روايات

رواية سيد القصر الجنوبي الفصل العاشر 10 بقلم رحاب ابراهيم حسن

رواية سيد القصر الجنوبي الفصل العاشر 10 بقلم رحاب ابراهيم حسن

رواية سيد القصر الجنوبي البارت العاشر

رواية سيد القصر الجنوبي الجزء العاشر

رواية سيد القصر الجنوبي الحلقة العاشرة

واقترب أكرم خطوات حيث تقف جيهان ترتعد كلما اقترب خطوة، ثم وقف خلفها وقال بصوتً جعل الكلمات تقف بحلقها :
_ أطلعي برا …
ارتعدت جيهان وتجمدت مكانها، كاد قلبها أن يتوقف وهو يتحدث أو بالأصح يطلق الرصاص من شفتيه، موافقتها على هذه الخدعة الساذجة كانت درب من الجنون والحماقة ..!
وبالتأكيد أن الدقائق الآتية ستتلقي بهم كلمات مُهينة وطرد صريح لم تشهده بحياتها .. ولن يتسنى لها أن تدافع عن نفسها بكلمة ولا أن توضح موقفها بالأساس .. ريثما وهو بتلك الحالة من الغضب.
ولكن ما طرأ واستجد على الموقف هو عندما تابع الحديث، الذي قلب موقفها رأسا على عقب .. وقال :
_ أطلعي برا يا وصيـفة …..!!
حملقت جيهان لثوانٌ كأنها تتأكد أن ما سمعته صحيحا !!، وتأكدت عندما نطق أحد الصغار وقال بتوتر شديد :
_ ووصيفة تطلع ليـه ؟!

 

 

كأن الصغير أيضا أراد التأكد أن الأمر لا يشير للزائرة المتخفية بزي الرجال هذا، فـرد أكرم وبدا صوته أهدأ بعض الشيء :
_ عايز أقوله حاجة …
وأشار لجيهان، وابتلعت وصيفة ريقها وتنفست الصعداء، ثم ذهبت راكضة حتى غرفة الفتيات، بينما اقترب أكرم للفتى الغريب وأشار بيده على البنطال الجينز التي ترتديه جيهان، وبالتحديد لثقب بالجانب الأيسر وقال بحدة :
_ ماينفعش تمشي وهدومك بالشكل ده .. معاك هدوم ولا أجيبلك من عندي ؟
وجف الريق بحلق جيهان وهي تنظر لموضع يده على جانب ساقها اليسرى وحدقت بالثقب التي لم تلاحظه عند ارتداء هذا البنطال … فوضعت يدها عليه قبل أن يلاحظ الجزء البسيط الذي ظهر من جسدها … بينما كانت نظرة أكرم ضيقة ويبدو عليه الشك وقوة الملاحظة ..!

 

 

التفتت جيهان سريعا بطريقة لا إرادية وهي تقول :
_ والله ما خدت بالي ..!!!
وارتجفت عندما ضعف تنكرها عند آخر جملتها، فرفعت رأسها له بالتدريج وحاولت استجماع جميع نقاط قوتها بتلك اللحظة، وعندما التقت عينيها بعينيه الحادة الثاقبة ارتجفت بقوة، وجاهدت أن لا تظهر له ذلك … وتابعت بصوت كافحت لأن يكون أقرب لصوت رجل :
_ معنديش هدوم غير دول … والله.
وقفت نظرات أكرم على الفتى الذي تبدو لحيته وشاربه الكثيفان غريبان على تلك البشرة النضرة الناعمة وعمره الصغير !!
وكان في صمت ونظراته اتهام واضح … فأبتلعت جيهان وأغرورقت عينيها بالدموع خوفا أن يكشفها هذه المرة …. وكان الرجاء بعينيها واضحا للعيان، وكأنه بنظراته لها وصمته يقرأ عمقها … حتى قال بثبات :
_ تعالى معايا ..

 

ولم يمهلها لتوافق، فكونها ظاهريًا فتى فالأمر سيبدو طبيعيا وليس به أي خطر، ولكن كون حقيقتها أنثى فالأمر كارثي ومحرجا لأبعد الحدود … وأُجبرت أن تلحقه .. وتمنت أن لا تكن وجهته غرفته !.. ولكن وكأن الظنون تسخر منها وتضحك عاليًا .. فقد كان بالفعل متوجهاً لغرفته .. فتحشرجت الكلمات بفمها وأصبح وجهها شاحبًا وهي تقف عند عتبة باب الغرفة… تستحي أن تتقدم خطوة واحدة وتلفها الإنفرادية مع رجلا غريب ..!
حتى نظر لها بعدما أخذ قطعتين من ملابسه الخاصة وقال بصوت ظهر فيه بعض التعجب :
_ واقف كده ليه … ما تدخل !!
وكانت تستقبل حديثه بصيغة الأمر حتى لو كان طلبا ..! ، فتقدمت جيهان خطوتين مترددتان، واضيقّت عينيه عجبا من هذا التردد وكأنه سيبتلع من أمامه ..!
وقالت جيهان بصوت مخنوق من الخوف ويديها تخبأ الثقب ببنطالها الجينز:
_ في إيه …؟!

 

 

تنفس أكرم بقوة وما باتت تعرف هل كشف أمرها ويلاعبها بدهاء ليعرف ما خلفها، أم أن الأمر مجرد شك كونها فردا غريب بهذا القصر المخيف ..؟!
فأجابها قائلًا :
_ خد الهدوم دي والبسها بدل اللي عليك … وهجيبلك هدوم تانية، ده في حالة إنك فضلت هنا ..
ابتلعت جيهان ريقها بارتباك وقالت وهي تتهرب من نظرات عينيها المصوبة عليها بحدة :
_ أنت مش عايزني أفضل هنا ؟!
رد أكرم بثقة وثبات وكأنه جهز الرد مسبقا :
_ وجود أي حد هنا مش بيتوقف على اللي أنا عايزه !! … وجودك هنا هيتوقف على أخلاقك والتزامك حدودك وقوانين القصر، يعني هتعيش في هدوء وتسمع الكلام وتبقى انسان كويس هتفضل موجود … لو العكس حصل هكون مضطر أمشيك … الأمر يرجعلك ..
وتعجبت جيهان من حديثه، فأوضح أكرم قائلًا وهو ينظر لها ببطء من أخمص قدميها حتى رأسها المختبئ بقبعات لا مبرر له :

 

_ لو احتجت أي حاجة تاني قولي ..
تعلقت نظرة جيهان على عينيه للحظة، وللغرابة أعجبتها الثقة النارية التي تنبعت من أقل حركة أو التفاتة تصدر منه، لم ترى رجلًا بهذه الدرجة من الثقة بالنفس والثبات بهذا الشكل من قبل ؟!
ومع هذا تشعر وكأنها رأته من قبل ؟!
لكن أين ومتى وكيف … لا تتذكر ؟!

 

 

ونظرت لقطعتان الملابس اللذان أصبحا بيدها وقالت :
_ شكرًا … بعد إذنك.
واستدارت لتخرج من الغرفة بحركة سريعة وكأنها تفر !، حيث قال فجأة :
_ أستنى ..!
وقفت وهي تكتم أنفاسها اللاهثة من الخوف حتى استطرد قائلًا:
_ اسمك إيه ؟ … مش معقول يكون اسمك الحقيقي ” هريسة ” ؟!
تشتت تركيزها من ضغط الخوف على عقلها وقالت :
_ هو ده اسمي الحقيقي ! ..
لم تتلقى رد منه، فاستدارت بفضول لأن تره، حتى وجدت شبه ابتسامة ساخرة على زاوية شفتيه سرعان ما احكمها وأخفاها … فأطرفت عينيها وهي تنظر له مأخوذة بشيء غامض وجذاب بهذا الرجل .. ثم ركضت من الغرفة هذه المرة، وظلت عينا أكرم عليها وهي تبتعد من أمامه ناظرًا لها بتفكير عميق … !
************

 

تأخر الوقت لبعد العشاء وهو لم يعد ! ..
منذ أن خرج من المنزل لم يعد حتى الآن !.. أين ذهب يا ترى ؟!
والأهم هل هو بخير ؟!
وجلست فرحة على فراشها شاردة، وعينيها تسقط أحيانا على حقيبتها التي جهزتها للسفر لشهر العسل الحزين !!
سيكن الأمر ظاهريًا روايةً تحكى وتروى وتقع على مسمع المراهقات بحالمية وشاعرية …

 

 

أما على أرض الواقع فقصتهما مأساوية، كـ رواية كتب الفصل الأول فيها بحبر الزعفران، وبقيًة الفصول حتى النهاية بدماء القلب الذي ينزف! ..
وبأشد تيهتها وشرودها انتبهت لصوت باب المنزل وهو يُفتح..!، انتفضت من مكانها ثم ركضت وخرجت من غرفتها لتطمئن إنه عاد سالمًا، فوجدته يجلس متهالكًا على مقعد قريب وعرج قدميه يبدو على أشده الآن !! …
فأسرعت إليه مباشرةً وقالت بقلق :
_ أنت بخير ؟!
تبيّن زايد من نبرتها مدى القلق التي تخفيه، فنظر لها بعمق للحظات، ثم أغمض عينيه وهو يرجع ظهره للخلف بإرياحية :
_ شايفة إيه ؟!

 

نظرت له بغيظ لعدم اكتراثه لقلقها عليه وقالت :
_ مش شايفة حاجة ومش عايزة أشوف … أنا غلطانة إني بطمن عليك !!.
تشاركا نظرة ذات معنى، كأنه يعاتبها ويلقي عليها اللوم فيما يحدث له، حتى أخرج من جيبه علبة مجوهرات مخملية زرقاء اللون، وفتحها وتفحص محتواها الذي كان عبارة عن خاتم على شكل الرمز الرياضي اللا نهاية ..!
رفعه زايد امام عينيه وقرأ اسمها المنقوش عليه بدقة واحترافية، ثم نظر لها بنظرة لم تفهمها هذه المرة، وفوجئت أنه أخذ يدها والبسها الخاتم الذي ضم أصبعها في رقة ويسر..
وقال وهو ينظر له بيدها:

 

_ كنت محضرهولك مفاجأة … التصميم ده أنا اللي طلبته مخصوص .. هدية مني ليكي ..
نظرت فرحة للخاتم بأصبعها واعترفت لنفسها أن ذوقه راقٍ وساحر ، ولكنها قالت :
_ طالما متفقين إننا هنسيب بعض يبقى مالوش داعي للهدايا الغالية دي … !

 

 

استفزته ونجحت في ذلك بمهارة، فنهض زايد من مقعده ورد عليها بعصبية :
_ اللي مالوش داعي فعلًا هو غبائك !! …
قالت بغيظ :
_ أنا مش غبية، بس دي الحقيقة، إنت كل شوية بتهددني بالطلاق والأنفصال وبتلمح بيه في كل كلامك … يبقى إيه الداعي لهدية غالية زي دي ؟! …
تحكم زايد بنفسه وسيطر على أعصابه بأعجوبة، ثم قال والإحباط يملأ عينيه وصوته:
_ حضرتي شنطتك عشان السفر ؟!
أغاظها أكثر تغيره لمجرى الحديث، فكادت أن تخلع الخاتم من أصبعها حتى جذب ذراعها وارتمت عليه فقال هامسا بنظرة تهديد:

 

_ مابحبش حد يراجع ورايا تصرفاتي..!
ما تتكرريهاش عشان رد فعلي هيضايقك …
وعندما اتدركت وتذكرت بعض ردود أفعاله ابتعدت عنه وقد أحمرت وجنتيها خجلا، ثم ركضت لغرفتها واختفت من أمامه …
فنظر لها واطلق تنهيدة تحمل ما به من تخبط ومختلف المشاعر …
**********

 

دخلت جيهان لغرفة جانبية بالقصر لتبدل ملابسها … ووجدت أن لا بأس بالقميص الجينز الذي لا داعٍ لتغييره !
وقد بدلت البنطال ببنطال آخر من القماش الثقيل ، ولكنه أطول من مقاس ساقيها بكثير… فبحثت عن “مقص” ووجدته بأحد الأدراج .. وجعلته على مقاسها تمامًا وأرتدته … ثم خرجت من الغرفة بزهو من نجاح التجربة حتى الآن … لتجد أحد الصغار يركض نحوها ويقول :
_ الزعامة عايزك في الحوش اللي ورا المزرعة بتاعت الخيل اللي بعد القصر ..
تعجبت جيهان من الأمر وتوترت بعض الشيء، وحينما ذهبت تفاجئت بالأمر …

 

 

فقد كان الصغار منقسمان إلى فريقين لكرة قدم ، والبعض منهم يجلسون بعيدًا للهتاف والتشجيع ..
وعلى حين غرة ارتمت عليها كرة، فألتقطتها جيهان كمقصد للدفاع والحماية عن نفسها، وليس موافقة المشاركة… فنظر لها أكرم بنظرة متحدية وقال :
_ يلا نبدأ …

 

وصفر صفير بدء المباراة، فحملقت جيهان به بخوف وهلع …. ثم نظرت للكرة بيدها وهي على حافة البكاء!
المطلوب منها الآن أن تركض كالفأر بين الصغار وتلحقهم أيضاً لتستطيع صد ذلك المخيف !
فهزت رأسها برفض ، ولكن هيهات. .. ولحظات وقد بدأ الصغار يركضون حولها كالأرانب والفئران متغاضين عن حقيقتها في الأصل ومندمجين في اللهو بكل جوارحهم…

 

ولحظات وكانت بالفعل تركض بينهم وتحاول أن تنجح في حماية الكرة، بل ارتفع صوت ضحكاتها عندما نجحت بالفعل في سرقة الكرة من أحد الصغار ، واندمجت بينهم وغفلت تماما عن حقيقتها، وكأنها اصبحت طيرا حرًا طليق لأول مرة، وفجأة تعثرت وسقطت على أكرم الذي كان يركض بجانبها، وسقطا على الأرض سويا وهي تعتليه …!
ويبدو من نظرته الضيقة لعينيها أن تلك المباراة لم تكن لمجرد المرح لبعض الوقت …!

ولحظات وكانت بالفعل تركض بينهم وتحاول أن تنجح في حماية الكرة، بل تعالت ضحكاتها عندما نجحت في سرقة الكرة من احد الصغار ، حتى تعثرت وسقطت على أكرم الذي كان يركض بجانبها، وسقطا على الأرض وهي تعتليه …!
ويبدو من نظرته الضيقة لعينيها أن تلك المباراة لم تكن لمجرد المرح لبعض الوقت …!
هكذا توقعت من النظرة الضيقة الذي حدجها بها وهي قريبةً منه بدرجة خطرة، نظرة تفصح عن شكه بها دون حديث ومناقشات، وانتفضت مبتعدة عنه وكانت ملاحظة لم يغفل عنها ولم تمر مرور الكرام أمام عينيه الثاقبتان والمدققتان لكل شيء يحدث حوله.
وتأوهت جيهان من ألم قدمها، ويبدو أنها تعرضت للإصابة في كاحلها إثر السقوط، فمسدت قدمها وهي تتألم وخرج صوتها طبيعيًا ناعما دون تصنع، وهذا أيضا لم يمر دون ملاحظةً منه، ولكنها فؤجئت عندما جذب قدمها المصابة ناحيته وبدأ يفحصها، فشهقت جيهان وفغرت فاها من الصدمة، ثم نزعت قدمها من يديه وهذا جعلها تتألم أكثر وهي تتحدث بغلظة :
_ بتعمل إيه ..؟!!!

 

نظر لها بثبات ثم اجاب وعينيه تحاوطها بالغموض :
_ بشوف إصابتك .. قوم وأمشي عليها كده وشوف هتقدر تتحرك بيها ولا لأ ..
نظرت جيهان لقدميها بألم وقالت وهي تنهض وتختبر حركتها :
_ بتوجعني أوي ..
وبمجرد أن تحركت خطوة حتى تأوهت بصوتً مرتفع من الألم، وبلحظة وجدت نفسها محمولة على ذراعان قويتان تحملنها وكأنها لا تزن شيء !!
حتى أجلسها بغرفة بالطابق الأرضي داخل القصر!
وتتبعهما بعض الصغار وهم خائفين من تصاعد الأمور والخوف من كشف حقيقة الزائرة الحسناء ..
ومددت جيهان ساقيها على الفراش وهي تمسد موضع الألم، وغاب أكرم عن أنظارها لدقائق ثم عاد وهو يحمل معه مرهم طبي، وابتلعت ريقها بخوف وشحب وجه الصغار عندما بدأ يمسد قدمها بذلك المرهم الطبي وقال :
_ لو فضل الوجع أو حصل ورم هاخدك ونروح لأقرب عيادة دكتور …
ابعدت جيهان قدمها عنه بنبذ وقالت برفض تام:
_ لأ .. مش مستاهلة، وجع عادي من الواقعة !
نظر أكرم لها ببطء وقال وكأنه يسخر منها وتوهمت إنها رأت طيف ابتسامة على زاوية شفتيه:
_ أنشف شوية … حتة ماتش يعمل فيك كده!! … أومال هتعمل إيه بعدين ؟!
جف ريقها من ما يرمي اليه وقالت بخوف واضح :
_ قصدك إيه ؟!

 

نظر لها أكرم نظرة طويلة ثم قال بتهديد مغلّف :
_ قصدي أنك أكبر ولد هنا وأنت هتكون دراعي اليمين، يعني استرجل شوية لسه التقيل جاي.
شحب وجه جيهان ونظرت للصغار بهلع، بينما بدأ اكرم كأنه يقاوم بإخفاء ابتسامته .. ونهض ووقف أمام فراشها قائلًا وهو يضع يديه بجيبي بنطاله في ثقة:
_ دي أوضتك من النهاردة ..
قالت جيهان وجسدها يرتجف بينما عقلها كاد يجن :
_ هقعد هنا في القصر !!
هز رأسه ايجابا بأستفزاز دون نطق كلمةً واحدة، فأشاحت عينيها بعيدًا عن عينيه المدققتان بعينيها، ثم ابتلعت ريقها وأغمضت عينيها في خوف ورعب، خصوصا أن وضعها الآن أسوأ مما مضى ، ولن تستطيع حتى الهروب بقدمها المصابة هذه!.
والمريب إنه لا يترك فتى يمكث بالقصر فلمَ سيتركها على اعتبارًا أنه لا زال معتقدًا بأنها فتى ؟!
وإن كان كشف أمرها لمَ لم يعلن ذلك ؟!
فتحت عينيها ونظرت له، فوجدته يرمقها بنظرة متسلية كأنه يستمتع بما يحدث لها، وبدا لها شخصا نرجسي لأن يشعرها بذلك !.
وبعد ذلك أمر الصغار أن يتركوا صديقهم المصاب حتى يستريح لبعض الوقت، وقبل أن يغلق باب الغرفة استدار وقال لها ما جعلها ترتعد:
_ هبقى أجي اطمن عليك كل شوية .. مش هسيبك.
كان في كلمته الأخيرة شِبه تهديد ووعيد، واغلق الباب وهو يرميها بنظرة قوية اكثر تسلية من مثيلاتها، وبمجرد أن اصبحت بمفردها حتى وضعت جيهان يدها على وجهها من الخوف وقالت :
_ أنا لازم أهرب من هنا !.
*************

 

واستعدت فرحة في غرفتها، ولم تعرف لمَ شعرت إنها تريد أن تبدو بطّلة مُلفتة امام عينيه !
كأنهما بالفعل سيسافرا لشهر العسل وليس أجازة مزيفة بغرض خداع الناس لبعض الوقت حتى ينفصلا ..!
اختارت بعناية ردائها، كان فستان مخملي بلون الخوخ، يبرزه حزام أسود رفيع من الخصر وينسدل لأسفل بوسع وأنسيابية، كان يجعلها أصغر سنا من عمرها، وأكثر إشراقة وبهجة، كأنها بالفعل العروس السعيدة بأيام زواجها الأولى..
واعتمدت فرحة بعض لمسات الزينة البسيطة على وجهها، مما جعلها طلُتها تقاتل للفت الانتباه، انتباهه هو بالاصح.
وقد كان ، ونجحت في ذلك.
فقد رفع عينيه عليها ببطء وتفحصها بحرية من أخمص قدميها حتى نظرة عينيها المرتبكة في حياء.
وكانت عينيه محبة ومعجبة حتى وصل لعينيها، فقد تبدلت نظرته للعتاب والالم الشديد ..
همّ واقفا من مقعده وقال وهو يتنهد ويبعد عينيه عنها :
_ في مكان هنروحه الأول قبل ما نسافر لشهر العسل ..
تعجبت فرحة وشعرت بالقلق فسألته:
_ مكان إيه ؟!
رد مجيبا :
_ القصر ..
فغرت فرحة فاها من الصدمة، ايقصد قصر والده حيث يمكث ألدّ أعدائه ؟! … لمَ ؟! … فقالت بريبة :
_ ليه ؟!
أجابته كانت غير واضحة ومقنعة عندنا قال:
_ في حاجة نسيتها في القصر وهعدي أخدها قبل ما اسافر، هتيجي معايا ، بس بشرط ، لو نفذتي الشرط ده يبقى هعتبر أن ده اتفاق على هدنة ما بينا ونقضي الوقت من غير مشاكل لحد الطلاق … أنما لو ما نفذتيهوش يبقى ما تلومنيش على تصرفاتي بعد كده ..

 

ابتلعت فرحة ريقها وشعرت بشيء مخيف يواريه ، فقالت بقلق :
_ شرط إيه ؟!
اقترب منها زايد ونظر لعمق عينيه لبعض الوقت، ثم قال برجاء حقيقي :
_ تعامليني قدامهم زي ما كنتي بتعامليني قبل كده ، مش عايز مخلوق يحس بأن في مشاكل ما بينا ..
كانت تنظر له وحينها تذكرت كمّ الحقد الذي كان بعينان هيثم عندما أخبرها بحقيقة زايد، وشعرت بأنه لا يريدها أن تكون بنظرهم نقطة ضعفه اللذان يستطيعان من خلالها تدميره.
قالت بصدق :
_ موافقة ..
ولأول مرة يشعر براحة في إجابتها منذ عقد القران! ، فتنفس الصعداء وانشرح صدره لتلك البادرة ..
وعندما جلست بجانبه في السيارة سألته بأهتمام :
_ أنت اللي هتسوق ؟! … طب ورجلك ؟!
أشارت لإصابة قدمه، فنظر لها نظرة جانبية يستكشف مدى اهتمامها وأجاب:
_ لحد القصر بس ، انما السفر لأ ..
وهنا اطمئنت بعض الشيء، وشردت وهما يسيران بالطريق ، سيجعلها تعاملها اللطيف مع زايد أمام هيثم وأمه تكتشف بعض الأشياء ، ومدى حقدهما عليه وتختبر ردة فعلهما ، ستكن مسرحية هزلية، ولكن شيء فيها يشبه الكوميديا السوداء .. الظاهر شيء والباطن به العمق الحقيقي للفكرة.
وعندما وقفت سيارة زايد أمام القصر، كانت “نوران” ترتشف فنجان قهوتها مع ولدها “هيثم” بالحديقة وهنا يضحكان على شيء …
وتأملهما زايد من بعيد بكراهية، وذلك بعدما ترجل من سيارته وسبق فرحة زوجته عدة خطوات.
التفت له هيثم وتفاجأ بعض الشيء من ظهوره، ولكن ابتسم بشماتة من مرسم الكراهية على وجه زايد، والذي تنبأ بنجاح مخططه، ولكن تفاجأ هيثم ونوران بفرحة التي تدخل من البوابة العريضة والابتسامة تشق خديها وبطلّتها الآخاذة، ثم استندت بذراعها على ذراع زايد وقالت بضحكة مرحة :
_ مش قولتلك استناني ؟! .. عموما مش مشكلة، مقدرش أخاصمك ..
حملق فيها بذهول كلا من نوران وهيثم ، ونظرت فرحة لهما بشك ، ثم قالت لزايد الذي انتقلت نظرته العنيفة من عليهما لها ، ولكن نظرته لها كانت مدهوشة ببريق محبة وامتنان .. وقالت مجددا وقد بدأت تشعر بالحياء من نظرته :
_ هروح اسلم على طنط نوران يا حبيبي ..
وهنا كانت الطامة الكبرى على الجميع :

 

_ وتوجهت نظرة هيثم من الشماتة للغضب والعصبية، وتشتت ذهنه وهو يسأل نفسه ماذا يفعل أكثر مما فعل لكي يفرّق بينهما ؟!
واقتربت فرحة من نوران المصدومة وصافحتها كأنها لا تحمل لها أدنى شعور من النفور والحذر ، وقابلتها نوران بارتباك وتوجس. .. ولاح على وجه زايد ابتسامة راضية … فقد فعلت أكثر مما أمل وتوقع … فقالت نوران بارتباك واضح :
_ أنتوا مش المفروض في شهر العسل ؟!
ضحكت فرحة وكأنها لا تترك ادنى فرصة لكي تبدو كالعروس السعيدة وأجابت :
_ زايد كان محضرلي هدية ومن فرحته نساها هنا ، واصريت آجي معاه عشان نجيبها قبل ما نسافر لشهر العسل ..
واستدارت فرحة له وشاكسته وهي تمرر يدها على شعره ضاحكة وقالت :
_ لسه مش عايز تقولي جبتلي إيه ؟!
وقالت لنوران وهي تضحك عاليًا :
_ تصوري يا طنط بقالي يومين بتحايل عليه يقولي جابلي إيه وهو رافض !! … مصمم يورهالي لما نوصل الفندق !
لم يندهش من صدمتهم، فكيف وهو نفسه كاد أن يصدق للحظات ما قالته ويصدق فرحتها التي لا يمكن أن يشك مخلوقا بها !!

 

فنظرت نوران لأبنها بسخرية وحقد ، ثم قالت وهي تتصنع الابتسامة :
_ لا مالوش حق !
وكادت فرحة أن تتحدث وتتابع تلك المسرحية حتى وجدت أصابعها يتخللها أصابع يد زايد برفق ولطف شديد، وقال لها بابتسامة ونظرة عميقة :
_ خلاص موافق … تعالي معايا أوريكي محضرلك إيه ..
وجذبها بتملّك اليه، ثم أخذها حيث غرفته بالطابق العلوي .. وجف ريق فرحة من التوتر والخجل .. ريثما أن نظرته لها كانت تحمل الكثير من الدفء.

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة باقي حلقات الرواية اضغط على : (رواية سيد القصر الجنوبي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *