روايات

رواية هواها محرم الفصل السابع 7 بقلم آية العربي

رواية هواها محرم الفصل السابع 7 بقلم آية العربي

رواية هواها محرم البارت السابع

رواية هواها محرم الجزء السابع

هواها محرم
هواها محرم

رواية هواها محرم الحلقة السابعة

صباح اليوم التالي .
لم يرغب بهجت في التنازل عن بلاغه إلا بعد تنفيذ ما نوى ، لتكن حجته الخوف وهذا أقصى ما يمكن تقديمه في الوقت الحالي .
حيث ظل هو وأسرته طوال الليل يجمعون بعض أغراضهم بعدما تواصل مع أحد رفاقه والذي أخبره بأن ينتقل إلى فيلته مؤقتاً لحين عودته من سفره وإلى أن يجد بهجت منزلاً جديداً .
جمعت نسرين الأغراض التي ستحتاجها وكذلك خديجة التي تعجبت من قرار والدها المفاجيء في الانتقال ولكنها رضخت له بطواعية .
طوال الليل يعملون حتى جمعوا القليل من الأغراض والتي سيحتاجونها معهم وتركوا أثاثهم لحين تنظيم الأمور ، الحزن يخيم على الملامح وتبقى النفوس مقيدة بمَ تشتهيه .
جاءت سيارة نقل صباحاً وتوقفت أمام الفيلا وبدأوا ينقلون فيها الأغراض البسيطة التي تم جمعها ليفروا هاربين من منزلهم كما لو كانوا مهجرين من عدوٍ يتصيد بهم أو خطر قريباً منهم .
ولكن الحقيقة أن بهجت وجد نفسه مقيداً بسلاسل التزامه أمام جنون ذلك الخالد وهمجيته التي يخشى على ابنته منها ، لذا فليغادر وليبتعد بقدر الإمكان .
❈-❈-❈
كانت نارة تجلس في فيلتها بقلقٍ حيث ظل صقر هو والمحامي طوال الليل يحاولان الحصول على تنازل بهجت ومصطفى وقد نجحا في إقناع الثاني أما بهجت فلم يقبل بأي تنازل إلا بعدما يبتعد خوفاً من إطلاق سراحه قبلها .
تناولت هاتفها تهاتفه وانتظرت إجابته حيث رد قائلاً بنبرة مرهقة :
– مرحباً جميلتي .
تحدثت بحب ممزوجٍ بالحزن والهدوء وبنبرة مهتمة قالت :
– أيوة يا حبيبي ، عملت إيه ؟
زفر بقوة وتحدت وهو يتمطأ في سيارته التي يصفها أمام مركز الشرطة قائلاً بنزق :
– مستني أهو يا نارة ، قلقان من تهور خالد ، بهجت رافض يتنازل ولما كلمته قال على بليل ، والتاني ده اتنازل بصعوبة ، يخلص بس الموضوع ده على خير ويطلع لإنه اتجنن فعلاً .
تحدثت باستفاضة قائلة بعد تنهيدة طويلة :
– خديجة كلمتني يا صقر وبتعيط جامد ، قالتلي إنهم هينقلوا مكان تاني بسبب خالد ، علشان كدة عمو بهجت مستني لما يمشوا وبعدين هيتنازل علشان خالد ميعرفش مكانهم الجديد .
أومأ بتفهم قائلاً وهو يفرك عينيه بتعب :
– واحد زي بهجت مش هيستسلم أبداً ، وده قلقني ، لإن للأسف خالد هو كمان مش هيقبل يبعد عن خديجة .
انتابها الضيق وقالت بحدة وقلق :
– إزاي بس يا صقر هو بالعافية ؟ ، هما مش موافقين عليه ولازم يحترم ده ويبعد وخلاص .
تحدث بثقة نابعة من معرفته بصديقه :
– لو حس أن خديجة مش عايزاه هيبعد يا نارة ، خالد متأكد إن خديجة بتحبه .
لم تجبه تلك المرة بل تراخت حدتها فهو محق في هذا الأمر ، خديجة تحبه وتتعذب بين شقي الرحى ومع ذلك لم تظهر أيّاً من مشاعرها تجاهه ، كل ما تسعى له أن تكون أسرتها سعيدة .
❈-❈-❈
حل المساء سريعاً
وتنازل بهجت عن البلاغ وغادر على الفور وخرج بعدها خالد من مركز الشرطة ينظر إلى صقر الذي يقف ينتظره بملامح ثابتة تخفي إرهاقاً فهو منذ أمس لم ينم أو يستريح .
لم يتفوه خالد ببنت شفة بل اتجه يستقل السيارة وتبعه صقر وتحرك يقود ليوصله إلى منزله .
بعدما انقضى نصف الطريق تحدث صقر قاطعاً هذا الصمت المريب يقول بشرود :
– هوصلك وارجع علطول لإن عندي مشوار مهم ، بلاش تهور يا خالد .
ظل يتطلع أمامه كأنه فقد السمع والنطق ، يعيش داخل نفسٍ أمارة بالعبث والمكر ، صمته يهدد بإعصارٍ قادم وهذا ما يعلمه صقر جيداً لذا زفر وتملكه الضيق ثم تحدثت بترقب ليخرجه من صمته قائلاً :
– بهجت نقل .
لم يفهم عليه جيداً بل أصابته بلاهة مؤقتة ولكنه أعطى ردة فعل حيث أن الأمر يخص بهجت وبالتالي يخص خديجته لذا التفت يضيق عينيه مستفهماً بلغته :
– ماذا ؟
تحدث صقر وعينه منكبة على الطريق قائلاً بنفس اللغة :
– بهجت جمع أسرته وانتقل إلى منزلٍ جديد .
احترقت خمائل قلبه وتزاحمت أنفاسه ولو تجسدت حالته الآن لباتت تشبه وحشٌ كاسرٍ لا يحسب الحسابات ، تحدث وهو يقول بثبات جديد عليه مكوراً قبضتي يديه وجسده في مرحلة الانصهار :
– إلى أين ؟
يعلم صقر أنه على وشك الانفجار ، يعلم ذلك جيداً خاصةً بعد تلك الليلة التي قضاها في الحبس والتي من المؤكد تركت خططاً في رأسه ، لذا زفر قائلاً وهو يهز منكبيه ببرود يائس :
– لا أعلم ، ولن أحاول معرفة مكانه .
ظل ثابتاً يطالعه للحظات ود فيها لو يفجر هذه السيارة من شدة غضبه ولكنه رآى جيداً إلى أي مكان يوصله الغضب ، لذا نظر أمامه قائلاً بهدوء مريب نادراً ما يستخدمه :
– حسناً ، لا عليك ، فقط أوصلني إلى منزلي وغادر .
أومأ صقر وأكمل قيادته ليوصله فهو يعلم جيداً أن كلمات العالم كلها لن توقفه بعد الآن ، لذا فليدعو ربه أن تمر الأمور على خير وليراقبه من بعيد لعل تلك المراقبة تنجح مع ماركو .
بعد وقتٍ أوصله واتجه ليصطحب نارة إلى منزل آسيا التي طلبت حضورهما ليتعرفا على أمير ووالده .
وصل إلى الفيلا وصعد فاستقبلته نارة بحب واشتياق وهي تتفحص ملامحه باهتمام قائلة بعدما رأت الإرهاق مرتسماً على ملامحه وفي عينيه :
– صقر إنت شكلك تعبان ، اطلع ارتاح وبلاش نروح وأنا هعتذر من ماما .
هز رأسه يميل عليها يقبلها قبلة خاطفة ثم قال وهو يبتعد ويتحرك للأعلى :
– أنا كويس جداً ، هطلع بس أخد شاور ع السريع وأغير واجيلك علطول .
أومأت له وصعد لينتهي سريعاً ويعود لها بينما هي تنهدت وتناولت هاتفها تخبر آسيا أنهما آتيان بعد قليل .
❈-❈-❈
في فيلا سمير العدلي
تحديداً في غرفة ابنه طه الذي أوصد غرفته وجلس على حاسوبه يتابع بتركيز تام .
يحاول منذ أشهر التواصل مع تلك الشخصية الشبابية ذات الأفكار الإلحادية التي تتوغل في عقول الشباب فتسلب أفكارهم وتبدلها إلى ما تريده لتنفذ خطة ممنهجة لصالح منظمات تسعى ظاهرياً للسلام والخير وما خفي كان أعظم ، باتت تشبه تيارات الهواء الخبيثة تمر فتقتلع في طريقها كل ما هو هشٌ وضعيف تاركةً من تشيّد بدينه السليم ليشتد بنيانه دون تأثر بتلك الرياح كأنها هباءاً .
وأخيراً نجح في الوصول إليه بعدما أثبت حسن نيته الشيطانية وها هو يتحدث معه قائلاً بطريقة مدروسة تبدو ممنهجة :
– متأكد إنك هتقدر توعي الناس وتعرفهم حقيقة الأديان وخصوصاً الإسلام ؟
تابع مباغتاً بعينيه بنظرة محذرة :
– خد بالك كويس ده أخطر الأديان ولازم نضعفه لأنه قائم على العنف والقسوة وإحنا بنسعى علشان نطهر الكوكب ونحافظ عليه من الإسلاميين ، لازم نوعي الشباب واللي عنده تساؤلات لازم يلاقي عندنا الإجابة .
تحدث طه بحماس بعدما نُزع من قلبه بقايا إيمانه بعد استنتاجات دامت لسنوات من العنف والتسلط والقسوة ولا شيئاً سواها قائلاً بحماس أعمى كحال قلبه :
– متقلقش خالص قولي بس أعمل إيه وأنا هعمله ، أنا كمان زيك شايف إن لازم نوعي الناس كلها وخصوصاً الأطفال اللي بيكبروا وسط عنف وضرب وذل أهاليهم المتدينين ، لو قدرنا ندخل عقول الشباب والأطفال هما بس كام سنة والدين ده مهيبقاش ليه وجود .
على الجانب الآخر يتابعه هذا الشيطان البشري بانتصار فهو يرى نسخةً مطابقةً له حين بدأ رحلته الإلحادية كما سيبدأها طه الآن .
زفر وتابع بنبرة خبيثة وابتسامة تظهر مدى براءة وجه الشيطان الذي تلبسه :
– تمام ، أول حاجة هنسلمك صفحة باسم عربي والصفحة هيكون عليها عدد كبير من المتابعين ودي المنظومة اللي إحنا تبعها بتكون شرياهم من اصحابهم علشان نستعملها في دعايتنا ، هنسلمك الصفحة وانت وشطارتك بقى ، وهنبعتلك كتب الكتروني وورقي فيها شبهات في الإسلام وأخطاء في القرآن لازم تهاجم بيها اللي بيحاول يتذاكى ، بس أهم حاجة أوعى تسمح إن حد يسألك ويجادلك ، لازم إنت اللي تضرب ع الحديد وهو سخن وترمي أسألتك اللي كتير أوي مش هيعرفوا يجاوبوا عليها .
شرد طه قليلاً يفكر وليته يمتلك العقل ليفكر بل مثله كمثلِ تمثالٍ لا حياة فيه تحركه روحاً ملعونة ثم تساءل مستفسراً بعدما بات مقتنعاً بأن الإسلام أكذوبة :
– طيب واللي بيسأل علشان يعرف الحقيقة ؟ ، يعني هو عايز ينضم لينا بس لسة جواه شك ؟
ابتسم الآخر بعيون خبيثة يحسبها جاءت من العدم قائلاً بنبرة هادئة يتقنوها ليسيطروا على العقول :
– دول مافيش منهم قلق ، جاوبهم بالأدلة اللي هتلاقيها في الكتب اللي معاك ، إنما اللي تحس إنه بيسحبك في الكلام وبيقدملك آيات وتفاسير علشان يوقعك أوعى تجادله وإلا هتخسر حجتك قدام اللي إنت بتحاول تسحبهم للمنظمة .
فرك وجنته بأصابعه يفكر قليلاً ثم قال بترقب وهو يبتلع ريقه بعدما جف حلقه :
– طيب ونظام الدفع ؟
ابتسم الآخر يجيب :
– من الناحية دي متقلقش ، فلوسك هتوصلك كل أول ٣ شهور ، بس لازم نشوف نتيجة ، ولازم تقرأ الكتب كويس علشان أهم حاجة تقطع أي شكوك جواك حتى لو بنسبة ٠٠١٪ .
أومأ له ثم أغلق المكالمة وبدأ في قراءة أولى الكتب الإلكترونية ليقضي على ولو مثقال ذرة إيمان داخله .
فلا يمكن أن ما يعيشه وما يراه من هذا الأب ومن هذه الحياة هو دين حق ، الحق والأحلام كلها متجسدة في هذا الكتاب ومع تلك المنظمة التي ستنتشله من مستنقع الإسلاميين المختل وسيحصل على المال الوفير منها وربما هاجر إلى بلدٍ أوربي يفعل بها ما يريده .
نعم لقد وضع الخطة وسينفذها وسينتقم من والده أشد انتقام .
❈-❈-❈
في الفيلا المجاورة والخاصة ب حسن العدلي .
شتان بين الفلّتين ، لمن يراهما من الخارج يحسبهما متطابقتان وداخل كلٍ منهما حكاياتٍ وقصص لا يعلمها إلا الله .
قلوبٍ مشتتة وأخرى ضائعة وأخرى لاهية وأخرى لا تبصر .
هنا يمكن رؤية اللونين الأسود والأبيض ولكن ليس بالعين وإنما بالقلوب ، هنا يسكن الخبيث مجاوراً للطيب وبينهما حصوناً لا ترى مصنوعة بأيدي أخين اتبع كلٍ منهما طريقاً مختلفاً .
يجلس حسن ويوسف تحدثان عن مقابلتهم مع ابنة شريف ،
يتحدث مع والده بتروٍ وأدبٍ قائلاً :
– متقلقش يا بابا ، أفضل حاجة إن المقابلة تتم هنا ، حتى علشان حضرتك تكون مرتاح أكتر .
زفر حسن وتحدث بتوتر وقلق منذ أن تم تحديد الموعد بعد أيام :
– أنا مش قلقان إنها هتيجي هنا يا يوسف ، بالعكس أنا فرحان ومتحمس إني أشوفها ، أنا بس خايف لاكون جيت أكحلها روحت عميها زي ما بيقولوا .
زفر بضيق ثم تابع وهو يشرح بيده مستفيضاً .
– أديك شوفت اعمامك أول ما انت جبت سيرة إن جوزها رجل أعمال عملوا إزاي ، خايف أعرفهم عليها علشان يدوها حقها يقوموا يلعبوا على جوزها ولا عليها وأكون أنا السبب .
شرد يوسف يفكر قليلاً فوالده محق في خوفه ، هو أيضاً رأى الطمع يتراقص في أعينهما ولكنه أيضاً لمح الذكاء والقوة في عين صقر أو ما يعرف بـ محمد عبدالله زوجها لذا زفر يجيب بتريث :
– متقلقش يا بابا ، اللي لاحظته إن جوزها مش سهل أو ممكن أعمامي يستغلوه ، يعني هو فاهم كويس اللي عملوه زمان وده كان واضح جداً في كلامه معايا ، يعني أنا نفسي كنت متوتر من نظراته ، وعامةً هنشوف إيه اللي هيحصل الأسبوع الجاي لما بنت عمي تيجي ولو حسينا بأي تلاعب من أعمامي وقتها نحذرها .
دلفت عليهما حنان تلقي السلام بمرحها المعهود وملامحها التي تضج حماس لتقاطع حديثهما بعدما استمعت لآخر حديثهما ثم تحدثت بحماس وهي تجلس أمام شقيقها :
– أيوة بقى يا يوسف يا فخر مصر ، تعرف إني متحمسة جداً أتعرف على بنت عمي دي .
أومأ يوسف مبتسماً على مدح شقيقته له يردف مؤيداً وهو يعتدل في جلسته :
– وأنا كمان زيك ، من أول ما عرفت وأنا عايز أشوفها خصوصاً إنها إنسانة مثقفة جداً وذكية جداً وبتكتب ، وإنتِ عارفة إن الكتب نقطة ضعفي .
قالها غامزاً ولكنها تذكرت شيئاً ما وتحدثت بعيون متسعة وعلو أجفله :
– افتكرت ، فين يا أستاذ يوسف المجموعة القصصية اللي قولتلي عليها ؟
زفر بيأس منها وأومأ يردف مجمعاً أصابعه في حركة صبر :
– لو بس تصبري على رزقك ، الصبح كانت هتوصلك .
قفزت بسعادة ثم اتجهت تعانقه بحب فهو الوحيد هنا الذي يدللها ببذخٍ وكثرة دون ملل وكأته يستعين بتدليلها لينسى آلامه .
بادلها العناق متأفأفاً باستفزاز ومرح فعادت تكمشه بعدما كادت تفلت منه وتقول بتوعد ضاحكة :
– طب مش هحل عنك بقى النهاردة هه .
ضحك بينما تحدث حسن بنبرة لينة :
– يابنتي اعقلي شوية .
تحمحمت تبتعد وتحك رأسها ثم نظرت لوالدها الذي يتنهد بقلة حيلة على صغيرته التي أفسدها شقيقها من كثرة الدلال وقالت موضحة :
– يا بابا مهو اللي بيستفزني ، بحضنه وبشكره وده مش عاجبه .
جاءت مشيرة على صوتها تردف بمغزى استفزازي متعمد وهي تضع الصحون على الطاولة :
– عيب يا حنان ده أخوكي الكبير ، اللي لو كان اتجوز كان زمان عنده عيال قدك .
شهقت حنان بفزع ونظرت نحو شقيقها الذي يطالع والدته بجحوظ وصدمة ثم عادت تنظر نحو والدتها قائلة باستنكار :
– إيه يا ماما بس الكلام ده ؟ يوسف لسة صغير جداً ، ده بالعكس بقى صحباتي بيكراشوا عليه .
التفت يطالع شقيقته بنفس الملامح وهو يراهما يوزعان سنينه بين الكبر والصغر بينهما تحدثت مشيرة مستفهمة بتركيز في حديث ابنتها :
– بجد يا حنان ؟، طب بعد العشا بقى نقعد وتقوليلي أسامي البنات اللي بتحبه وندور بينهم كدة يمكن نلاقي عروسة حلوة تعجبه .
مسح على وجهه مستغفراً ثم نظر لوالده يستنجده قائلاً :
– ما تقول حاجة يا بابا .
هز حسن منكبيه يردف بملامح خبيثة مانعاً ضحكته :
– ماليش دعوة أنا ، إنتوا حرين مع بعض .
تحدثت والدته بتقريع وهي تطالعه بقلب أمٍ يسعى للإطمئنان على ابنها المهموم دوماً :
– هيقول إيه بابا يعني يا يوسف ؟ ، غلطانة أنا في كلامي ؟ ، مستني إيه يعني علشان تتجوز ؟
حديثها ونظراتها يخفيان أمراً لا يخفى عنه لذا زفر بضيق ونهض قائلاً بهدوء ليعم التوتر المكان بعدما كان ممتلأً بالمرح :
– يا ماما لو سمحتِ احترمي رغبتي ، أنا لما أحب ارتبط وألاقي نفسي متقبل الخطوة دي صدقيني هاخدها ، عن اذنكوا .
نظرت حنان لوالدتها التي زفرت بيأس وأشارت لها أن تهدأ ثم أسرعت تلحق بشقيقها قبل أن يغادر الغرفة وتمسكت به قائلة برجاء وهي تطالعه :
– اتعشى معانا علشان خاطري يا يوسف .
ابتسم لها وربت على وجنتها يردف بنبرة هادئة تخفي قلباً متألماً يضيق به صدره ذرعاً :
– معلش يا حنّون عندي مشوار برا مهم مع موكل ، مينفعش اتأخر عليه .
تحرك يغادر وتركهم ينظرون إلى بعضهم نظرات حسرةً عليه بينما تحدث حسن مقرعاً زوجته بهدوء :
– بلاش يا مشيرة ترمي كلام هو فهمه كويس ، خلاص الصفحة دي اتقفلت وانتِ كدة اللي بتفكريه بيها ، سبيه ينام ع الجنب اللي يريحه .
ارتدت تجلس على مقعد السفرة وتضع رأسها بين يدها قائلة بحزن وقلبٍ منفطر :
– غصب عني يا حسن ، نفسي أفرح بيه وأشوفه مبسوط ، ابنك بيضحك قدامنا بس هو بيتوجع والوجع ده مش هيخففه غير واحدة بنت حلال تحبه وتعوضه .
زفر حسن ولم يتحدث بينما تحدثت حنان وهي تقترب من والدتها وتربت على كتفها لتلطف الأجواء كعادتها قائلة :
– خلاص يا ماما روقي ، ويالا نتعشى أنا جعانة أوي والأومليت اللي إنتِ عاملاه ده يفتح النفس .
رفعت مشيرة يدها تربت على كف ابنتها ثم قالت بعد تنهيدة طويلة :
– يالا اقعدي ، يالا يا حسن تعالى .
تجمعوا حول المائدة يتناولون وجبتهم وكلٍ منهم في أفكاره .
أما يوسف فقد استقل سيارته وغادر المنزل ليمر على فيلا عمه رضا التي تجاورهم .
نظرة خاطفة من عينيه عليها جعلت قلبه ينبض بقوة ، أتظن والدته أنه إذا ارتبط بإحداهما سينساها ؟ ، سيتوقف عن حبها ؟
ما سيحدث هو أنه سيؤلم قلباً آخراً معه ليس له ذنب .
من قال أن حب الرجُل يمكنه أن يتلاشى ؟ ، الرجل إذا أحب ابتلي ، حب الرجل يشبه البلاء يصاحبه إلى القبر .
إما أن ينعم معه أو يعيش مبتلى من غيره .
❈-❈-❈
في فيلا آسيا
تجمع الحضور في بهو المكان بعدما أتى أمير ووالديه .
يجلس أمامهم صقر وأسيا ونارة يتحدثون منتظرين مجيء مايا التي تتجهز بضيق وتأفأف وندم لهذا القرار الذي اتخذته في لحظة تهورية منها لم تحسب لها أي حساب سوى رد الصاع صاعين وها هي من تتلوى الآن وتتقلب فيما صنعت يداها .
ولكن يتوغلها القليل من الراحة نسبةً لثقتها في رفض أسيا لتلك الخطبة لذا زفرت ووضعت قلم الحُمرة بعدما انتهت ثم تقدمت من نافذتها لترى عمر ولكنها لم تلمحه ، دارت بعينيها المكان هنا وهناك ولكنه غير موجود .
استقرت بنظرها عند الملحق ربما هو به ومن المؤكد الآن يجلس حزيناً يتآكل ألماً بعدما رأى أمير .
نغزها قلبها معنفاً حتى كادت تبكي حزناً على حاله الآن التي توقعته ولكنها وجدته يدلف من بوابة الفيلا يجاور الحارس ويضحكان وهما يتحدثان باستمتاع وعلى ما يبدو أنهما يحملان وجبات العشاء خاصتهما بعدما أتى بها عامل التوصيل .
عاد قلبها ينغزها مجدداً ولكن تلك المرة ليس تألماً عليه بل على حالها وتساءلت .
هل توقف عن حبه لها ؟ ، هل سيتركها تخطب لغيره ؟ ، ألهذه الدرجة كان حبه لها واهياً وضعيفاً انكسر عند أول إعصار ؟
ارتسم الحزن على ملامحها ودلفت عائدة إلى غرفتها بإحباط ثم تحركت للأسفل لترى هذا الأمير المتحمس كثيراً لخطبتها .
نزلت إليهم واتجهت ترحب بأسرته وبه ثم جلست تجاور نارة التي تناولت كفها كدعم منها لها ولتطمئنها أنها ستظل جانبها دوماً ومهما حدث .
تنفست مايا وابتسمت لها ثم نظرت للجهة الأخرى لتجد أمير يطالعها بسعادة وحماس جعله يتقلب في جلسته بشكلٍ خفي لذا نظر لوالده وتحدث بنبرة عجلة وهو ينحتي عليه قليلاً :
– مش يالا بقى يا بابا .
حثه على الحديث لذا تحمحم والده ونظر نحو أسيا وصقر قائلاً بنبرة رسمية اعتيادية :
– طيب زي ما حضراتكم عارفين سبب الزيارة بس لازم نتكلم برسمية .
نظر لابنه يبتسم ثم عاد إليهم يتابع بثبات :
– ابني أمير من فترة وهو بيكلمني عن مايا وأد إيه هو بيحبها وحابب يرتبط بيها ، والحقيقة إني نصحته يتكلم معاها الأول قبل أي لقاءات رسمية منعاً للإحراج ولما هي رفضت أول مرة قلتله يسيب الموضوع ده لآوانه ، بس بمَ إنها بلغته إنها موافقة على الارتباط ده فأنا كان لازم أجي أنا والمدام نطلبها بشكل رسمي ونفرّح الأولاد .
زفر وأشار بيده نحو مايا التي تتقلب على صفيحٍ ساخنٍ وتابع :
– علشان كدة أنا يشرفني أطلب منكم إيد مايا بنتكم لابني أمير .
نظر صقر نحو مايا بعيون ثاقبة ثم زفر وتساءل بنبرة مترقبة :
– رأيك إيه يا مايا في كلام الأستاذ منتصر ؟
رفعت نظرها بحرج تطالعه بضيق فلم تتوقع أن يسألها أحدهم عن رأيها مجدداً وهكذا أمام الجميع لذا تملكها التوتر وقالت وهي تنظر نحو نارة التي تطمئنها :
– أ أنا قلت لأمير رأيي قبل كدة .
تفحص توترها بعينيه وعاد يتساءل بثبات وتمعن قائلاً :
– يعني موافقة ؟
التفتت تطالعه بخوف وتترجاه بعيون ملتمعة ألا يزيدها عليها ولكن نظرته كانت ثابتة لذا التفتت تطالع آسيا تستنجدها دون حديث فوجدتها تنظر لأي شيء سواها لذا زفرت بقوة وأومأت دون نطق حرف وقلبها ينقبض بقوة صارخاً بالرفض وإلا يقسم أنه سيبكي دماً فأردف صقر بهدوء يخفي ترقب لردة فعلها هي ونارة قائلاً :
– يبقى على بركة الله يا أستاذ منتصر ، نقرأ الفاتحة .
أجفلت وانتفضت واقفة تطالعه بذهول وكذلك نارة التي لا تستوعب ما يحدث بينما تحدثت مايا باستنجاد تجلى في نبرتها وهي تقول :
– استنى لازم أعرف رأي مامي الأول ؟
وكأن هذا آخر أمل لديها لتخرج من هذا الأمر دون عقاب لذا سلطت أنظارها على والدتها التي رفعت أنظارها تطالعها بلومٍ خفي وقالت بنبرة هادئة يشوبها الأسف :
– أنا موافقة يا مايا ، ومحمد عارف كدة .
التفتت تطالع صقر الذي أومأ لها فلو لم يكن متواجداً الآن لما جرت الأمور بهذا الشكل ولكنهما اتفقا سوياً على تلقينها درساً هاماً في الحياة ألا وهو عدم التسرع في أخذ قرارات مصيرية يمكنها تدمير قلوبنا وقلوب الآخرين .
نظر لهم صقر وتحدث باستقامة وجدية :
– يبقى كدة الكل موافق ، خلونا نقرأ الفاتحة .
سقطت على مقعدها كسقوط حجرٍ في بحيرة وليتها تختفي كما سيختفي الحجر ، ليت الحزن يبتلعها ، سقطت بحزن وخيبة فيمن حولها مجدداً ، في الخارج عمر يضحك وكأنه لا يبالي وهنا خذلتها عائلتها للمرةِ الألف ، وكأن روحها معلقة بحبلين كلاهما يسحباها في جهة واحدة لا تريدها .
رفع الجميع أيديهم ليقرأوا الفاتحة ولكن قاطعتهم نارة التي رأت في عين شقيقتها انكساراً غير مسبوق لتتحدث بثباتٍ قائلة :
– ثانية واحدة .
توقفوا جميعاً والتفتت لها عيون زوجها بترقب ويقين أنها لن تصمت وهذا ما حدث حينما تابعت :
– ممكن بلاش نتسرع ، يعني مايا وأمير داخلين على Exams وده ممكن يأثر عليهم ، فلو ينفع نستنى شوية ؟ .
تعلقت آمال مايا بشقيقتها كأنها تعود بشريط حياتها للخلف قليلاً قبل أن تنهار والتفتت تطالعهم بترقب فتحدث أمير معترضاً بهدوء ظاهري وداخله غيظ :
– مالوش لزوم يا مدام نارة ، يعني الموضوع مش هيأثر علينا .
تحدثت مايا باستغلال لذريعة شقيقتها قائلة ببداية أمل تنمو داخلها كبذرةٍ داخل تربة كادت تجف وارتوت قبل أن تموت :
– هي نارة معاها حق ، يعني أنا وافقت ع الارتباط بس ممكن نستنى شوية يا أمير ، على الأقل لبعد الإمتحانات .
تجهم وجه أمير ونظر لوالده الذي طالعها بضيق قائلاً باستنكار وجبين منكمش :
– يعني إيه يا بنتي وافقتي ع الارتباط بس نستنى شوية ؟ ، هو لعب عيال .
لم يتفوه صقر أو آسيا بل تركاها تواجه نتيجة فعلتها بمفردها وهي تجيبه بتوتر :
– لاء مش كدة ، بس أنـــــــــــا …
– الحقيقة إن إنتِ مش موافقة على ابني ، تقريبا ده قرار أخدتيه في وقت غلط ، وده يدل على إنك بنت مش مسؤولة عن قراراتك ، والغلط على ابني لأنه كان لازم يفكر كويس ويختار شريكه حياته صح .
هكذا تحدثت والدة أمير التي كانت تتابع بصمتٍ ما يحدث وتستنتج ردود الأفعال من حولها .
لتنهض بعد ذلك وتبعها زوجها منتصر ينظر لابنه بحزن قائلاً :
– يالا يا أمير .
حاول أمير تهدأت والديه فقال بملامح باهتة حزينة وبنبرة خائبة :
– استنوا بس يا بابا ، ثواني يا ماما مايا يمكن متوترة شوية !
تحدثت مايا بجرأة نسبية بعد موقف والدته برغم توترها الظاهر من فرك أصابعها قائلة :
– يمكن طنط معاها حق يا أمير ، الحقيقة إن أنا فعلاً أخدت القرار ده في وقت غلط ، أنا أسفة .
قالتها بخزي لأول مرة يظهر عليها وهي تخفض رأسها فنظروا لبعضهم بضيق وتحركوا نحو الخارج ومنتصر يحث ابنه على التقدم دون إضافة المزيد من الكلام واضطر صقر للذهاب معهم ليودعهم ويعتذر منهم بأسلوبٍ هاديء متزن .
عاد بعد قليل فوجدها تنظر أرضاً فوقف أمامها يعنفها بهدوء قائلاً :
– اتمنى اللي حصل ميتكررش تاني وإلا فعلاً هتكوني عيلة زي ما قالوا .
رفعت نظرها تطالعه بصدمة فتابع دون اكتراث لدموعها الوشيكة وملامحها الشاحبة :
– لما تزعلي مع مامتك وتغضبي يبقى تشغلى عقلك وتهدي خالص وبعدين تتكلموا ، أنما تروحي تاخدي قرارات طفولية كلها غلط وتحرجينا مع الناس يبقى كان لازم تتعاقبي .
تركت له آسيا الأمر برمته ولم تتفوه ببنت شفة بينما تحدثت نارة تدافع عن شقيقتها بتروٍ وحنو وهي تراها في حالة حزنٍ وخزي :
– صقر إنت معاك حق طبعاً ومايا اتسرعت بس بردو مش فاهمة ماما ليه توافق تقابلهم ، يعني الموقف مش حلو لينا أو ليهم ؟ .
وأخيراً نهضت آسيا وتحدثت باستفاضة وصياح وقلبٍ متألمٍ :
– لإني تعبت ، تعبت يا نارة وأنا كل ما بحاول أقرب من أختك وأفهمها هي بتبعد عني ، يعني إيه تروح تبلغ زميلها اللي هي أصلاً مش بتطيقوا إنها موافقة عليه علشان بس تضايقني ؟ ، مفكرتش في نفسها ولا في حياتها ولا في الإنسان اللي بيحبها وهي بتحبه ولا فكرت في أي حاجة خالص وجريت تبلغ أمير إنها موافقة عليه ، كان لازم أحسسها بنتيجة قرارتها ، لازم أحطها في موقف زي ده علشان تحس شوية ، وأنا اللي اتكلمت مع صقر ، مايا بتتعامل معايا على إني عدو مش أمها ، أيوة خبيت عنها حقيقة مُرة بحاول امحيها من حياتي بس لإنكم إخوات ، إنتوا بناتي أنا ودي الحقيقة الوحيدة اللي هتقبلها .
سقطت دمعتها وهي تتحدث فنظرت لها نارة برأفة شديدة بينما تابعت هي بنبرة أقل صياحاً وروحاً مجهدة هزمها الحزن :
– مكونتش حبة حياتها تتقلب ولولا إن عمر عايز يبدأ حياته معاها على وضوح مكانش حد عرف أي حاجة ، عمر اللي أنا دخلته اللعبة وظلمته معايا بس علشان هو الوحيد اللي أعرفه هنا وكانت وصية شفيق الله يرحمه إني أكلمه يساعدني هنا .
اتجهت تقف أمام صغيرتيها تردف بدموعٍ ملوعة وتوزع نظراتها عليهما :
– أنا طلعت بيكوا من الدنيا كلها ومستعدة أحارب الدنيا كلها علشانكم انتوا الاتنين .
ثبتت أنظارها على مايا وتابعت بدموع :
– بس إنتِ ببعدك عني يا مايا بتكسري قوتي وبتوجعي قلبي ، أنا تعبت ، تعبت أوي وبحاول أقاوم بس خلاص مبقتش قادرة أتحمل .
قالتها بانهيار فأسرعت نارة تعانقها ولم تعد تحتمل آلامها أكثر ووقفت مايا تشعر بالخزي والندم يتآكلانها ، شعرت كم هي ضئيلة أمام حزن والدتها ، كم هي غبية لا تفقه شيئاً في تلك الحياة ولا تشعر بأحدٍ سوى بنفسها .
أرادت أن تعانقها وتعتذر منها حتى وإن انحنت تقبل قدميها أسفاً وندماً ينهشان داخلها .
باتت دموعها شلالية ولكنها انطلقت تركض للأعلى نحو غرفتها أمام أعين صقر الذي وقف يتابعهن بعيونٍ حامية يقسم في داخله إنه سيحميهن بكل قوته من أي أذى يحاول إصابتهن ، خاصة بعد حديث آسيا الذي استهدف قلبه وجعله يرأف ويشعر بها .
ربتت آسيا على ظهر نارة وابتعدت عنها تخفض عينيها الباكية وهي تردف بحنو راغبة في الاختلاء بنفسها :
– معلش يا نارو ، أنا محتاجة أبقى لوحدي دلوقتي ، روحيِ إنت يا حبيبتي مع جوزك .
تركتها وتحركت نحو غرفتها بعدما أومأت لصقر تشكره بصمت بينما تقدم صقر من زوجته يعانق وجهها بكفيه ويهدهدها ويزيح دموعها بحنو قائلاً :
– يالا نروح ؟
لم ترغب في تركهما بمفردهما تلك الليلة خاصة مايا التي كانت تطلب دعمها وأيضاً والدتها المتألمة ، رغبت في البقاء لمواساتهما لذا نظرت لزوجها بحرج وقالت بترقب :
– صقر هو أنا ينفع أنام الليلة هنا ؟
توتر جسده وقلبه كأنهما يصرخان مطالبان بها بينما تحدث لسانه بنبرة هادئة مستفهماً :
– إنتِ حابة كدة ؟
تعمقت في عينيه التي تحذرها من قول نعم ولكنها خالفت تحذيراته وهي تقول بإيماءة وملامح معتذرة :
– أيوة .
تنهيدة حارة قوية مرت على صدره الذي شعر بالخواء ، الليلة سينام بدونها ؟
أومأ يبتعد عنها قائلاً بهدوء ينافي تمرد جسده وروحه :
– تمام ، تصبحي على خير .
تحرك نحو الخارج ولكن غلبت عليه طباع التملك لذا عاد مجدداً يسحبها من خصرها بيده قائلاً بنبرة متملكة لا تقبل اعتراض أو تفاوض بعدما وصل بها إلى الباب :
– هرجعك ليهم بكرة الصبح قبل ما أروح الشركة ، بس نوم بعيد عني لاء .
تعجبت من أمره وتحدثت وهي تتحرك معه نحو الخارج عنوةً :
– مش قلت تمام يا صقر ؟
فتح باب السيارة وأدخلها بحنو تحت نظراتها المتعجبة والمبتهجة في آنٍ واحد فمن قال أنها لا تحب تعلقه بها ؟، إنها عاشقة لهذا الرجل بكل أفعاله .
التفت يستقل مكانه ويطالعها بعمق مردفاً بنبرة جديدة عليها يثير عاطفتها :
– نارة حرام عليكِ ، إنتِ عارفة إني منمتش من إمبارح وكمان عايزاني مانمش الليلة ؟
ابتسمت له وأذعنت لرغبته قائلة بحنو وحبٍ :
– لا معاك حق ، خلاص موافقة .
تناول كفها يقبله ثم ابتسم لها فبادلته واعتدل يقود بها إلى فيلتهما .
أما في الملحق الخاص بعمر فيتمدد بأريحية وقلبٍ رطب بعدما أغلق لتوهِ مع أسيا التي أخبرته بما حدث وبإنهاء الارتباط قبل أن يبدأ كما تم التخطيط لذلك .
عادت إليه تلك المتمردة العنيدة ، ربمَا سيمتد جموده معها قليلاً ولكن حنينه إليها سيجبره على التروي ، خاصةً وهو يعلم جيداً أنها تبكي ندماً الآن .
يتألم مثلها ويود لو باستطاعته مواساتها ولكن أحياناً يكون الندم علاجاً ودرساً مهما في الحياة للتقدم واكتساب خبرات تؤهلنا للوصول إلى أحلامنا آمنين .
❈-❈-❈
في الفيلا التي انتقلت إليها أسرة بهجت .
فيلا كبيرة تفوق مساحة فيلتهم مرتين وأكثر يشعرون فيها بالبرد والضيق والخواء ولكنه أكثرهم راحةً حيث يردف باطمئنان بعدما ظن أنه ابتعد عن ذاك المجنون :
– النهاردة هنام مرتاح ، هناك كنت حاطط إيدي على قلبي من المجنون ده ، ربنا يكفينا شره .
نظرت نسرين نحو خديجة التي تجلس شاردة على الأريكة وقالت مستفهمة :
– إيه يا ديچا سرحانة في إيه ؟
تنبهت لها فاعتدلت تتنفس بعمق ثم ابتسمت بتكلف تردف بنبرة هادئة تنافي ضجيج روحها وقلبها المتلهف للإطمئنان عليه :
– أبداً يا ماما أنا كويسة ، بابا معاه حق ، الأوضاع هنا أكيد هتكون اهدى وأكيد هنتعود على المكان مؤقتاً لحد ما ننقل على مكان تاني .
تحدث مازن برأي مخالف مستفيضاً بضيق يجبره على إبداء رأيه :
– بس أنا مش هعرف أتعود يا بابا ، المكان هنا زي بيوت الرعب ، أنا حاسس بالضعف وإننا نسيب بيتنا وحياتنا بسبب شخص دي حاجة مضايقاني جداً ، أنا آسف يا بابا بس أظن إننا اتسرعنا .
احتدت ملامح بهجت وقال بتجهم :
– زي ما أختك قالت ده حل مؤقت بس وأنا هدور على فيلا جديدة في أقرب وقت ، وكتر خير عمك أحمد إنه فتحلنا بيته ، كان لازم نبعد عن سكة البني أدم ده يا مازن ، وأديك شوفت اللي عمله امبارح ، أنا مش عارف هقابل دكتور رؤوف بأنهي وش بعد كدة ، ومش ضعف زي ما بتقول بس أنا بحاول ابعد بيكوا عن المشاكل .
نظرت خديجة لوالدها الذي بات يحمل هموماً على غير عادة ، دوماً كان هادئاً مطمئناً ولكن جاءت أفعال خالد وقلبت حياتهم رأساً على عقب ، وما يرعبها أنها تجد قلبها ينجذب له بل ويتمنى حدوث معجزةٍ تضع الأمور في نصابٍ حالم لصالحها ، ما زالت تشعر أنها تمتلك مفاتيح تغييره للأفضل ، تشعر بحنين داخلها كأنه خلق له وحده .
تحدث مازن بتروٍ وأدب موضحاً وجهة نظره :
– أنا مش قصدي على حضرتك يا بابا ، أنا بس مش عايز يبان كإننا خايفين منه .
زفر بهجت وطالعه بضيق خاصة وأنه يزيدها على شقيقته لذا التفت بهجت يطالع خديجة فوجدها شاردةً تماماً لذا تحدث لينهي هذا النقاش :
– يالا يا ولاد كفاية كدة ، النهاردة كان تعب علينا كلنا ومحدش نام من امبارح ، خلونا ندخل ننام .
نهضت خديجة كأن عقلها كان يود الاختلاء بنفسه وبدأوا يتحركون نحو غرفهم التي أختاروها وقاموا بتنظيفها أما الطابق العلوي فلم يقترب أحدهم منه لخصوصيته بصاحب المكان .
❈-❈-❈
في اليوم التالي ليلاً
وبعد اتصال دار بين صقر وعاطف تمت قبول الدعوة الليلة لتناول العشاء سوياً .
انتهت نارة من تجهيز نفسها ووقفت تطالع ملامحها في المرآة برضا ثم التفتت تنظر نحو صقر الذي كان يتحدث إلى ماركو في الشرفة عبر الهاتف ودلف لتوهِ .
نظرت إلى ملامحه فوجدته عابساً فتساءلت بقلقٍ :
– إيه يا صقر حصل حاجة .
كور فمه ونفخ ثم رفع حاجبيه يطالعها بضيق لم يُخفِه عنها وقال وهو يضع يديه في جيبيه :
– بيقول إنه كويس طبعاً وأنه مردش علشان كان في ال pool بس أنا فاهم دماغه كويس جداً ، عامةً اتمنى يكون خوفي مبالغ فيه .
شردت تنظر جانبه ثم عادت له قائلة باستفهام :
– إنت خايف من إيه مثلاً ؟
تعمق في عينيها ولم يرد إخبارها بشكوكه حتى لا تفزع لذا ابتسم وتحدث بحبٍ :
– متقلقيش ، رجالتي حواليه ، بس يالا علشان منتأخرش .
أومأت له والتفتت تتناول دبوساً فضياً رجالي ثم شبكته في ربطة عنقه وربتت على صدره تردف برضا وهي تطالعه :
– كدا تمام .
تناول كفيها يلثمها وابتسم بحب ثم مال عليها قليلاً وأردف بهمس مشاغب بالإيطالية :
– هذه الربطة التي زينتيها الآن ستقيدكِ عند عودتنا ، الليلة سألتهمكِ .
ابتسمت عليه وأطرقت رأسها على صدره ثم عادت تطالعه بعيون يملؤها الشغف وقالت بحب وسعادة :
– بكل سرور .
❈-❈-❈
في طريقه إلى المطعم المنشود وتجاوره زوجته بشرودٍ بات جزءاً لا يتجزأ منها .
كانت جميلة برغم بهوت وذبول ملامحها ، ملامحها التي تضخ بالتمرد والعناد الذي ينافي استسلامها وضعفها الآن .
فكيف يمكن للمرء أن يقوى ويجابه دون جيشٍ يحميه ، والأشد مراً ومرارة أن يصبح جيشك الحامي هو نفسه العدو وكلما حاولت النهوض والقتال من أجل حياتك وحريتك أطرق بيده فوق رأسك فأسقطك أرضاً دون رحمة .
تحدث عاطف وعينه على الطريق قائلاً بنبرة تحذيرية مغلفة بالهدوء :
– مش عايز توتر يا أميرة ، افردي ملامحك شوية وخلى الليلة تعدي على خير .
تنهيدة طويلة صدرت منها ثم عادت تنظر للا شيء قائلة بطواعية واستسلام مؤلم :
– حاضر .
بعد وقتٍ وصلا أمام المطعم وصف عاطف سيارته وترجل أولاً ثم ترجلت هي فاتجه يعانق يدها ويدلف المطعم بتباهٍ واضحٍ وملامح جادة وحادة تنافي ملامح أميرة الحزينة .
أرشدهم النادل إلى الطاولة المنمقة التي جهزت بعناية بناءً على رغبة عاطف فاتجها يجلسان عليها وينتظران قدوم محمد عبدالله وزوجته .
لم يُدم انتظارهما طويلاً حتى ظهر صقر وتجاوره نارة يتقدمان منهما فوقف عاطف يستقبلهما بابتسامة عملية ومد يده يسلم على صقر واكتفى بإيماءة هادئة نحو نارة فلم تخفي عليه نظرة صقر المتملكة مثله أو هكذا يحب أن يشبه نفسه بأنه عاشقٌ متملك .
وكذلك فعل صقر مع أميرة التي مدت يدها بابتسامة باهتة ترحب بنارة التي بدورها قابلتها بلطافة وبدأت عيناها وحيل علم النفس خاصتها تستكشف القناع الباهت الذي ترتديه تلك الأميرة .
جلسوا جميعهم وجاء النادل بقائمة الطعام وتركهم ليختاروا وبعد عدة تشاورات هادئة قرروا طلبهم وجلسوا يتسامرون برتابة ورسمية .
كانت أميرة أكثرهم صمتاً ولكن نارة وعلى غير العادة تملكها الفضول من أجل استكشافها لذا باتت تلقي أسئلة هادئة كشخصيتها ولكنها تستطيع من خلالها استنتاج الأمور التي استشفت استنجاد خفي تطالب به هذه الجميلة .
كان صقر وعاطف يتحدثان عن أمورٍ خاصة بالعمل .
ارتاحت أميرة في الحديث مع نارة ، وبرغم إجاباتها المختصرة إلا أنها تجيب بنبرة ودودة .
تلك المرة تساءلت أميرة كأنها أرادت رد التساؤلات حتى لا تظهر كئيبة لذا قالت بترقب بعدما أخبرتها نارة بالقليل عنها :
– واسمك نارة فعلاً ولا ده اختصار ؟
ابتسمت نارة تجيب بود :
– اسمي ناردين شفيق الدقاق وبحب ينادوني بنارة .
ابتسمت أميرة وقالت مماثلة :
– وأنا أميرة رضا العدلي .
اختفت ابتسامة نارة تدريجياً ليحل محلها الصدمة وقد توغل اسمها عقل صقر الذي كان منشغلاً في حديثه مع عاطف لذا التفت يطالع نارة التي طالعته أيضاً بملامح ذاهلة انتبه لها عاطف فتساءل بترقب بعدما انعقد حاجبيه :
– خير يا جماعة في إيه ؟ ، إنتوا تعرفوا والد أميرة ؟
تحمحم صقر وشعر بالضيق لعدم وصول تلك المعلومة إليه قبل هذا اللقاء ولكنه نظر إلى عاطف ثم إلى أميرة وتساءل بترقب وهدوء :
– رضا العدلي ؟ ، قريب يوسف حسن العدلي ؟.
وكأن قلبها كان متوقفاً وانعشه اسم يوسف فنبض بصدمة تشبه الصدمات الكهربائية وتجلى ذلك على ملامحها التي باتت شاحبة تبتلع لعابها وتجيبهما بتوترٍ ملحوظ من هذا المتجمد الذي يجاورها :
– يوسف ابن عمي .
لم يتمالك عاطف نفسه وتحدث مخترقاً صدمة نارة قائلاً بضيق لم يخفى على صقر :
– إنت تعرف البني أدم ده منين يا محمد بيه ؟
نظر له صقر بتعجب ثم زفر ونظر لزوجته الساكنة والغارقة في صدمتها بهذا الخبر فهذه الماثلة أمامها ابنة عمها ؟
عاد صقر ينظر إلى عاطف وتحدث بهدوء :
– الحقيقة فيه صلة بين نارة وعيلة العدلي ، موضوع حساس شوية .
تعجب عاطف بينما نظرت أميرة إلى نارة وقالت مستفهمة بتوتر بعدما تلاعبت بها الأفكار :
– ممكن تفهميني فيه إيه ؟ .
نظرت نارة إلى زوجها ليدعمها فالتقط كفها يقبض عليه بحنو ليخبرها بطريقته أن تلتزم الصمت وقال بدلاً عنها :
– متقلقيش يا مدام أميرة ، قريب جداً هتعرفي ، إيه رأيكوا لو أعزمكوا على رحلة في النيل ؟
أدرك عاطف رغبته في إنهاء الحوار وبرغم ضيقه وفضوله في معرفة الصلة بينهما وبين هذا العدو يوسف إلا أنه استحضر ابتسامة عملية يجيبه بها قائلاً بجسدٍ متصلبٍ :
– خليها مرة تانية يا محمد بيه ، أميرة مش من مفضلي السهر .
قالها وهو ينظر نحوها ويلتقط كفها يلثمه بنظرة تعلمها جيداً وتعلم عواقبها وكأنها أذنبت لذا ابتسمت بتوتر وسحبت يدها منه تجيب بهدوء :
– فعلاً .
التزمت الصمت بعدها برغم التساؤلات الكثيرة التي انتابتها وكان ذلك حال نارة أيضاً التي كبتت رغبها في عناق هذه الأميرة التي شعرت برابطٍ بينهما منذ أن رأتها وكان هذا رابط دمٍ قوي ولكنها مرغمة على التروي قليلاً حتى تقابل تلك العائلة وتلتقي مرةً أخرى بأميرة لتعرف عنها الكثير .
انقضت السهرة بتكلف ملحوظٍ بين الثنائيين وغادر صقر ونارة بسيارتهما عائديْن .
ما إن أصبحا بمفردهما حتى التفتت نارة إلى صقر تطالعه بصدمة قائلة :
– معقول يا صقر ؟ ، تطلع مرات شريكك بنت عمي ؟
هز منكبيه متعجباً مثلها يقول بثبات وهو يتطلع أمامه ويقود :
– صدفة غريبة فعلاً ، كنت اتمنى اعرف حاجة زي دي قبل المقابلة بدل الموقف اللي حصل ده ، لإنهم طبعاً لاحظوا .
أومأت وتحدثت بتعقل :
– أكيد طبعاً ، بس إنت اتصرفت صح ، الأحسن نستنى لما نقابل عيلتي وبعدين أنا هبقى أتكلم مع أميرة وافهمها .
التفت يطالعها بطرفه ثم عاد ينظر أمامه يردف محذراً :
– ياريت لو تاخدي بالك منها يا نارة .
تعجبت منه وتحدثت مستفهمة :
– ليه قلت كدة ؟
زفر وتحدث بما يعتليه :
– الصراحة أنا مش هثق في أي حد من عيلة العدلي ، وأظن إنك لاحظتي لما اسم يوسف اتذكر إيه اللي حصل .
شردت قليلاً تتذكر ردود فعليهما ثم تحدثت بفطنة :
– أيوة أخدت بالي ، بس على فكرة ملامح عاطف ده مش مريحة بالنسبالي .
زفر بهدوء وشرد لثوانٍ يفكر في تلك العائلة وما علمه عنها مكوناً وجهة نظر لا تقبل التفاوض لذا قال برأي مخالف :
– أعتقد العكس ، زوجته هي اللي غريبة بالنسبالي ، هو واضح أكثر منها ، يمكن طبعه حاد شوية بس واضح جداً إنه بيحبها ، وزي ما قلتلك العيلة دي أنا مش هثق فيها يا نارة .
شردت تفكر قليلاً وتعيد حساباتها بتأنٍ أكثر لعله محق ، ولكن برغم ذلك هي لم ترتح لذاك المدعو عاطف على الإطلاق .
أما هو فحساباته عقلانية بحتة ، هو لم يرَ من عاطف سوى الجزء العملي وهذا أفضل جزء يمتلكه عاطف ، حتى الجزء المتملك لديه يشبه تملك صقر لذا فهو يراه من هذا المنظور .
ولكن أيشبه التملك بعضه ! هل تجمتع الغيرة مع القسوة في صفة تسمى التملك ؟
الجواب بالطبع لا ، فالغيرة هي دليل الحب ، والقسوة هي الراعي الرسمي للدناءة .
❈-❈-❈
بعد عدة أيام
الأوضاع هادئة ربما هدوءاً مريباً ولكنها مرت هادئة وهذا ما جعل بهجت يعود تدريجياً لصفاته المسالمة .
في وكالة العدلي .
يقف سمير يحتد على العمال ويأمر وينهي بنزق ، الجميع هنا يبغض اليوم الخاص به حينما يأتي ولكنهم مجبورون على طاعته والتعامل معه .
كان يصرخ ويثير التخبط بينهم نسبةً لتوترهم لذا بدون قصدٍ وقعت إحدى العبوات الكرتونية من يدي شابٍ كان يود إخراج محتوياتها ورصها على الأرفف ولكنه لم ينتبه أنها منزوعة من الأسفل فسقطت منه ما إن حملها .
انسكبت محتواياتها أرضاً وانكسرت بعض الزجاجات تحت أنظار سمير الذي بات يصرخ عليه ويعنفه بسبابٍ لاذع لم يتحمله الشاب فقال مندفعاً بعدما طفح كيله منذ الصباح :
– متشتمنيش بأهلي يا حج سمير ميصحش كدة ؟ ، ولو على لقمة العيش اللي تيجي منك مش عايزها ، الكرتونة دايبة من تحت وإنت نازل صريخ مش مدينا فرصة ناخد بالنا .
تفاقم غضبه ونظر له بعيون جاحظة يردف بحدة لاذعة غير عابء بمصيره :
– غور من هنا ياض ملكش شغل عندي ، عيل بجح صحيح .
ألقى الشاب بالعبوة أرضاً الفارغة وباغته بنظرة حاقدة ثم تحرك يمر من فوق البضاعة نحو الخارج تاركاً العمل عند هذا المتجبر الغليظ بعدما فاض به .
ظل سمير يطالعه بغضب ويردف كلماتٍ حادة ، بعد دقائق نظر للآخرين الذين تجمعوا وقال بتجهم وغلظة :
– اللي هيبجح بعد كدة مالوش مكان هنا ، واللي هيكسر حاجة من البضاعة هتتخصم منه ، الشغل المرق ده مش عايزه دي مش وكالة ابوكم .
قالها تزامناً مع مجيء سوسن تحمل عبوةً غير التي انسكبت بعدما أخبرها الشاب أثناء مغادرته بمَ حدث معه لذا أرادت لفت أنظار سمير عليها وخاطرت بالمجيء إلى الوكالة .
باغتها بنظرة متعجبة وقال باستنكار وهو يرمقها باشمئزاز :
– ودي تطلع مين دي كمان وبتعمل إيه هنا .
تحدث العامل المسن بتروٍ خوفاً من بطشه :
– دي واحدة غلبانة يا حج سمير بتشتغل في المخزن والحج حسن هو اللي سمحلها ، واطمن شغلها كويس ونظفت المخزن أحسن من الشباب .
قالها المسن خوفاً على تلك المسكينة من قطع رزقها فتفحصها سمير بنظراته من مقدمة رأسها حتى أخمص قدميها ثم تساءل بنبرة أقل حدة قائلاً :
– إسمك إيه يابت انتِ ؟
تحدثت دون رفع عينيها إليه وهي تضع العبوة بحذر على المكتب المستطيل :
– اسمي سوسن يا حج سمير .
ظل يطالعها حتى عندما مالت تضع العبوة وبرغم تآكل جسدها من الحزن والفقر إلا أنها تمتلك جسداً أنثوياً أمام تلك العيون التي ستظل خبيثة وشهوانية ما حيت لذا زفر وتحدث :
– طب يالا كل واحد على شغله ، وانت يابت لمي الحاجات اللي وقعت دي .
كان طلبه نابعاً من حقارته ليتابعها وهي تنحني تلتقط العبوات المتساقطة أرضاً بتفحص ولم يركز في اسمها ولا ملامح وجهها حتى وكأنه لم يكن يوماً يعرفها بل غلف عقله الشهواني سحابة من الأفكار الدنيئة التي لا تمطر أبداً بل تزاحمت وتفاقمت حتى باتت سماء عقله تشبه سماء بلدٍ ملوثة .
❈-❈-❈
في الشركة يجلس صقر وسامح يتناقشان في عدة أمورٍ خاصة بقطع غيار السيارات .
خاصة وأن سامح لديه خبرة عملية في هذا المجال .
تفاجأ صقر بفتح باب مكتبه ودخول خالد يحييهما بيده كأنه مشهوراً صعد للتو على منصة استلام الجائزة .
اتجه يجلس على الأريكة ينتظر انتهائهما فزفر صقر ونظر إلى سامح قائلاً بتريث :
– خلاص يا سامح شوف المناسب إيه واللي أعلى جودة .
أومأ سامح ونهض ليغادر قائلاً :
– تمام أنا هوصل التقارير دي لنهلة وهروح على البيت .
ودعه صقر ثم التفت يطالع خالد بتعجب قائلاً بالإيطالية :
– جئت تعتذر أم ماذا ؟
ابتسم خالد ساخراً ثم فرد جسده على الأريكة ووضع ساقاً فوق الأخرى متسائلاً بتباهي :
– وعن ماذا تريدني أن أعتذر ؟
لم يفهم صقر نظراته ولا ما يحوم في رأسه وهذا يحدث نادراً لذا زفر وتحدث بلوم :
– حسناً ربما لأنك لا تجيب على اتصالاتي منذ يومين ، أو لنقل أنك رفضت مقابلتي حينما أتيت إليك أمس .
تحدث خالد ببرود وهو يهز منكبيه :
– لا لن أعتذر عن هذه الأمور العابثة ، ولكن ربما أعتذر عن كونك كنت محقاً بشأن خديجة .
تنبهت حواس صقر وضيق عينيه بشك قائلاً :
– كيف ؟
زفر واتعدل في جلسته ثم تحدث بعيونٍ ثاقبة ومكرٍ نجح في إخفائه :
– أعتقد أن ما حدث مؤخراً أخافها مني لدرجة أنها لا تجيب عن اتصالاتي ، لذا فعلي التمهل قليلاً والبدء في مرحلةٍ جديدة ، من المؤكد لن أتخلى عنها ولكن سأخطو على الطريق الذي يريده والدها ، ولهذا فأنا أمامك هنا ، جئت لأقبل الوظيفة التي عرضتها عليا سابقاً ولنرى متى سيحن علينا هذا الديني .
صدمة تجلت على ملامح صقر ، خاصة وأن نسبة اقتناعه بهذا الحديث ضئيلة لذا أومأ خالد يتابع بتأكيد بعدما فهم عليه :
– نعم لا يهمني إن اقتنعت أو لا ولكن دعني أبدأ في الوظيفة التي تنتظرني ثم يأتي اقتناعك أو لا يأتي هذا يعود لك .
نهض بعدها يقف أمامه ويغلق زر حلته قائلاً بمغزى :
– دع زوجتك تطمئن زوجتي المستقبلية ، لتخبرها أن تجيب على اتصالاتي فأنا اشتقت لسماعِ صوتها .
قالها بنبرة مؤثرة وعيون عبثة ثم التفت يغادر المكتب وقد تبدل التأثر ليحل الخبث مكانه وترك صقر لأول مرة حائراً في أمره ، لأول مرة لا يستطيع تفسير ما يدور في هذا الرأس المتيبس ولكن من المؤكد لن يثق في حديثه إلا بعد أدلة ملموسة .
❈-❈-❈
في الجامعة .
تجلس إيمان مع أيمن على طاولة الكافتريا قائلة بخبث بعد بحث استخباراتي تتقنه :
– اللي عرفته إن أمير راح يتقدم للبت دي بعد ما هي قالتله وفي الأخر رفضوه ، ومن وقتها وأبوه غضبان عليه لإنه مصمم عليها وبيحبها وهي كرفاه ، وكمان سمعت إنها بتحب السواق بتاعها ، وأكيد علشان كدة رفضت أمير وياعالم بينها وبين الجدع ده إيه ، الخلاصة إنها عيلة هبلة ، يظهر كدة كانت اتخانقت مع حبيبها فقالت تغيظه وتوافق على أمير ، بس إحنا بقى هنستغل الموضوع ده وهنعرف الجامعة بالحكاية دي ونفضحها ، أنا عليا البنات وانت عليك الولاد وهنخلي سيرتها على كل لسان علشان تبقى تفكر كويس أوي قبل ما تقف في وشي .
أعجب أيمن بخبثها وتحدث باعجاب :
– وانتِ عرفتي كل ده منين ! ، دانتِ طلعتي مش سهلة أبداً .
ابتسمت بفخر ورفعت رأسها تقول بتباهي :
– العلاقات العامة يا حبيبي ، كل ما يبقى ليك علاقات عامة وتصاحب حد وتلف على حد تاني هتعرف أخبار الدنيا كلها ، وأنا بقى تخصص علاقات عامة واعرف إزاي اطلع الخبر اللي استفاد منه حتى لو في بطن الحوت .
ضحك عليها قائلاً بخبث وهو يجمع عنها معلومة تلو الأخرى كي يرتب خطواته معها ليلاعبها بأساليبها كما يريد :
– دا إنتِ داهية يا إيمي .
زفرت وتحدثت بحدة تلكزه بعدما لاحظت اقترابه منها :
– طب ياحبيبي خاف بقى على نفسك من الداهية واتجدعن شوية وكلم أبوك في موضوعنا ، ولا هنفضل كدة كتير ؟ .
تحمحم ثم استخدم تأثيره العاطفي قائلاً وهو يعاود الانحناء نحوها قليلاً :
– مالك كدة قلبتي مرة واحدة ؟ ، المفروض تكوني مبسوطة بعلاقتنا دي واديكي شوفتي البت دي بتحب السواق في السر بتاعها وتلاقيه بيمثل عليها أو طمعان في اللي عندها ، إنما أنا بحبك قدام الدنيا كلها ومبقتش خايف من حد هنا ، خلينا نعيش يومين حلوين بقى يا ايمي قبل خنقة الجواز والروتين يعني هما أهلي وأهلك خدوا إيه من الجواز .
استطاع تخدير عقلها خاصة عند تعمده ذكر أهلها وما تعانيه أسرتها من تشتت أفرادها ، من جهة قمع والدها وعنفه الذي بات جزءاً لا يتجزء من أركان منزلهم ومن جهةٍ أخرى ضعف والدتها ويأسها واستسلامها المخزي له .
شردت تفكر في حديثه وظل يطالعها بخبث وابتسامة لنجاح مخططه وامتدت يده يتناول كوب المشروب ويرتشف منه بابتسامة لعوب .
❈-❈-❈
بعد منتصف الليل
في الفيلا الذي انتقل إليها بهجت وبعد أن نام الجميع .
تنام في غرفتها متدثرة بغطائها وشعرها منفرداً خلفها على الوسادة ، ليلة باردة لذا فهي منكمشة أسفل هذا الغطاء الذي يخفيها بالكامل .
تشعر بالبرودة التي تتوغل إلى أحلامها ، أحلامها التي تأتيها لتجعلها تبتسم حتى لو كانت داخل فيلماً ينسجه عقلها الباطن .
كانت تراه أمامها يطالعها ويخبرها أنه لن يتركها ، قلبها منقبضاً وانسحاب معدتها للأسفل يشعرها بأن شيئاً ما على وشك الحدوث ولكنها مطمئنة لأنه مجرد حلم .
نعم يبدو أن هذا قدرها الذي تحاول الاقتناع به ، يبدو أنه سيكون دوماً ضيف أحلامها ولن تحصل على فرصة في تجربة الحياة معه .
تقف تقابله وهو يتقدم منها في مكانٍ يشبه منزلاً مهجوراً نوافذه مفتوحةً وستائره تتطاير بفعل الهواء العاصف الذي يجعلها ترتعش ولكنها تبتسم له ويتملكها الخجل والتردد كلما تقدم خطوة في الاقتراب منها خاصةً مع ابتسامته الماكرة هذه .
ولكن بعدما كانت تشعر بالبرودة بدأت تشعر بأنفاسٍ ساخنةٍ تلفح وجهها وعيناها المغمضة ، أنفاساً قريبةً جداً تخترق عقلها الباطن وترغمه على الوعي قبل أن يغيب .
لم ترد فتح عيناها خوفاً من تبخر تلك الأنفاس الدافئة لذا فهي تسعى لإكمال حلمها الممتع ولكن وخزة حانية اخترقت جلد ذراعها سريعاً جعلتها تفتح عيناها مجفلة وتتحس ذراعها لتجحظ فجأة وهي تراه أمامها متجسداً بقوة وملامحه أمام عيناها مباشرةً يطالعها بنفس الابتسامة ! ، أيعقل حلم !.
انتفضت سريعاً تحتضن لحافها وتردف بصدمة :
– إنت ؟ بتعمل إيه هنا ودخلت هنا إزاي ؟
كان مسحوراً بها ، لا يصدق أنها تمتلك أسفل حجابها وملابسها الفضفاضة كل هذا الجمال والنعومة والخصلات الفرسية والملامح البريئة الذي يود التهامها ، لذا تنفس بقوة وتحدثت بلغته ويده في طريقها إلى خصلاتها :
– اهدئي .
انتفضت مبتعدة قبل أن تلمسها يده وأدركت أن خصلاتها متناثرة فأسرعت تخفي نفسها بغطائها كاملةً وقد بدأت تشعر بتخدر بدأ من أطرافها وسرى نحو جسدها لتقول بنص عين :
– ابعد عني ، إنت عملت إيه ؟ .
لم تتمالك نفسها بعد لحظات بعدما تملك منها المخدر وسرى مفعوله على جسدها الرقيق يجبره على النوم لذا انسدل ذراعاها وعاد الغطاء يتخلى عن جسدها الذي انحنى مستسلماً لغفوته وتمدد مجدداً بعدما غابت عن الوعي .
اقترب منها حتى بات قريباً جداً من أذنها وهمس بصوتٍ تتفاقم به المشاعر قائلاً بتوعد :
– من الآن وصاعدا لن نبتعد أبداً ، ستجاورينني حتى الموت .
مال بشفتيه على وجنتها ينوي وضع قبلةٍ عليها ولكنه فجأة قبض على كفيه بقوة يستحضر طاقته كي لا يفعل ، لن يعاملها بطريقةٍ يعلم جيداً أنها تبغضها ، لذا تحكم في مطالبات جسده ونهض يحيطها بالغطاء مجدداً ثم نظر حوله يبحث عن شيءٍ ما ، اتجه يفتح خزاتها ويبحث بين أغراضها سريعاً حتى وجد ما يبحث عنه فدسهما في جيبه وعاد إليها ينحني حاملاً إياها بين يديه ليبقي الغطاء حائلاً بينه وبين جسدها ثم اعتدل يتنفس بعمق وراحة وانتصار وخطى بها نحو الخارج كما جاء دون إصدار أي صوت .
غادر من الباب الخلفي للحديقة واستقل سيارته خلفاً ثم حاوطها بذراعيه يحملها كالطفلة النائمة في أحضان والدها بعد يومٍ كامل قضته في اللهو والعب.
نظر لسائقه قائلاً بنبرة جليدية تخفي قلبه المتسارع بصخب من قربها إلى هذا الحد :
– هيا انطلق .

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة باقي حلقات الرواية اضغط على : (رواية هواها محرم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *