحاول استيعاب ما يحدث، وفجأة قاد تراجع عدي بسيارته للخلف وانعطف حتى ابدل طريقه، فبات في قبالة السيارة التي تراقبه خلسة، لاح على شفتيه بسمة خبيثة وهو يموج بالمقود الذي دفع ادخنته بشراهةٍ، وكأنه يستعد لأوامر سيده، وفجأة وبين نظرات ترقب عمر لفهم ما يحدث هنا، اندفعت سيارة عدي بمهارة تجاه السيارة السوداء التي تحاول الفرار بالتراجع للخلف بذهول وصدمة لما يحدث من أمامها، وبين تلك الصراعات دفعتها سيارة عدي للخلف بقوةٍ جعلتها تنجرف عن الجسر الحديدي الذي سبقها بالسقوط بالنهر وصراخ عمر يندفع بصدمةٍ:
_حاســب يا عدي!!
استدار بسيارته ومن ثم ضغط على مكابح السيارة مستخدامًا الفرامل خصتها، فتمكن بحرفيةٍ من تفادي اطراف الجسر، وتوقفت السيارة بسلامٍ آمن، أخفض عدي زجاج النافذة حتى يظهر انعكاس وجهه جيدًا للرجلين بعدما تحرروا من السيارة فصعدوا فوق سطحها، تمدد كلًا منهما على السطح الذي يكسوه المياه التي ابتلعت السيارة كالوحش المفترس، فاخذ السعل حقه بالانتقام منهم، لاحت بسمة ساخرة على شفتي الوحش الماكر، فضم يده معًا ليقدم تحية للرجل الذي يراقبه بنظراتٍ محتقنة، وكأنه يحيه على غبائهم الذي دفعهم لمراقبةٍ شخص ليس بالخصم الهين بالمرة!
*******
بالقصر..وخاصة بغرفة المكتب الرئيسي حيث يجتمع الشباب بأكملهم.
وضع جاسم احد الملفات على المكتب وهو يشير على موضع فارغ بالورقة:
_مش فاضل غير توقيعك يا أحمد.
انجرف عقله خلف طوفان من وجعٍ، يستحضره في تلك الساعات الاخيرة، الألم الذي يخص أقرب أناس للقلب وجعه لا يضاهي شيئًا، ومع ذلك حاول الهاء ذاته بالعمل عله ينسى ما حدث اليوم مع ابنته، أفاق من شروده القصير على هزة يد جاسم وهو يتفحصه باسترابةٍ:
_أحمد أنت كويس!
احتضن مقدمة رأسه باصبعيه، ثم جذب احد الاقلام الموضوعة من امامه، فوقع وهو يجيبه:
_كويس يا جاسم.. لسه في اوراق تانية؟
أغلق الملف بعدما تأمل موقع الامضاء:
_لا كده خلاص… اطلع كمل نومك بقى.
هز رأسه بمللٍ يستقطب جوارحه فيجعله دون جهدًا، نهض أحمد عن مقعده وجمع أغراضه الشخصية، وما أن حرر مقبض الباب حتى ارتد جسده للخلف بعنفٍ جراء ذلك الاصطدام القوي بمن يندفع كالثور الهائج ، تابع جاسم ما يحدث بضحكة كبتها بصعوبة وخاصة حينما هرع حازم للداخل وهو يحتضن حاسوبه ويصرخ:
_واجب عليكم تخلصوني من كل كارثة
والمرادي لازم تلحقوني قبل ما اشدكم ورايا واحد واحد!
*******
عادت السيارة لطريقها الآمن، وبالكاد تمكن عمر من تخطي ما تعرض له للتو، فمال برأسه تجاه اخيه وهو يردد بعد فترة من التفكير:
_بابا رجع يرقبك تاني؟
ابتسامته الماكرة لحقت حديثه الساخر:
_ياسين الجارحي مش بيشغل معاه ناس اغبية..
واسترسل بتوعد:
_تبع مين دول.. ده اللي محتاج اعرفه بالفترة اللي جاية..
قاطع حديثهما صوت رسالة هاتف عدي، فاخرج هاتفه ليتفحص ماذا هناك فاذا برسالة نصية من ياسين تطالب العون والعودة للقصر سريعًا
«عدي احنا كلنا في مصيبة سودة بسبب الحيوان حازم.. ارجع حالا قبل ما بابا او عمي يكتشفوا الموضوع.»
دفع الهاتف عن يده بغيظٍ كاد ببتر شفتيه من فرط عصبيته، فردد من بين اصطكاك اسنانه:
_نهايتك مش هتكون غير على ايدي انا يا****

خطوات تردد صداها بأرجاء الغرفة، وكأن باحتكاكها رسالة بهلاكٍ وتوتر لما سيقع فوق رؤسهم، الاجواء كان يقبضها خوفًا من القادم، وأبشع ما يورد للعقول النتيجة المتوقعة لما ارتكبه احمق العائلة، ووسط تلك المشاحنات العصيبة مازال صوت الحذاء يزعج آذان جميع من بالقاعة، إلى أن قرر “رائد” قطع تلك الدعسات التي تزيد من أحمالهم:
_اهدى بقا يا أخي واقعد في جنب، خيلتني!
صفق حازم يد بالاخرى وهو يردد بخوفٍ يكاد يبتلعه حيًا:
_اهدى ازاي بعد ما بلغتم عدي باللي حصل!
والقى نظرة حادة اخترقت وجوههم جميعًا قبل أن يخرج عن طوره:
_انا مشوفتش في حياتي ناس ندلة وخسيسة زيكم.. ده جزاتي اني إستأمنتكم على سر من اسراري العسكرية، بدل ما تساعدوني وتاخدوا بيدي رايحين تسلموني للوحش وش!
تمدد جاسم جوار رائد على الاريكة الجلدية، وقال وهو يهاجم نوبات نومه العزيز:
_لما مصايبك ميبقاش ليها حل هنلجئ لمين يا سبع الرجال!
مال رائد برأسه على مسند الاريكة الخلفي بتعبٍ لحق نبرته الهادئة:
_مهو مفيش غير اختيارين يا ياسين الجارحي يا الوحش.
كظم غيظه، واستدار تجاه ياسين الذي يتابع ما يحدث بينهم بصمتٍ بارد، فحاول استدراجه لمنطقته النائية:
_أخر حاجة كنت أتوقعها انك انت اللي تبلغ عني، بقى أنت اللي تعمل فيا كده أنت!!!
هو الدنيا جرا فيها أيه يا جدعان!!
حطم أحمد جلبابه المعتم حينما صاح بانفعالٍ شرس:
_قسمًا بالله لو محطيت لسانك في بوقك واتركنت في أي زواية تلمك لحد ما نشوف مخرج من المصيبة السودة اللي وقعتنا فيها دي لاكون أنا اللي ساحب قلبك من مكانه.. عشان ارتاح من حظي الاسود اللي موقعني مع أخ غبي زيك!
ابتلع حازم ريقه برعبٍ من الحالة الغريبة التي تسيطر على أخاه، فتراجع للخلف بظهره حتى سقط جسده تلقائيًا على أحد المقاعد المنفردة للخلف، وراح يتساءل بصوتٍ ظنه غير مسموع:
_أحمد وخرج عن رزانته طب مين اللي هيحميك من شر ابليس اللي في الطريق ده!
لمعت عينيه ببريقٍ خبيث، فطرقع أصابعه وهو يخرج هاتفه بحماسٍ:
_هو مفيش غيره!
********
بالطابق الثاني من القصر وبالأخص بغرفة”حمزة”
مل وهو ينتظر بالفراش لأكثر من ساعتبن متتاليتين، حتى أن النوم قد غلبه فاهتز رأسه للأسفل بعنفٍ حينما سقط من اعلى الفراش، فامسك بالغطاء السميك باستماتةٍ حتى تفادى سقوط جسده بأكمله خلف رأسه المخمور بالنوم، فأحكم المئزر الواسع حول الشورت القصير الذي يرتديه، فنجح بإخفاء بطنه المنتفخ كالبلور، فلم يهتم يومًا بلياقته البدنية على عكس ابناء أعمامه، فلم يغزو الشيب رأسه فحسب بل سرى على جسده البطن المنتفخ التي لا تليق أبدًا بجسده الرفيع، فتح حمزة عينيه بمللٍ وهو يناديها:
_أنا بنـــام يا توتووووو لسه قدامك كتير!!
اتاه صوتها من خلف باب الحمام الموصود تخبره:
_لا خلصت وخارجة أهو يا حبيبي.
ذم شفتيه باستنكارٍ ساخرٍ:
_بقالك ساعتين بتقولي خارجة، هموت وأعرف بتعملي أيه كل ده جوه.
وعاد ليتمتم بغضبٍ:
_الستات دي ليها الف لغز، عاملة زي اللب الاسود اللي جوه البطيخة.. ومن كتر حبك فيه مضطر تاكله حتى لو اللب الرزل هيضايقك ويمغص عليك عيشتك المطينة بطين!
إشرأبت بعنقها من خلف باب الحمام، تتساءل بحدةٍ:
_بتقول حاجة يا حمزة؟
جحظت عينيه في صدمةٍ لجأت به لرسم بسمة ساذجة:
_أبدًا يام أحمد يا غالية.. ده أنا بقول هستانكي حتى لو لأخر يوم في عمري اللي بيتلهط وأنا لسه قاعد مكاني على السرير بستنى طلتك البهية!
وجذب الوسادة ثم قذفها خلفه بغضبٍ يكبته بداخله قدر المستطاع حتى لا تنتهي ليلته الوردية بخناقٍ سيودي بمشاعره، فجذب من جواره وعاء حبات الذرة الشهي، فأخذ يلتهمه بشراسةٍ تطفئ غيظه من زوجته، فانسجم قليلًا مع الفيلم المعروض على الشاشة التي تقابل فراشه، وفجأة اطبق فمه على بعض من حبات الذرة وانغلقت عينيه استسلامًا لنوبة مؤقتة من النوم، فسقط رأسه بعنفٍ على الكومود لينزع عنه الوعاء الذي تبعثر بانحاء الغرفة، نهض حمزة عن الفراش وهو يتأمل حالة الفوضي التي يشملها الفراش، فوزع نظراته بين الفراش تارة وبين باب الحمام الذي يدور مقبضه تارة اخرى، وقبل أن يتحرر بها كان يندفع بكل قوته تجاه الفراش ليخفي حبات الذرة واذ بوجهه يشتعل بحمرةٍ غريبة، جعلت تالين تتساءل بقلقٍ:
_مالك يا حمزة.. أنت كويس؟
هز رأسه ببسمة اقرب للبكاء، وبهمسٍ مؤلم قال:
_عمودي الفقري بس قافش حبتين..
واسترسل وهو يجذب الغطاء ليخفي ما يخفيه جسده من اسفله، وتمتم بسخطٍ وهو يحاول الاعتدال بفراشه:
_هي ليلة باينة من اولها..
ومع كل تلك التعقيدات مازال يرسم ابتسامة وهو يشير لها بغمزةٍ ظنها جريئة على عكس ما رأتها تالين فحدجته بنظرة ساخرة، ومن ثم اتجهت للسراحة، تلاشت معالم السعادة على وجهه وراح بتساءل بقهر:
_انتي راحة فين تاني!
جذبت المِشْطُ وأخذت تمشط خصلاتها وهي تجيبه بضيقٍ دون أن تتطلع تجاهه:
_في أيه يا حمزة.. هو أنا اجبرتك تقعد وتستناني ما تنام!!
كز على اسنانه ومن بين اصطكاكهم قال:
_عطوا الغبي كشكول وقلم وقالوله اقرأ!!
كاد بطرح سيل من الحكمة المتعارفة بقاموس حمزة الجارحي فقط، ولكن صوت هاتفه جعله يتغاضى عن معركة الجدال فيما بينهما، جذب هاتفه ليجد رسالة جعلت معالمه تتكمش تأففًا، وخاصة وهو يقرأ محتوياتها
«ابنك هيتعلم عليه في بيتك وفي وجودك يا ريس..»
ترقب حازم رؤية رد من أبيه، ولكنه على غير عادته تجاهل رسالته، فعاد ليرسل له عله يحفز خلاياه
«هو ده العشم والانصاف، هيجيلك قلب تنام وعارف ان ابنك محتاجلك!»
القى حمزة هاتفه بعيدًا عن يده بعدما جعله بوضع الصامت، وترقب لحظة جلوس زوجته لجواره بابتسامة برزت اسنانه، وسرعان ما تلاشت ابتسامته حينما وجدها تندث أسفل الفراش وتغمر جسدها بالغطاء، لتغوص بنومٍ مريحٍ، والآخر يراقبها ببلاهةٍ، اهتز هاتفه مجددًا فجذبه بغضبٍ ليقرأ رسالة حازم الاخيرة
«كده… يكش تفضل عمرك كله تستنى الليلة اللي عمرها ما هتحصل دي يا زيزو.. بقى يا راجل انا بستنجد بيك تقوم تطنشني، عموما براحتك انا كنت محضرلك صبغة وشوية كريمات مساج ترجعك صغير ولو 30سنة، بس انت مالكش في الطيب نصيب.. نام واتدفى يا حاج»
قذف حمزة هاتفه ارضًا بغيظٍ، ثم احكم اغلاق مئزره واتجه للاسفل ليرى ماذا هنالك؟
******
صوت بوق سيارة عدى المميز، جعل قلب حازم يندفع رعبًا من القادم، وفور ظهوره يقترب على باب القصر جعله يهرول للأريكة التي يقطن بها أخيه الذي يرمقه بسخطٍ، وهو من ينوي تسليمه يد بيد، وقف عدي قبالة ياسين وتساءل:
_أيه اللي حصل؟
صعد حازم فوق ساق أحمد وتعلق به كالطفل الصغير الذي يحتمي بوحشه الملائكي، عله يحمله ويرفرف بجناحته بعيدًا عن مكان وجود الوحش الاشرس، قذفه أحمد بعيدًا عنه بنفورٍ، ومع ذلك لم ينجح بابعاده عنه كليًا، همس حازم بصوت متقطع بائس:
_متقولش يا ياسين.. خليك جدع.
وكأنه تلقى دعوة صريحة بالحديث، ففور انتهائه من اوامره الحمقاء،طرد ياسين ما بجوفه:
_البيه المحترم باعت رسايل حب وغرام لزوجة “طوني فضل”. والراجل قالب عليه الدنيا من شرقها لغربها وبعتله رسايل تهديد!
ظهرت يده من خلف جسد احمد وهو يشير بالنفي معللًا:
_كنت فاكراها حفيدته وعهد الله… معرفش انها مراته!!
واسترسل بضيقٍ:
_انا مش عارف الراجل ده مش بيستنضفله حتة ربع عمر ليه!
اتجهت نظرات عمر اليه، فأشار له بغضب:
_لو عايز تنجي بعمرك النهاردة بطل احكامك وافتراضاتك عشان نعرف ننقذ ما يمكن انقاذه..
ابتلع ريقه بتوترٍ، فازاح ذراع احمد وجلس ملتصقًا به ثم عاد ليفرد ذراعيه على الأريكة من جديدٍ، طال صمت عدي مما دفع رائد ليسأله باهتمامٍ:
_هنعمل ايه دلوقتي يا عدي، الصفقة اللي بيني وبين طوني لو متمتش هتحمل خساير كبيرة.. وأنت عارف اي خسارة من غير وجود عمي هيكون مردودها ازاي!
اتجهت نظراته الثاقبة تجاه حازم، وصاح بعصبيةْ خطيرة:
_لو عمل كده هيبقى معاه كل الحق، انا لو مكانه قسمًا بالله كنت انتشلت قلب الحقير ده من مكانه.
وأشار باصبعه تجاهه وهو يأمره بالاقتراب، فلم يمهله أحمد فرصة التفكير بعواقب الامر، بل دفعه بكل قوته ليواجه مصيره بمفرده تلك المرة، بعدما نفذ صبره في امتداد محاولات انقاذه، وقف الاخير قبالته بنظراتٍ فزعٍ تترقب لحظة هجومه، فوقف الاخير صامدًا من أمامه ومن ثم واجهه بالحديث:
_انت مش هتبطل القذارة اللي في دمك دي، انا حقيقي مش عارف انت هتعقل أمته!
وانطلقت شرارته تصاحب صوته الرعدي:
_راعي ابنك ومراتك اللي على وشك ولادة..
واسترسل بحدة:
_أنا مش همد أيدي عليك،انت مبقتش صغير للهبل ده..دي أخر غلطة ليك يا حازم والا وقسمًا بالله أخليك تتحسر على اللي باقي من عمرك.. سامع!
_ليــه كده يا عدي يا ابني… نهيت الموضوع بدري كده ليه… امال فين لكماتك وطولة دراعك اللي ربنا من بيه عليك.. راح فين تهورك وفرد عضلاتك.. انت بطلت تروح الجيم ولا أيه يا حبيبي؟
كلمات متحسرة لفظ بها حمزة بعدما تحطمت سعادته التي زرعت بعدما علم مع من علق ابنه، فتعشم ان يعيد عدي تربيته من جديدٍ، وحينها ستبرد نيران قلبه جميعًا التي كان هذا الأحمق سببًا اساسيًا بها، قطع حمزة الدرج حتى بات بالاسفل امامهم جميعًا، فكبت معتز وجاسم ضحكاتهما بصعوبةٍ بالغة على المئزر(الروب) الذي يرتديه حمزة، اقترب منه ثم حمسه قائلًا:
_انت خايف على زعلي! ولا يهمك يا حبيبي خد راحتك وبالقوي كمان.
واتجه للمقعد الذي يتوسط القاعة وهو يشير له:
_أنا هقعد هنا اتفرج ولا كأني موجود .
دنا منه عمر ثم انحنى تجاهه وهو يسأله بحيطةٍ:
_انت كويس يا عمي؟
رفع احد حاجبيه بذهولٍ:
_باين اني تعبان ولا ايه!
كبت عمر ضحكة كادت بالانفلات منه، فربت على كتفيه وهو يخبره بحنانٍ:
_طب اطلع البس هدومك لتاخد برد!
لم ينجح حازم في كظم غيظه والبقاء هادئًا حتى لا يخرج عدي عن طور هدوئه الغريب هذا ومع ذلك اشار لوالده بحنقٍ:
_اطلع استر نفسك ليجيلك روماتيزم على القلب ولا حاجة… العضمة كبرت وكل ما تحافظ عليها كل ما تنعم بجزء من المناعة..
نهض حمزة عن مقعده بعصبيةٍ بالغة، فاندفع تجاهه بسرعة حررت المئزر ليكشف عن بطنه المتدلي، فكاد بجذبه من رقبته لولا تدخل جاسم الذي حمل حمزه وابعده من الوصول لحازم والاخير يصيح بغضب:
_انت طالعلي من انهي بلوة… ده انا لو كسبك في كيس شبسي يالا كان هيبقالك اي صلاحيات مفيدة في الحياة!
هرول به جاسم للخلف وهو يردد بتعبٍ من الحمل الذي يقع اعلى ذراعيه:
_استهدى بالله يا عمي واطلع اوضتك… سيب عدي هو هيظبط المغفل ده.
على صوت حازم وهو يجابه اباه:
_مهو ده تمامك يا حاج.. انك تكسبني في كيس شبسي اصل توتو خلاص مبقتش راضية عنك.. وطول مهي مش راضية عنك هتفضل كده بالروب طول النهار!
انفطر معتز بالضحك وترك حازم عن يده، فلكمه رائد وهو يصيح به:
_اخرس بقا… لسه بنحاول نلم مصايبك!
اشار له حمزة:
_سيبه يا رائد خليه يجيني ده انا شايل منه وناوي اخلص عليه الجديد والقديم..
أغلق جاسم مىزر حمزة وهو يربت على كتفيه، وبانفاس مختقنة من فرط المجهود قال:
_سيبك منه يا عمي… واطلع اوضتك الله يكرمك.
كاد بأن يجيبه ولكن حانت منه نظرة جانبية مندهشة لمن يتابع معركتهما ببرودٍ، فاتجه اليه وهو يردف بسخطٍ:
_أنت مش ابني ولا كسبك في كيس شبسي انت كمان؟
رفع أحمد نظراته تجاه ابيه بمللٍ، فصاح الاخير بصوت صاخب:
_قوم فز دافع عني.. أنا مش ابوك ولا انت كمان العضلات دي نفخ!!
وكأنه كان ينتظر احد يدفعه خارج قوقعته الخاصة، نهض احمد بآلية تامه عن الأريكة واتجه ببرودٍ تجاه أخاه، وباغته فجأة بلكمة اصابت أنفه فجعلت رأسه يدور كمن يحاط به الطير، ليسقط أرضًا فاقدًا للوعي تحت نظرات صدمة من الجميع، وعلى رأسهم حمزة الذي ابعده لينحني برأسه تجاه حازم الذي يحتضن الارض، فتفحصه وهو يردد بخوف:
_انت عملت ايه في الواد!!
بثباتٍ ودون أي ذرة ندم قال:
_دفعت عنك زي ما حضرتك طلبت… أي أوامر تانية ولا أطلع اوضتي.
ابتلع حمزة ريقه ببعض الخوف من تمرد العنف بأعين ابنه الهادئ فبات أشد خطورة، لذا اشار له ببسمة مصطنعة:
_لا يا حبيبي اطلع انت نام وارتاح ومتقلقش ابوك هنا..
تمتم ساخرًا وهو يصعد للاعلى:
_مهو ده اللي مطمني!
راقب حمزة انصرافه ثم عاد ليتفحص الجميع بنظرةٍ متفحصة انتهت بابنه الراقد ارضًا وعلى ما يبدو بانه بحاجة لان يحمل للاعلى أولًا ولطبيب ثانيًا، لذا اعاد اغلاق مئزره وهو يخبرهم بمهنيةٍ لا تشبهه بتاتًا:
_طب يا ولاد..ورايا شغل كتير بكره تصبحوا على خير.
وتركهم واسرع للاعلى، ولحق به رائد وعمر، انحنى معتز وجاسم اليه في محاولة لايفاقته، بينما تحرك عدي لاقرب مقعد، فجلس يراقبهما بمللٍ وهم يحاولون افاقته، انتبه عدي لنظرات ياسين وابتسامته الغريبة بمراقبته، فسأله باستغرابٍ:
_لسه في مصايب تانية ولا استكفينا النهاردة؟
تغاضى عن سؤاله وقال بنبرة هادئة:
_ياسين الجارحي نجح في اللي عايز يوصله.
تجعد جبينه بدهشةٍ من مقصده، فاسترسل ياسين حديثه الغامض:
_تصرفك الغير منطقي دلوقتي اكتسبته بفضل المكتب ووجودك جنبنا، يمكن دي مكنتش هتكون ردة فعلك لو كنت لسه ظابط شرطة..
_قصدك ايه؟
علل ما يود طرحه حينما قال بسلاسةٍ:
_قصدي انك لما بعدت عن الضغوطات وشغل الشرطة اللي كله سلاح ومطاردة ودم تفكيرك بقى رايق زي ياسين الجارحي بالظبط.. والدليل تحكمك بانفعالاتك مع الغبي ده!
واشار بابهامه على حازم الذي مازال يحتضن الارض كالصورة التي لا تسمح لملتقطها بالفرار عن ساحتها، اعتدل عدي بجلسته ثم اخبره بسخريةٍ:
_حد قالك اني كنت ماشي أقتل في خلق الله!
ابتسم وهو يجيبه بصدرٍ رحب:
_انت كنت كده فعلًا.
رفع حاجبيه بسخطٍ على صراحته المبالغ بها، ومع ذلك تغاضى عن حديثه وهو يسأله بجدية:
_ماله أحمد.. شكله مش مظبوط!
رد عليه بحيرةٍ:
_مش عارف حقيقي… ورجع من المقر بدري النهاردة على غير عادته.
جذب هاتفه وهو يهمس اليه:
_هشوف ماله؟
*******
القى معتز سطل المياه عن يده بارهاقٍ اتبع نبرته:
_خلاص يا جاسم احنا نسيبه مرمي كده لبكره الصبح.. ما باليد حيلة!
ابتعد جاسم عن حازم فسقط ارضًا، فازاح حبات العرق عن جبينه بتعبٍ:
_عندك حق انا حيلي اتهد!
ورمق التراس بحيرةٍ اتبعت سؤاله:
_بس هنسيبه كده في البرد ده؟
حك معتز ذقنه بتفكيرٍ انهاه حينما قال:
_خليك هنا انا شوية وراجع.
وعاد بعد دقيقة بما يحمله بيده، فطرح الغطاء عليه ثم قال ببسمة واسعة:
_كده فل اوي… بينا نريح ساعتين قبل الشغل.
وكادوا بالصعود للاعلى، فاوقفهم عمر الذي هم بالهبوط للاسفل:
_انتوا رايحين فين؟
اجابه معتز بغيظٍ:
_كلك نظر الصبح داخل وحابين نريح شوية.. ايه وجه الاعتراض هنا!
اضاف جاسم:
_مش فاهم حقيقي!
اشار عمر للاسف وهو يلوك حبات البندق الشهي:
_شيلوا الحيوان ده وطلعوه لمراته.
جحظت عين جاسم الذي تحرر عن مرقد عصبيته:
_لأ… شيل تاني لأ… حرام عليكم انا هموت منكم هنا..
وصعد للاعلى وهو يردد بحنقٍ:
_ومفيش تصبحوا على خير..
غادر من امامهما والاخر يتابعه بصدمةٍ، اتبعت سؤاله:
_ماله ده؟
اجابه معتز بضحكة ساخرة:
_عمك قام معاه بالواجب.
عاد ليلوك ما بيده بتسليةٍ، ثم اشار لمن يقف قبالته:
_بينا نطلعه احنا.
وبالفعل اتجه عمر ومعتز لحمل حازم والصعود به للاعلى.
وبعد محاولات مستمية لحمله، نجح عمر ومعتز في نقله للمصعد، فالقوه جانبًا ثم اخذ كلا منهما يلتقط انفاسه بارهاقٍ، صاح عمر بعصبيه:
_الاسانسير هيتحرك من نفسه ولا ايه!
فهم معتز ما يلقيه عليه، فعبث بازرر المصعد بالطابق الرابع، ووقف كلا منهما يترقب لحظة وقوف المصعد، عادوا لحمله ثم استدروا تجاه باب غرفته، فطرقوا الباب ثم ولاوه ظهورهما حتى لا يكشفن عن ستر زوجته، فما ان فتحت الباب حتى تفاجئت بوجودهم، فحمدت الله بأنهم منحوها بعض من الخصوصية، فعادت للداخل وعقدت حجابها ثم اتجهت اليهم تتساءل بقلق:
_في ايه يا عمر؟
اجابها وهو يشير لها بالتنحي جانبا:
_ولا اي حاجة… هو واخد بنج رباني هياخدله بتاع اربع خمس ساعات تغفيلة كده.. متقلقيش.
اتبعتهما للداخل قائلة بسخريةٍ:
_هقلق ليه هو اللي جايب لنفسه المشاكل وجايبلي وجع الدماغ جنبه.
القاه معتز على الفراش وهو يصيح بغضب:
_تعبت امي يا جدع… يا ساتر!
ثم تطلع لنسرين وقال ببسمة عريضة:
_احنا اسفين اننا دخلنا في الوقت ده بس ما باليد حيلة مكنش ينفع نرميه تحت مع ان كان نفسي والله بس دكتور عمر قلبه رهيف على المرضى بتوعه وشايف ان المريض حالته هتتحسن في سريره من باب يموت في فرشته احسن ما يطلع عين اللي حوليه صح يا دكتور؟
أشار له باعجابٍ لاتقانه حكمته المتفانية:
_بالظبط..
ثم تطلع لها وهي يسحب الاخير خلفه:
_زي ما قولتلك بلاش تقلقيه سبيه ينام براحة راحته… تصبحي على خير..
وغادروا معًا وظلت هي محلها تتامله بغيظٍ وغضب تردد بهمسها الساخط:
_هببت ايه المرادي!
*****
وعد أحمد عدي بالحديث معه بالمقر صباح اليوم التالي، فاحترم الاخير رغبته واغلق الهاتف، فقال ياسين بقلقٍ:
_الموضوع كبير للدرجادي!
وضع عدي هاتفه بجيب بنطاله ثم اعتدل بجلسته وهو يجيبه:
_يمكن الموضوع متعلق بليان.. البنت كبرت واسمها هسببلها مشاكل نفسية كبيرة.. متنساش كمان تعلق اسيل الكبير بيها.. وخصوصا بعد ما حملها ما كملش.. حتى بعد السنين دي كلها لما ربنا عوضها بآويس بس حبها مازال أكبر لليان.
كاد بأن يجيبه ولكن قاطعهما صوت طفولي رقيق، ينادي بخفوتٍ:
_بابي.
انتبه عدي لصوت ابنته التي تقف بالقرب من الدرج ويبدو عليها الحزن الشديد، فقالت بانزعاجٍ:
_بقالي أكتر، من ساعتين مستانية حضرتك ومامي زعلانه مني عشان معاد نومي فات من بدري.
نهض عدي عن الاريكة، ثم اقترب من ابنته وانحنى على ركبتيه ليكون على مستوى قريبًا منها، فضم خديها بين لائحة يده وهو يخبرها :
_أنا آسف يا روح قلبي، حقيقي انشغلت ونسيت انك مستانياني.
وحملها بين ذراعيه ثم استدار تجاه ياسين ليسترسل بضيقٍ:
_هو انا هفتكر أي شيء خاص بيا طول ما أنا وسط المشاكل!
وحملها واتجه للأعلى ومازالت بين يده، ولج لداخل الغرفة، ثم افسح المجال للخادم الذي اتى بعلبٍ الطعام مثلما طلب منه، فوضعها على الطاولةٍ وغادر على الفور، دلف عدي بابنته التي اجلسها على ساقيه ثم قال بحبٍ:
_كلتا أذني صاغية… أيه بقى الموضوع المهم اللي عايزاني فيه؟
قالت بنومٍ يغلب صوتها:
_مامي هتقولك..
بحث عدي بعينيه عن معشوقة قلبه فلم يجدها، وفور سماعها لتلك المهمة التي وكلتها بها ابنتها حتى خرجت من جوار السراحة تشدد:
_لا يا حبيبتي بلغي بابي قبل ما تروحي اوضتك.. عشان نبقى على نور كده.
راقبهما عدي بحيرةٍ، الى ان قالت الصغيرة:
_أنا عايزة اطلع رحلة نظمناها انا وصديقاتي مع ادارة المدرسة لشرم الشيخ.
اعاد خصلة شعرها البني المتمردة على عسلية عينيها لخلف آذانها وهو يجيبها:
_طب وأيه المشكلة في كده؟ .. خدي ياسين معاكي.
قالت بتردد ظهر بحديثها:
_ياسين عندهTest بعد بكره.. ومش هيقدر يطلع معايا… لكن فصلي اختبر خلاص.
رمش بعينيه بثباتٍ، ثم قال بنبرة مازال يدفئها حنانه المباغت به تجاه ابنته:
_خلاص يا رحمة مش هتقدري تطلعي من غير اخوكِ.. أنا مش هقدر أخليكِ تسافري لوحدك حتى لو المدرسة كلها كانت معاكي بالرحلة دي!
انشق الحزن على وجهها، فقالت بصوتٍ يهزه الضيق:
_بابي ياسين تؤامي يعني من سني..وحضرتك كل حاجة تخصني بتوكلها ليه هو!
وبرجاءٍ قالت:
_انا هكون مع صديقاتي وهعرف اخد بالي من نفسي.
نهض عدي عن الاريكة ثم اتجه للخزانة، يبدل ملابسه لبنطال قصير، وتيشرت أزرق قطني يريحه من الحلى التي لا تفارقه، وقال وهو يعيد تصفيف خصلات شعره البني التي طالت بعض الشيء:
_روما النقاش بالنقطة دي منتهي.. مفيش سفر لوحدك.. ممكن بعد ما اتفرغ الفترة الجاية نسافر كلنا مع بعض لشرم.
واستدار لها وهو يستطرد:
_الوقت اتاخر ولازم تنامي… تصبحي على خير يا حبيبتي.
كبتت نظراتها المغتاظة خلف دموعها، وغادرت بصمتٍ، تطلع عدي لمن تقف على بعدٍ منه، شاردة بالاريكة التي حملت طيف جسد ابنتها منذ قليل بحزنٍ، فقال برفقٍ صاحب صوته الرخيم:
_مينفعش اخليها تسافر لوحدها من غير اخوها يا رحمة!
مجرد شعورها بخوفه من حزنها على قراره اسعدها، فدنت حتى باتت قريبة منه ثم قالت:
_انا معاك في قرارك يا حبيبي، انا نفسي رفضت بس اصريت انها تسمع الكلام منك افضل.
منحها ابتسامة جعلت فرحة الكون باكمله تحتضنها، فضمها اليه وهو يشير للطعام بعينيه:
_طب مش هناكل!
هزت رأسها بالموافقة، واتجهوا معًا للطاولة المستديرة بالشرفة، فجلست تتناول الطعام بشرودٍ تام، فتساءل بنظرة تغلغلت لداخلها:
_بتفكري في ايه؟
وضعت الطعام عن يدها ثم ازاحت بقاياه بالمناديل الورقية، واعتدلت بجلستها وهي تحاول البوح عما تود قوله بارتباكٍ:
_اعتمادك على ياسين كبير جدًا.. بحس اوقات انك شايفه شاب كبير وبتتعامل معاه على ده الاساس بالرغم من انه زي ما رحمة قالت من شوية من سنها.. وانت شايفها صغيرة ولسه بتشيلها وبتعاملها كأنها طفلة.. طب ليه الحنان ده كله مش بحس بيه مع ياسين ابنك يا عدي؟
ترك كوب العصير عن يده، ثم نهض عن الطاولة واتجه للسور الحديدي للشرفة، ظنته غضب لما قالته، فنهضت عن محلها واتجهت لتقف جواره، وجدته يبتسم وهو يراقب بقعة بعيدة عن غرفتهما، فراقبت ما يرآه فوجدته يتطلع تجاه شرفة غرفة اولادهم المجاورة لغرفتهما، فرأت ياسين يجلس على الآرجيحة ويحتضن رحمة، يحاول بشتى الطرق ان يوقفها عن البكاء، كان يعاملها كمن يسبقها عشرات الاعوام وليس عشر دقائق فقط، والعجيب انه ظل يهمس لها بكلماتٍ غير مسموعة وانتهى الامر بها بالابتسامة والغفوة على قدم اخيها، ابتسمت رحمة وهي تراقب ابنتها وابنها الحنون، واتجهت نظراتها لعدي الذي ردد:
_هو اللي بيجبر اللي حواليه يعاملوه انه شاب..
واستدار تجاهها ليشير لها بشكلٍ مضحك:
_لو بطل يستفزني ويأيد ياسين الجارحي كنتي هتشوفينا في اطار صداقة محصلتش لمية سنة ورا.. بس ده اختياره الوحيد اللي غبي فيه.
تعالت ضحكاتها بعدم تصديق لما يحمله من غيرة تجاه حب ابنه لجده، فاحتدت نظراته تجاهها لتشير بجدية مصطنعة:
_خلاص خلاص مش هضحك.
وفجأة انفجرت من الضحك وهي تخبره:
_مش يمكن اختياره يكون صح.. وبالتالي هو اذكى مما تتوقع!
اتسعت حدقتيه بانذارٍ صريح لما قد يصيبها، فتراجعت للخلف وهي تشير له بمرحٍ:
_انا بفترض معاك عشان نلاقي حل للمشكلة دي… بدل ما اللي بيحصل بينك وبين والدك يتكرر مع ابني ساعتها هعيش نفس الدور اللي عايشاه ماما آية وهبقى انا الضحية!
ظل يقترب منها وهي تتراجع للخلف ويدها مضمومة لشفتيها لتجبرها عن التوقف عن الضحك حتى لا تقابل مصير قد تندم عليه لاحقًا، ومع ذلك انسحب عنها مرحها حينما باتت سجية لعواطفه، تلك العاطفة التي قذفتها بوابل من المشاعر العاشقة لادق تفاصيلها، التي تناهت عن عقابها لتخطيها تلك الحدود، فتخطت المشاعر الآن كل حدود العشق التي تحفظت بها عليهما!
*******
طوى ضياء الشمس ظلمة الليل الكحيل، لينعم باشراقة خلابة بالصباح الباكر، حاول عمر فتح عينيه مرارًا مع شعوره بوخزة من الألمٍ الحاد بذراعه ومع غلبة النوم كان يندرج خلفه، ومع حدة تكرار الألم انصاع لايقاظه، ففتح عينيه وهو يتأوه بوجعٍ، أصابه بصدمة حينما وجد نور تجلس جواره وتنغزه بسن دبوس الحجاب الحاد، تفحص يده التي ازدادت بالاحمرار وردد بذهولٍ:
_أيه اللي بتعمليه ده يا مجنونة!
وكأنها كانت تنتظر تلك الدفعة لتفجر ما بداخلها، فانطلقت به:
_انت لسه شوفت الجنان اللي على اصله، بقى أنا جايلك جري من عند الدكتورة افرحك بابنك اللي في بطني القيك مشغول بتقيم المسائل.
ردد بسخطٍ:
_مسائل!! وايه ابنك اللي شايلاه في بطنك ده واخداله ايجار جديد ولا أيه!!
عادت لتنغز سن الدبوس داخل لحم ذراعه، فصرخ بالم وهو يبعد ذراعها عنه مشيرًا لها بتحذير:
_نور بطلي جنان على الصبح..
حاولت الاعتدال بجلستها الغير مريحة بالمرة، فتاوهت ألمًا، وقدمت يدها له تخبرها بلطفٍ لا يتناسب مع جرمها المشهود:
_ساعدني كده الله يكرمك.
أمسك عمر يدها حتى اعتدلت بجلستها التي جعلتها تتمكن منه، فعادت لتسترسل حديثها المندفع:
_يعني انا يا ابن الحلال كل يومين هجي اقفش من عندك ستات!! لا في عيادتك رحمني ولا في المقر وسط الناس المحترمين رحمني قولي على حل واحد اسلكه معاه وانا هسلك!
احتضن جبهته بألمًا، فعاد ليتمدد على الفراش وهو يشير لها بنومٍ:
_اطفي بس النور هريح شوية وهنسلك كل الحلول مع بعض بعون الله.
جحظت عينيها في صدمة، فعادت لنغزه من جديد، ففزع في رقدته، نجح عمر بلف ذراعها من خلف خصرها ومن ثم انتشل ما تحمله وهو يردد باستهزاءٍ:
_شغالة اشراف في تعذيب سجون 5غرب!
استحضرت دموعها الماكرة في دقيقة وراجت تندب بتأثرٍ:
_بتضربني بعد السنين دي كلها يا عمر… لا وبتلوي دراعي اللي ياما اعملك الطفح ورتبلك هدومك!
تفاجئ بما تقوله، فابتعد عنها وهو يشير لها بتحذيرٍ:
_نور أنا مش أد مكرك… ارحميني لوجه الله… الاكل اللي بتعمليه بتجربي فيا قبل ما تديه لبنتك وترتيب الهدوم والكلام الاهبل ده مهو اللي طريقة محترمة للتفتيش على اساس اني لو ماشي مع واحدة هخبيها في هدومي مثلًا..
واستطرد بسخريةٍ:
_انا فاهم كل حاجة وعامل نفسي عبيط.. يعني بالبلدي كده واكلها بمزاجي عشان انا طيب وبحبك بس… زي ما عديت اللي عملتيه امبارح ده عشان بس كان على معدتي لاني مكنتش طايق البت دي ولا طايق قعدتي معاها..
صفقت يدها بطريقة مضحكة وهي تقول:
_بدليل انك ساهران معاها وراجعلي وش الصبح!
رفع اصبعه امام وجهها باعتراضٍ مضحك:
_لا عندك… مسمحلكيش انا دكتور محترم وليا سمعتي.
_دكتور ايه بقى ما خلاص ياسين الجارحي علم عليك يا حبيبي.
_ولو حتى لو بشتغل ميكانيكي بس بسمعتي اللي زي الجنية الدهب برضه.
واسترسل ببسمةٍ عنجهيةٍ:
_وبعدين انا كنت مع اخويا بنحل شوية امور وتقدري تروحي تسأليه.
ثم اشار لها ساخرًا:
_وسعي بقى انتي وبطنك دي.. خليني اقوم اخد شاور امشي من هنا قبل ما دماغي تنفجر من عمايلك.
ابتعدت عن حافة الفراش وهي تتطلع لبطنها بعد كلماته بتفكيرٍ، فهمست بتوعدٍ:
_ماشي يا عمر.. وربي لاوريك.
*******
انتهى من عقد جرفاته السوداء حول رقبته، وجذب البرفنيوم الخاص به ليضعه على معصمه، كان يتألق كعادته فحتى وإن كان يعمل بالصخر وسط المجرمين كان يهتم بمظهره، انتهى عدي من ارتداء حذائه وانتصب بوقفته الشامخة ليغادر جناحه، اتجه ليجذب هاتفه عن الشاحن المتصل به، فوجد اكثر من خمسةٍ اتصالات متتالية من صديقه مازن، اعاد زر الاتصال ليجده يجيبه:
_أخيرًا… انا بحاول اكلمك من بدري.
اتاه رده الجاف:
_لسه فاكر تتصل.. انا اديتك ساعات عشان تجبلي المعلومات اللي طلبتها منك جايلي بعد ايام وتتكرم باتصالك ده!
اجابه بجدية تامه:
_عدي الشخص ده مخيف بدرجة ترعب، خافي كل حاجة وراه بشكل مش معقول، وده يخليني اكدلك انه له في الشمال بس على تقيل، رجل اعمال ومعروف زي ده اكيد مش هيهتم بالثغرات اللي وراه بس كونه حريص بالشكل ده يخلينا نتأكد انه وراه مصايب مش مصيبة واحدة… والغريب في الموضوع ان أكتر من حد أكدلي إن مهاب أبو العزم ده راجل كبير وقديم في السوق، بس لما راقبته وشوفته لقيته شاب صغير بتاع 31سنة وده ميتطابقش مع الكلام والمعلومات اللي جمعتها عنه!
ضيق عسلية عينيه بغموضٍ، فقال بثباتٍ ماكر لا يبرز ما خلفه من تفكيرٍ عميق:
_خليك بعيد يا مازن… سبلي انا الموضوع ده.
وانهى اتصاله بكلمة مختصرة:
_هكلمك تاني.. سلام
خرج عدي من غرفته ليجد ابنته تقف امام بابه وعلى ما يبدو بانها كانت بانتظاره منذ فترة، منحها ابتسامة وهو يشير لها بالاقتراب لاحضانه، تعلقت برقبته حينما رأته ينحني تجاهها، فنهض بها وهي بربت على ظهرها بحنوٍ، رددت برجاءٍ طفيف:
_عشان خاطري يا بابي.. انا نفسي اروح معاهم..
ابعدها عنه لتقابل صدق خوفه القابع بعينيه:
_يا حبيبتي انا مش ممانع بس زي ما انتي شايفة اخوكي مشغول.. مين اللي هيروح معاكِ!
انفلتت بنوبة حارقة من البكاء، وخفضت ساقيها عنه، فتركها تنخفض عن ذراعيه، ركضت الصغيرة بعيدًا عنه باكية، فرآها ياسين وسألها بقلق:
_في ايه يا حبيبتي؟
لم تجيبه الصغيرة، اكتفت بتلك النظرة المنكسرة اليه وتابعت ركضها تجاه اخيها الذي يبعد عنهما بمسافةٍ ليست بالبعيدة، دنا ياسين من عدي وتساءل بفضولٍ:
_مالها رحمة يا عدي؟
تمعن بالتطلع تجاه ابنه الذي يحتضن شقيقته ويرمقه بنظرةٍ ثائرة، مغتاظة لما تسبب به لشقيقته، تدافعت ذكريات تلك النظرة لذهن عدي ليتذكر كيف كان يجابه اباه بنفسها، كم هي مؤلمة للغاية ان يناطحه المد بالمد وإن تمكن من شرح وجهة نظره الأكثر حكمة منه له سيتفهم الامر، ترى ما الذي فاته هو أيضًا مثلما فات صغيره!
ترى من الصائب أباه أم هو؟!
_عدي!!
أفاق عدي من شروده على هزة يد ابن عمه وهو يعاود بسؤاله:
_في ايه انت مزعل البنت ليه؟
قاطع سؤاله اقتراب ابنه يحيى، وهو يخبرهما بتوتر:
_أنا ممكن أطلع الرحلة مع رحمة يا انكل عدي.
جحظت نظرات ياسين الذي تكونت بعقله فكرة عما يحدث عنها، فقال بارتباك:
_رحلة ايه، انت مش اختباراتك كمان اسبوعين!
قال على الفور:
_ايوه.. بس ممكن اخد كتبي واللاب معايا واذاكر هناك.
حانت منه نظرة جانبيه تجاه عدي، فدفع ابنه برفقٍ وهو يحثه على الانصراف بطريقة كوميدية:
_امشي عند ماما يا حبيبي.
رفض الصغير الانصراق وتابع:
_انا هخلي بالي منها.. حرام دي زعلانة خالص.
صاح به ياسين بغيظٍ:
_ابوها واقف..الوحش فاكره!
رمقه عدي بنظرة غاضبة سببها طريقة تعامله مع ابنه العدوانية ففهمها غير ذلك لذا تابع ببلاهةٍ:
_معرفوش..
وحك رقبته وهو يهمس له:
_ولد وغلط.. حقه مدفوع.
تجاهله عدي وانتقلت نظراته ليحيى فاخبره ببسمةٍ صغيرة لاحت على شفتيه:
_موافق يا يحيى.. لاني واثق انك هتخلي بالك منها.
تهللت اسارير الصغير الذي غادر تجاه ياسين ورحمة ليخبرهما قرار عدي، بينما تابعه اباه بصدمة وهو يتساءل ماذا يخطط عدي للانتقام من صغيره!
افاق ياسين تلك المرة على صوت عدي الذي يخبره:
_ياسين… كنت عايز اعرف معلومات عن الصفقات اللي نجح مهاب أبو العزم انه ياخدها.
تلاشت ملامحه المرحة للجدية التامة، فسأله بريبة:
_ليه انت هترجع للشرطة تاني!
نفى ما قاله بشكلٍ غير صريح:
_محتاج للمعلومات دي يا ياسين هتقدر تجبهالي ولا لا؟
اجابه بسلاسةٍ:
_طبعًا أقدر.
ابتسم وهو يشير له:
_تعجبني.
وتركه واستدار ليكمل طريقة للمصعد فاذا بجاسم يهرول تجاههم، فخرج صوته متقطع من بين انقطاع انفاسه:
_في كمين منصوبلك تحت يا وحش… البنت كلهم وعمك يحيى رئيس الحزن!
ازدادت ابتسامته الماكرة وهو يردد:
_اتاخروا!
*******
بالأسفل..
رددت مليكة بنفاذ صبر:
_يعني يوم ما نحتاج نتكلم معاه يتأخر كده؟
اضافت أسيل بنفاذ صبر:
_ يمكن مش هينزل النهاردة..
اكدت رحمة عليهم:
_لا انا سايباه بيلبس ونازل!
ردد احمد بشكٍ:
_هو في ايه؟
اضاف رائد بقلق وهو يتناول طعام الفطور:
_تجمعهم على الصبح كده ميطمنش.
تناول معتز الشطيرة التي امامه وهو يضيف:
_عايزين تشتكونا للوحش بدلا من ياسين الجارحي ولا ايه؟
اجابته شروق بخبث:
_يمكن محدش عالم اللي في النفوس.
ضحكت نور وهي تشيح بنظراتها تجاه عمر:
_توقعوا مننا اي حاجة.
انتهت الاحاديث الجانبية حينما هبط عدي بصحبة ياسين وجاسم للاسف، فقال بمكرٍ:
_خير على الصبح.
اسرعت مليكة بالاقتراب منه وهي تذكره بوعده القاطع:
_وعدتنا انك هترجع بابا وماما قبل عيد جوازهم.. وخلاص مفيش وقت!
جذب مقعده وجلس يتناول طعامه بكبرياءٍ وجمود، والجميع يترقب سماع ما سيقول وبالاخص الشباب، يرتعب قلوبهم لما يضمره لهم عدي تلك المرة، فتحرك لسانه اخيرًا حينما قال:
_وانا لسه عند وعدي… ياسين الجارحي بنفسه هيكون عندكم بكره.. بس المهم تشوفوا انكل يحيى.
اتجهت نظرات الفتيات جميعًا تجاه يحيى الذي يترأس الطاولة، فقال بخوف مصطنع:
_مش هبلغه اي حاجة..
واتجهت نظراته لعدي فسأله بفضول:
_بس ايه السبب ورا مساعدتك دي يا عدي!
جذب احد ثمار الفاكهة يتناولها بتلذذٍ قبل ان يجيبه:
_ياسين الجارحي فاكر اني مش هعرف اوصل لمكانه، فحبيت اوريه اني لما بحط حاجة في دماغي بعملها من غير كلام كتير..
واتجهت نظراته لاخيه وببسمة خبيثة قال:
_جاهز للرحلة يا عمر؟
ابتلع ريقه برعبٍ وهو يردف:
_قصدك جاهز لهلاكي!
ابتسم يحيى وهو يردد:
_انت مكبر الموضوع ليه!!.. هو موديك لعذرائيل ده أبوك يا حبيبي!
قال وهو يتطلع تجاه اخاه الذي يستكمل طعامه وكأنه ذاهب لقضاء عطله صيفية:
_مهو الحظ لما يجي على الغلبان يبعتله اب زي ياسين الجارحي واخ زي المفتري اللي جنبك ده.

يتبع..

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة باقي حلقات الرواية اضغط على : (رواية ترويض الشرس (أحفاد الجارحي 5))

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *